يقول الكاتب السنغالي بوبكر بوريس ديوب في روايته «مورامبي» كان حينها الموت يسبق الحياة. وهذه العبارة جعلتني أتوقف مليا عند شرح معنى الموت بالحياة، كيف يسبق الموت الحياة، وهل يمكن توقع الحياة دون توقع الموت، أم أن كلاهما مرتبط ببعض أو لربما بالفعل الموت يسبق الحياة.
لكن تبقى الحقيقة الأكيدة التي لا مفر منها أننا كلما نقترب من الموت، تنقص أعمارنا ويكبر حجمه داخلنا، حتى وإن لم نستوعب ذلك في غمرة الحياة، لذا يظل الهاجس الوحيد الذي يشغلنا ليس الخوف من المجهول، وإنما الخوف من الموت وحده، وكأنه المصير الوحيد الذي يدعو إلى الهلع. وما زاد من تعميق هوة هذا الشعور في أنفسنا هو مراسمه وليس الموت ذاته، فكيف نخاف من شيء لم نلمس بعد حقيقته، بل كل ما عرفناه عنه من الآخرين الذين سبقونا إليه، وتلك المعرفة تبقى سطحية لأننا لم نعرف كيف واجهوه وماهي مشاعرهم الأخيرة تجاهه، كل ما نعرفه هو لحظة مغادرتهم دنيانا، لذا يظل بالنسبة للكثيرين اللغز المحير.
فكيف لجسد كان يتغنى بالحياة، يصبح جثة هامدة دون حراك، وكيف من كان يظن أنه يستطيع فعل الكثير من الأشياء الإيجابية والسلبية يصبح في لحظة واحدة تحت التراب!
هذه التساؤلات وأخرى أعادتني لرواية «الأفق الأعلى» للكاتبة السعودية فاطمة عبد الحميد التي طرحت فيها فكرة الموت أو حاولت شرحه من وجهة نظر الموت نفسه.
ماذا لو تكلم الموت؟ ماذا تراه سيقول وهل يمكن أن يتجسد روائيا من خلال قراءة سيرة روائية متخيلة تقارب فكرة الحياة نفسها عنه، وإن نحن تحدثنا عن الحياة، فالأكيد نتحدث عن أنفسنا، كيف نرى الأشياء وكيف نتعامل مع الموت ولماذا دائماً نرتعب حين يأتي أحد على ذكر سيرته؟ مع أنه عبارة عن نهاية وجودنا المادي على هذه الأرض، في حين أرواحنا ستنتقل إلى الرفيق الأعلى، وعلى الرغم من أن الحياة لا تعدنا أحيانا بما نحب، لكننا في المقابل نسعى جاهدين إلى أن نبقى فيها أكبر وقت ممكن، دون محاولة التفكير ولو لبرهة من الزمن في الأشياء التي قد تعترض طريقنا.
وهنا الكاتبة شرحت الموت أو نظرت إليه من زوايا أخرى قد لا نفكر فيها بالمرة، لكنها تعد أحد أشكاله الدنيوية القاسية، تقول الرواية: «كلُّ الأمورِ السّيّئةِ مِنْ حولِنا مُقدِّماتٌ للمَوت». وهي محقة تماماً، لكننا لا نجرؤ على التفكير بذلك، لأن خوفنا منه هو في حقيقة الأمر خوفنا من نهاية وجودنا في الحياة، فرغبة الحياة وسحرها الذي لا يقاوم دائماً ينتصر عند بني البشر ويتفوق على كل شيء، حتى وإن تقاطعت مساراتنا مع الموت بطرق أخرى أكثر قسوة من الموت الفعلي لكن لا نلقي لذلك بالا.
وهذا ما نستدل عليه من خلال علاقة سمر والجد سليمان التي يقودنا من خلالها الراوي أي الموت إلى الحديث عن سيرته في الحياة مع بشر لديهم الكثير من القصص المبتورة والأحلام المعطلة، قصص تعيد تتبع مسار الموت الفعلي وليس ما نعتقد أنه ذلك الذي يختم على جواز سفرنا إلى الآخرة.
فحين يزوجك أهلك في سن الطفولة بامرأة أكبر منك سنا هنا أنت جربت الموت بأكثر طرقه بشاعة، لأنك حرمت من حقك الطبيعي في أن تكون طفلا، وحين تحب في الوقت الخطأ الشخص الخطأ أنت أيضا جربت فكرة الموت، تجرب فكرة الموت أيضا حين تجتهد قدر الإمكان في أن تطيل عمرك بالحياة دون أن تفكر للحظة واحدة هل أنت فعلاً تعيش اللحظة أو تستثمرها للتفكير في المستقبل الذي قد لا يكون مسايرا لتوقعاتك، أو كما عبرت عنها الكاتبة بقولها: «تربي عمرك ليطول». تقول الرواية على لسان الموت: «في البداية ظننتُها ستَسْخَطُ على هذا الأجَلِ غيْرِ المتوقّعِ مِنْ سَيّدةٍ تُربّي عمرها ليطولَ، كحالِ جميعِ الرّياضِيّينَ حينَ ألتقِطُ أرْواحَهُم وهم في عُنفُوانِ صِحّتِهم، فلا يأخُذُونَ مَسْألةَ حتْمِيّةِ الموْتِ بهذِهِ البَساطَة.»
يعود مرة أخرى للقول: «لكنها كانت سَعِيدة، وتلقّتْني بشغف يشبِه حماسَ مُتسلّقِي الجِبالِ، إذا اقتربُوا من القِمّة، بل تصَرّفتْ كروحٍ قديمة، ملّتْ مِنْ كثرةِ تنقُّلِها في أجساد جدِيدَة».
تذكّرت وأنا أقرأ «الأفق الأعلى» عبارة أحبها للكاتب الفرنسي جان دورميسون يقول فيها: »هناك شيءٌ أقوى بكثير من الموت، هو حضور الغائبين في ذاكرة الأحياء» لكن ماذا لو أعدت صياغة هذه العبارة بما يتناسب وموضوع الرواية، فالأكيد سوف أتساءل عن ذاكرة الموت بالنسبة للموت نفسه حين يحكيها روائيا من خلال تجاربه مع البشر التي لا نتطلع من خلالها على حكايات خارقة نقف عاجزين عن تصديقها، بل على حقائق لم نقف لمرة واحدة عندها لأنها ضمن ما نتداوله يوميا في حياتنا حتى تصبح مع الوقت أمرا نقوم به دون النظر فيه حتى، بمعنى يصبح الصح والخطأ متساويان في خط الحياة الذي نعتقد أنه يسير مستقيما. لذا يظل شغلنا الشاغل هو ذلك الخوف من مغادرة الحياة من باب الموت، هذا الباب الذي لا نجرؤ على طرقه أبداً، لكنه الباب الوحيد الذي لا يخطؤنا عندما يحين الأجل، تقول الرواية: «لا توجد في الموت أيُّ مصادفة، هكذا هو الأمرُ، فما يأتي إليكَ، يأتي إليكَ باسمِكَ شخصيًّا، لكنَّ النّاسَ يأبَوْنَ التّصْديقَ، إذْ يرفُضُ الجميعُ هذا النّوعَ مِنَ الألمِ، ألمِ وضْعِ النّقطةِ الدّاكنةِ في نهايةِ السّطرِ الأخيرِ منْ حياةِ أحدِهم، ويصعُبُ عليهم تحمُّلُه».
لم تشأ الكاتبة برأيي الخاص الحديث عن فكرة الموت كموت، ولكن الحديث عن تأثيره في الأحياء، أي نظرتهم له، لربما أكون مخطئة، لكن تفسيري للرواية قادني إلى هذا التأويل، تقول الرواية: «وصلَ أبناءُ سليمانَ مِنْ أحياءٍ مختلفَةٍ عَشِيّةَ تلكَ اللّيلةِ، وتعامَلوا مع الحدَثِ بنفْسِ الطُّرقِ السّاذجةِ الّتي يتعامَلُ بها البشَرُ معَ لحْظةِ الموْتِ منْذُ آلافِ السّنينِ: أصْواتٌ مبحوحَةٌ تتلمّسُ غِيابَ صوْتِ الأمِّ، وترتيباتٌ مملّةٌ للحظاتِ العَزاء..»
ثم تعود مجددا للقول: «يمتدِحُ المجرِّبونَ التّكتُّلَ البشَرِيَّ أيّامَ العزاءِ، فذاك التّجمّعُ يمثِّلُ عندهم دافعًا قويًّا في مُواجهةِ الموتِ، وأضيفُ بدوري أنّ جَمْعةَ الأهلِ والأقاربِ، في مثلِ هذه الظّروفِ، تُقابَلُ باحترامٍ شديدٍ وسَطَ السّماءِ، خصوصًا إذا أبقَوْا أفواهَهُم مُغلقةً، للتّقليلِ مِنْ أخطائِهم.»
وفي عبارة أخرى تقول: «من قبَضَ روح الجنين، لكنّكم لا تعتبرونه موتًا، لأنّكم ببساطةٍ ترون الموت نقيض الحياة.»
وهنا أوضحت الكاتبة فكرة أن الموت هو أحد أشكال الحياة وليس أبداً نقيضها بالمفهوم المتعارف عليه، لكنها في المقابل تلمح إلى أن الموت راحة، وهو جزء لا يتجزأ من حياتنا، بل من الحياة يأتي الموت، في الرواية عبارة أراها الأعمق في وصف الموت، تقول: «لمْ تُقاومِ الموتَ بالتّشبُّثِ بصَدْرِ زوْجِها أو بكتِفِهِ، ولمْ تُصْدِرْ أيَّ ضجيجٍ، حتّى إنَّ الرّائي البعيدَ يظنُّ أنّها مالتْ لتسْتريحَ على الرّصِيف.
وكوجهة نظر خاصة من منطلق تأويلي للعمل الذي قد يتوافق وما تريد الكاتبة قوله وقد لا يتوافق، أعتقد أن العمل ليس على لسان الموت لأن الموت هو شيء يفوق تخميناتنا عنه كبشر مهما اجتهدنا في تفسيره، ولكن في ما يبدو أن الكاتبة تحدثت عنه انطلاقا من الحياة نفسها.
من الأمور غير المحببة في الأعمال الأدبية بالنسبة لي هي تلك النهايات التقليدية التي تحصر أفق توقعات القارئ فيما تريد الكاتبة إيصاله، لا ما في تريد الرواية طرحه، وهذا ما لمسته في الأفق الأعلى. أيضا شعرت أنها تميل إلى الحديث عن الموت من منظور وعظي لا روائي محظ، وكأنها تخنق الرواية ولا تترك لها تلك الفسحة الرحبة التي يمنحها الأدب لنا، عدا ذلك فالأفق الأعلى هي رواية عن الإنسان قبل الموت، الإنسان الذي يحاول بشتى الطرق أن ينجز كل ما يحلم به، تطول أحلامه وتمتد عاليا لتتجاوز أفق توقعاته، لكنه ينسى أن يعيش اللحظة كما يفترض بها أن تعاش.
إنها أيضا رواية عن النقصان الذي يبدأ مع أول خسارة في حياتنا ليخلق مع الوقت فجوة يصعب سدها. ما يذكرني بعبارة قرأتها قي رواية «1234» لبول أوستر يقول فيها: «الموتُ الصغير والموت الكبير، وبينهما عشر ثوان – أن تأتي وتمضي في مكانٍ من ثلاثة أنفاس.»
فاطمة عبد الحميد: «الأفق الأعلى «
دار مسكلياني، الشارقة 2022
229 صفحة.