أهلا بكم في أسوأ الأوقات!

حجم الخط
2

نقول في الصعيد: «العنز أكلت جِلالها»، و»الجِلال» ينطق بكسر الجيم، وهو اصطلاحاً الغطاء الذي يصنع من أجولة الدقيق ليقي المواشي، ومنها الماعز برد الشتاء. وهي مقولة تقال استنكاراً للتعبير عن انقلاب الأحوال، وحدوث ما لا ينبغي أن يحدث!
ولم أسمع في حياتي عن عنز أكلت غطاءها، ولكن رأيت بقرة ترضع من نفسها، كنا اشتريناها من تاجر، وفوجئنا بها تفعل ذلك، وكانت هناك محاولة فاشلة للحيلولة بينها وبين ذلك، وبفشل المحاولة بعد عدة أيام، وجد أهلنا – إذا كنا صغاراً – أنهم يعذبون أنفسهم بذلك، دون مبرر موضوعي، فأعادوها للتاجر، وظللنا فترة طويلة نؤرخ للأحداث بقصة البقرة، التي ترضع من نفسها، ولأن التاجر كان شقيقاً لأخوة كثيرين، فكان تعريفه بأنه من باع لنا البقرة التي ترضع من نفسها، وأن هذا ابن من باع لنا البقرة إياها، وليس ابن أحد إخوته! وقد تذكرت هذا كله، عندما نشر أن رئيس تحرير «روز اليوسف» هاجم نقيب الصحافيين المصريين السابق يحيى قلاش، في برنامج تلفزيوني، ولم يذكر أحد اسم رئيس التحرير، وبدا من الواضح أن أحداً من الذين كتبوا يستنكرون ما جرى، لم يشاهد الحلقة، وهذه أزمة حقيقية، فلدى أهل الحكم في مصر ترسانة من القنوات التلفزيونية، بها برامج كثيرة، لكن لا يشاهدها أحد، فالسلطة قد تساعدها الإمكانيات المالية في إطلاق القنوات، وفي فرض المذيعين على الشاشة، لكنها لا تملك قوة الضبط والاحضار للمشاهد لكي يشاهد قنواتها وبرامجها!

تاريخ النقابة ويحيى قلاش

في البداية قرأت دفاعاً عن النقيب السابق للصحافيين، لم يذكر كاتبه أن المناسبة هي تعرضه للهجوم على شاشة الشركة المتحدة (المالكة للإعلام في المحروسة)، فاعتقدت أن المناسبة هي الانتخابات التي تشهدها النقابة، ومن ثم فقد علقت طالباً منه أن يكتب مذكراته، لأنه شاهد على الكثير من الأحداث، منذ أن كان شاباً وعضواً في مجلس النقابة، قبل ثلاثين عاماً، إلى أن أصبح سكرتيراً عاماً للنقابة في دورة، وربما أكثر في مرحلة تالية.
وميزة يحيى قلاش أنه نقابي مهتم، وكان قريباً من شخصيات تاريخية، مثل نقيب النقباء الراحل كامل زهيري، وغيره، وإذ فقدنا النقابي المرموق رجائي الميرغني مؤخراً بالوفاة، ولم يكتب شيئاً عن تاريخ النقابة، وقد اهتم بالجانب القانوني في كتابين، فقد اقترحت هذا في التعليق الخاص بيحيى قلاش، للحفاظ على تاريخ النقابة، وحتى تقف عليه الأجيال الجديدة، التي لا تعرف شيئاً عن هذا التاريخ، وقد نشأت، هذه الأجيال، في ظل حاضر شديد البؤس!
بيد أني بعد قليل اكتشفت أن مناسبة المنشور، هو أن النقيب السابق تعرض للهجوم من جانب رئيس تحرير «روز اليوسف» في برنامج تلفزيوني، ولم يذكر أحد اسمه، وبدا من بين الصحافيين من يسألون عن اسم رئيس التحرير هذا؟ وهو سؤال كاشف عن حالة البؤس التي تعاني منها المهنة، فهذه مجلة كان من يكتبون فيها أشهر من النار على العلم، ورئاسة تحريرها كانت حلما من أحلام كثيرين من الذين يعملون بها، وكانت صدمة كبرى عندما عين في هذا المنصب عبد الله كمال، وجيء به من الصفوف الخلفية، في زمن لجنة السياسات، فتبددت أحلام عادل حمودة، ووائل الابراشي، وإبراهيم عيسى، في الجلوس حيث جلس الكبار في تاريخ المؤسسة، من إحسان عبد القدوس، إلى عبد الرحمن الشرقاوي، إلى صلاح حافظ!
وإن كان عبد الله كمال لم تنقصه المهنية، كما لم يكن ينقصه الحضور، فأن يصل الحال بزملاء المهنة أن يسألوا عن اسم رئيس تحرير «روز اليوسف»، وليس القراء، فإنها أزمة الاختيار عند السلطة الحالية، واللافت أنه عندما ذكر اسمه سأل الزملاء من يكون؟ وكأنهم يسمعون عن اسمه للمرة الأولى، مع أنه واحد من الاقطاعيين الجدد!

عودة الإقطاع

لقد قامت ثورة يوليو/تموز 1952، وكان من مبادئها الستة: «القضاء على الإقطاع وسيطرة رأس المال»، وكان الإقطاع يرتبط بامتلاك الأطيان بمئات وربما آلاف الأفدنة، وتم هذا بقوانين التأميم التي اعتمدتها الثورة، لكن الحكم القائم أنتج نمطاً جديداً من الإقطاع ربما مسايرة لروح العصر الحالي، ورئيس تحرير «روز اليوسف» يجلس على رأس اقطاعية إعلامية، ومع هذا فزملاء المهنة لا يعرفونه، حتى عندما ذكر اسمه، ولا أنكر أن اتصال علمي به، كان بعد اختياره رئيسا لقناة «القاهرة الإخبارية»، التي أقام لها القوم زفة، وتحدث عنها رأس السلطة، باعتبارها ستكون فتحاً مبيناً في مجال الإعلام، وإذا بالجمل يتمخض فيلد فأراً ميتاً، فقناة تلفزيونية ينفق عليها من وفرة وليس من إملاق، ومع هذا لا يوجد بها ولو برنامج واحد يشار له بالبنان، وهي حالة من عدم التوفيق لا تفسير لها عند أهل الشريعة، إنما تحتاج إلى أحد أقطاب الصوفية عليهم السلام.
بالبحث والتحري، هالني أن المذكور واحد من الاقطاعيين الجدد، وأنه يعمل رئيساً للقنوات الإخبارية المملوكة للشركة المتحدة للخدمات؛ الإقليمية والدولية و»اكتسرا نيوز»، و»اكسترا الحدث»، (وأنا هنا أنقل من المنشور في الصحافة المصرية للتعريف بالنجم الجديد)، فهل تملك الشركة المتحدة كل هذه القنوات؟ والقانون ينص على أن الشركة الواحدة لا تملك أكثر من قناة عامة، وقناة إخبارية، لكن لا تسأل عن القانون في هذه المرحلة، فالقانون في إجازة، ولا يجوز بحسب قانون الهيئة الوطنية للصحافة الجمع بين رئاسة تحرير صحيفة من الصحف القومية، وأي عمل آخر، و«فلتة جيله»، الذي يهاجم يحيى قلاش، يجمع بين رئاسة تحرير «روز اليوسف»، وهذه الباقة من القنوات، ويقدم برنامجاً تلفزيونياً وآخر على راديو 9090، وقد قال وزير الإعلام السابق صلاح عبد المقصود، في مقابلة مع قناة «الجزيرة» مباشر، إنها المحطة الإذاعية الوحيدة، التي حصلت على الترخيص بعد الثورة، لأنها مملوكة للمخابرات!
وليس هذا موضوعنا، إنما كيف للفتى أن يجمع بين كل هذا المواقع، ثم يجد لديه وقتاً لقضاء حاجته؟ وكيف له أن يجمع بين هذا كله، ثم نجد صحافيين يسألون من هو؟ لكني كنت سبقتهم نوعاً ما بالبحث، وذهبت أسأل جيله من الصحافيين الشبان، فلم أجد على النار هدى، ومع هذا يصبح واحداً من الإقطاعيين الجدد، ثم يشكو الجنرال من فشل الإعلام الخاص به، ويحسد عبد الناصر، لأنه كان محظوظاً بإعلامه، وعبد الناصر كان معه هيكل، فهل معه هو أحد في كفاءة، ولو قلم هيكل الأبنوس؟ ثم إن عبد الناصر حافظ على رموز مصر الصحافية حول حكمه، وبعيداً عن ما جرى لمالكي «المصري» ولمالكي «أخبار اليوم» في وقت لاحق، فقد كان محظوظا بالمجتمع الكفؤ، والقامات الكبرى، ولم يوزع الاقطاعيات الإعلامية على أصحابه، وعندما أصر على أن يجمع هيكل بين منصب وزير الإعلام ورئاسة «الأهرام»، على غير ارادته، كان هذا استثناء، قبله هيكل على مضض، وكان في المنصب الوزاري من الزاهدين، فالمعادل لرئاسة «الأهرام» هو منصب رئيس الدولة!

التدخل السافر في انتخابات النقابة

لا أعتقد أن البحث جعلني أقف على معلومات كافية عن هذا الاقطاعي الفلتة، العابر للوظائف الإعلامية، وقد تأكدت أنه رئيس تحرير مجلة روز اليوسف، فلم أعرف إن كان يجمع بين الأختين (رئاسة تحرير المجلة الأسبوعية والجريدة اليومية) أم يرأس المجلة فقط، لكني مع هذا كنت محظوظاً، بالمقارنة بهم، وهم يسألون من يكون؟ وقد هاجم من يعرفونه وارتبط اسمه بنقابتهم، وكل ما فعله يحيى قلاش، أنه كتب منشوراً على صفحته على «فيسبوك» يستنكر فيها هذا التدخل السافر، والذي وصفه بأنه «غير مسبوق»، في انتخابات نقابة الصحافيين، وقال إنه لم يحدث في أسوأ الأوقات، فالتخطيط في الشركة المتحدة لاستضافة مرشح واحد على منصب النقيب.
يقول قلاش إن هذا لم يحدث في أسوأ الأوقات، ولا يعلم أنه يعيش الأسوأ على الإطلاق، وقد اندفع الأسوأ فهاجمه، على قاعدة أنهم أحرار في أن يستضيفوا من يشاءون فلا أحد ينكر (والكلام لرمز أسوأ الأوقات) إن المرشح الأهم هو رئيس تحرير «الأخبار»، ومن لا يدرك هذه الحقيقة ينبغي أن يعلم أنه ليس له علاقة بالعمل النقابي. أو كما قال!
وهي قواعد جديدة تتأسس في هذا العهد، ليس فقط في اختياراته، وليس فقط في عودة الإقطاع بصورة جديدة، ولكن في أن تكون هناك انتخابات فيتم الانحياز كلية لمرشح واحد، على أساس أنه المرشح الأهم، الذي تفتح له القنوات التلفزيونية، بينما يتم تغييب من هم دونه! وهي صيغة جديدة لإدارة شؤون الدول، تجاوزت مرحلة اللجان الشعبية للأخ العقيد معمر القذافي.
إنها أسوأ الأوقات يا عزيزي، حيث أكلت العنز جِلالها!

٭ صحافي من مصر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية