الدكتور كمال ديب في «عهود رئاسية»: مَنْ المسؤول عن انهيار لبنان فساد وطائفية رؤسائه أو المشاريع الاستعمارية فيه؟

 سمير ناصيف
حجم الخط
0

هل اللبنانيون وقادتهم هم المسؤولون عن انهيار لبنان سياسياً واقتصادياً حاليا؟ وما هو المنهج التحليلي الفكري الأفضل لتناول ومعالجة هذا الموضوع، أهو الطوائفي أو الطبقي أو الأخلاقي المرتبط بمكافحة انتشار الفساد، أم هو المنهج الذي يُحمّل المسؤولية لقوى استعمارية وإقليمية، وفي طليعتها الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وصنيعتهم وحليفتهم الرئيسية إسرائيل؟

هذه أسئلة هامة جداً ومصيرية يتناولها كتاب الدكتور كمال ديب، الخبير اللبناني ـ الكندي في السياسة والاقتصاد لشؤون الشرق الأوسط في جامعات كندا الذي صدَر مؤخراً، علماً انه لديب مؤلفات هامة أخرى خلال عمله الأكاديمي في كندا عن لبنان وسوريا والعراق والعالم العربي تُعتبر من أهم المراجع عن هذه المنطقة.
المقاربة الأساسية في كتاب ديب، الذي تتم مراجعته هنا، هي أنه ليس من السهل تجاوز المنهج البحثي من المنطلق الطوائفي في تناول وتحليل قضايا لبنان منذ حكم أمراء جبل لبنان إلى عصر هيمنة السلطنة العثمانية على المنطقة ثم إلى عهد المتصرفية ومرحلة الاستقلال وإلى الآن.
ففي رأي ديب ان «فساد العائلات الاقطاعية والطائفية وسيطرتها على موارد الدولة استمر من زمن المتصرفية في القرن الثامن عشر وحتى اليوم. لبنان كان وما زال شبه فدرالية اقطاعية طائفية حتى منذ عهد التراك العثمانيين عندما أتوا إلى لبنان ونحن علمناهم فن الرشوة والارتشاء» (ص 955). في هذا الطرح التحليلي لديب اختلاف مع مقاربة المفكر اللبناني الآخر الضالع في تاريخ لبنان الحديث مسعود ضاهر، الذي اعتبر ان قيادات الاستعمار هي التي نشرت الطائفية والفساد في المجتمع اللبناني وفي المنطقة عموماً لتحقيق أهدافها الاستعمارية ولولا ذلك لما هيمنت الطائفية على العلاقات فيه بهذه الكثافة.
غير أن هذين المرجعين الهامين يتفقان على ان تحضيرات الوكالة اليهودية في نهاية ثلاثينيات القرن الماضي لإنشاء كيان يهودي صهيوني إسرائيلي في فلسطين والتعامل «المركانتيلي» الجشع للسلطات اللبنانية التابعة للانتداب الفرنسي معها آنذاك شكلتا عاملين أساسيين في وصول لبنان والمنطقة إلى ما وصلتا إليه حالياً وان دوافع الجوانب اللبنانية المتعاملة مع الوكالة اليهودية كانت أما مالية ـ مادية أو لإضعاف سلطة الانتداب الفرنسي.
يقول ديب في الصفحتين (149 و150): «إن زيادة ثروات الزعماء على حساب المواطنين العاديين من عام 1920 وبعد الاستقلال وحتى الساعة كانت الطريقة المتبعة، فكان الفساد واضحاً في عهد الرئيس بشارة الخوري بحيث لُزمت المشاريع الكبرى لأخيه سليم الخوري الذي لُقب بالسلطان سليم ولزوجة الرئيس لورشيحا شقيقة مستشارة ميشال شيحا. كما ان رياض الصلح، رئيس الحكومة في عهد بشارة الخوري، وفي الحكومات اللبنانية المتعاقبة من 1943 إلى 1951 كان من أبرز الشخصيات اللبنانية التي تواصلت مع الحركة الصهيونية والوكالة اليهودية خصوصاً قبل نشوء الكيان الإسرائيلي. فمع ان رياض الصلح عارضَ علناً الحركة الصهيونية فإنه احتفظ بعلاقات سرية مع حاييم كالفاريسكي، أحد مسؤولي الوكالة اليهودية، علماً ان هذه العلاقة بدأت عبر والده رضا الصلح. وكان كالفاريسكي قد اشترى قبل ذلك ودّ رئيس الحكومة السابق في حكومة الانتداب خير الدين الأحدب وخليفته في ذلك المنصب خالد شهاب بالمال والرشوة واستولى بواسطتهما على أراض في الجنوب اللبناني ومنطقة حاصبيا. ويقول المؤلف إن رياض الصلح التقى الياهو ساسون وطوبيا آرازي ويولاند هامر من الوكالة اليهودية في باريس في ثلاثينيات القرن الماضي ومطلع أربعينياته. وبين الذين التقاهم الصلح أيضاً من قادة اليهود آنذاك دافيد بن غوريون عام 1934 وحاييم وايزمان عام 1936 في القدس، وهما شخصيتان احتلتا مناصب رئاسية في إسرائيل بعد إعلان نشوئها عام 1948. كما اجتمع بايلياهو ايلات في بيروت عام 1940» (ص 250 إلى 253).
ويشير الكاتب إلى ان الرئيس رياض الصلح وبن غوريون «ناقشا في لقائهما إقامة دولة يهودية في فلسطين وطلب الصلح تزويده بخطة هذا المشروع ليعرضها على القادة العرب. وتم ذلك، ولكن الخطة لم تعجب القادة العرب» (ص 253).
ويشير المؤلف في الصفحة (120 و121) إلى أن الحركة الصهيونية، بقيادة حاييم وايزمان أول رئيس للكيان الصهيوني وبدعم من حكومة لويد جورج البريطانية ووزير خارجيته آرثر بلفور: «حاولت قضم كامل الجنوب اللبناني تحضيراً لضمه للدولة اليهودية. وقد دعم هذا الموقف أيضاً لويس برانديز (صديق رئيس الجمهورية الأمريكي آنذاك وودرو ويلسون) حيث ركز برانديز على أهمية مياه نهر الليطاني لاقتصاد إسرائيل، ولكن الحكومة الفرنسية (بقيادة كليمنصو) عارضت هذه المواقف حفاظاً على مصالحها في لبنان (ص 122). بيد أن صفقات بيع أراضي لبنان لليهود التي نفذها رئيس الحكومة خير الدين الأحدب وأكملها من بعده خليفته خالد شهاب مع الوكالة اليهودية في عهد الانتداب (وخصوصاً أراضي القرى اللبنانية في منطقة الحولة الجنوبية) فهي قلصت مساحة لبنان من 12 ألف كيلومتر مربع إلى عشرة آلاف وأربعمئة و53 كيلومترا مربعا. وقد توفرت الأموال لشراء اليهود هذه الأراضي من القادة اللبنانيين عن طريق الثري الأوروبي اللورد روتشيلد عّراب وعد بلفور لإقامة إسرائيل. ومع ان الليطاني والحاصباني بقيا ضمن لبنان فان سهل الحولة سُلِخ بواسطة المال عن قضاء مرجعيون وضُم إلى قضاء صفد في فلسطين وأصبح حالياً جزءاً من الكيان الإسرائيلي.
بيد أن الكاتب يعتبر انه برغم الفساد، قبل وخلال عهد رئاسة بشارة الخوري، فأهم ما تحقق آنذاك كان ولادة وثاق وطني بين اللبنانيين المسلمين والمسيحيين وتعيين الجنرال فؤاد شهاب قائداً للجيش اللبناني ليصبح لاحقاً رئيساً للجمهورية في عام 1958 وينفذ خلال رئاسته إصلاحات وينشئ مؤسسات فاعلة أحبطت لاحقا.
ويرى ديب أن معظم رؤساء جمهورية لبنان قبل وبعد فترة الانتداب، خرجوا من السلطة وهم حانقون ومن دون إرادتهم الكاملة، وخصوصاً بشارة الخوري الذي جُدد له في الرئاسة ثم اقتطعت فترة هذا التجديد.
وقد قابل واجتمع وتناقش المؤلف مع الشخصيات التي كتب عنها في هذا الكتاب، وبينهم الرئيس ميشال عون والرئيسان السابقان أمين الجميّل وأميل لحود ورئيس الوزراء السابق سليم الحص والرئيس الراحل رفيق الحريري والوزير وليد جنبلاط ودوري كميل شمعون وغيرهم.
وستتم مراجعة ما ورد فيه عن آخر عهد رئاسي لبناني حتى الساعة وهو عهد الرئيس ميشال عون، الذي انتهى مؤخراً ولم يتم حتى كتابة هذا المقال انتخاب رئيس جديد ليخلف عون بسبب الخلافات الداخلية حول هذا الموضوع.
ويقول المؤلف: «بانتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان في أيار (مايو) 2014 أطل عهد جديد بعد تعطل مؤسسات الدولة لسنتين. وكان عون يملك نوايا حسنة بانه كان فؤاد شهاب آخر قادرا على بناء سلطة مركزية قوامها الجيش لتحقيق الإصلاح لكنه لم يقرأ جيداً انه في النهاية انتصر الزعماء الطائفيون والاقطاعيون على توجه فؤاد شهاب» (ص 886).
والتقى الكاتب العماد (الرئيس لاحقاً) ميشال عون في باريس عام 2005 قبل عودته من منفاه إلى لبنان، فقال له عون: «إن دخول القوات السورية لبنان عام 1976 كان بمباركة أمريكية ـ إسرائيلية لتحجيم المقاومة الفلسطينية، وقبضت سوريا حافظ الأسد ثمن هذه المهمة بمنحها السيطرة على لبنان. (ص 888).
وعاد عون إلى لبنان في 7 أيار (مايو) عام 2005 في عهد الرئيس أميل لحود بموجب تسوية سياسية وافقت عليها سوريا (بقيادة بشار الأسد) وسعي من قبل القيادي كريم بقرادوني بعد 15 عاماً قضاها في المنفى في فرنسا. وخاض عون الانتخابات النيابية عامي 2005 و2008 وحظي بمجموعة نيابية كبيرة خصوصاً بعد توقيعه في شباط (فبراير) 2006 على وثيقة تفاهم مع حزب الله (تُطرح التساؤلات حالياً حول استمرارها).
ويشير الكاتب انه لم تمضِ أسابيع قليلة على عودة عون إلى بيروت عام 2005 حتى ظهرَ حلف رباعي من أحزاب تؤيدها غالبية من أبناء الطوائف المسلمة (تيار المستقبل، حركة أمل، الحزب التقدمي الاشتراكي وكان معهم حزب الله) واجهت عون انتخابياً وإعلامياً بدعم إقليمي ولكنه صمدَ أمامهم. ولعل وضعاً مماثلاً يمارس حاليا بعد انتهاء ولاية عون الرئاسية. وكان عون فتح نافذة مع حزب الله في 6 شباط (فبراير) 2006 في وثيقة مار مخايل للتعاون بين الجهتين. وأحدثَ تفاهم مار مخايل انقلاباً في ميزان القوى داخل لبنان، إذ اكتسب حزب الله بعداً مسيحياً لعمل المقاومة ضد العدوان الإسرائيلي تُرجم خلال المواجهة العسكرية بين المقاومة اللبنانية وإسرائيل في حرب 12 تموز 2006 (ص 900 و901) وحاليا قد يحدث انقلاب سلبي في الوجهة الأخرى إذا استمر حزب الله في مواقفه بالنسبة إلى الانتخابات الرئاسية اللبنانية التي تخشى الطبقات الوسطى والأقليات اللبنانية ان تؤدي إلى اختيار رئيس يفاقم عمليات الفساد والنهب لأموال اللبنانيين في المصارف وفي المشاريع التي يستفيد منها حيتان المال في لبنان وخارجه على حساب الشعب، كما كان قادة لبنان في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي يبيعون المصالح اللبنانية وممتلكات وأراضي اللبنانيين للأجانب بدعم وغضِ طرف إقليمي وغطاء دولي وإسرائيلي.
وكلف الرئيس عون سعد الحريري بتأليف الحكومة في 1 تشرين الأول (أكتوبر) 2016 ولكن ضغوطاً إقليمية ـ عربية انطلقت ضده لمنع تفاوضه مع ايران وحزب الله. ولكن، حالياً الحريري مُجمد النشاط السياسي في لبنان، وهو يمضي معظم وقته في دولة الإمارات العربية المتحدة. كما ان الدول العربية الثرية ممتنعة حتى الساعة بالتنسيق مع أمريكا وحلفائها من الدول الغربية، عن تقديم المساعدات والدعم المالي والسياسي والاقتصادي للبنان لإنقاذه من محنته إلى أن يخضع وينفذ كلياً توجهاتها السياسية خصوصاً بالنسبة لقضية التعاون مع حزب الله وإيران.
الدكتور كمال ديب: «عهود رئاسية»
دار النهار للنشر، بيروت  2023
960 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية