هل حقاً نحتاج الى المزيد من كرة القدم؟

في خطاب التجديد لولاية جديدة، أعلن رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) جاني انفانتينيو دفاعه المستميت عن أفكاره الجديدة التي قادت وما زالت تقود الى المزيد من المسابقات الكروية والمزيد من مباريات كرة القدم في كل سنة، معتبراً ان هناك تشبعا في ممارسة كرة القدم في بعض المناطق لكن بعضها الآخر ما زال يتوق الى المزيد، فهل حقاً نحن بحاجة الى مباريات ومسابقات أكثر وأكبر من المعتاد؟

ما زلت أذكر شهور الصيف تلك التي كانت فارغة من جدول مزدحم من مباريات محلية او قارية، أو حتى مسابقات دولية، لكن هذا الفراغ الذي يتوق له المشجع قبل اللاعب، للدخول في حالة من الراحة والسكون بل والاشتياق الى الموسم الجديد، لم يعد موجوداً، وباتت السنة الزوجية المعروفة باستضافة المسابقات الكبرى ككأس العالم وكأس الأمم القارية في كل صيف، غير كافية لحيتان المال والاقتصاد، حيث باتت كرة القدم تدار من رجال الأعمال أكثر من الرياضيين والكرويين.
إنفانتينو الذي لطالما كان محور انتقادات، منذ استلم الفيفا في 2016، يحلم بتحقيق مشاريع متعددة يحبّ خوضها بالمجابهة تحت طائلة المخاطرة بتوتر في العلاقات أو الاستسلام أحياناً، فرغم انه قدّم نفسه على أنه ضامن للنزاهة والمساواة في الفرص داخل الرياضة الأكثر شعبية في العالم، الا انه يمهّد الطريق للبقاء حتى 2031، معلناً في منتصف كانون الأول/ديسمبر انه لا يزال «في الولاية الأولى»، معتبراً ان ولايته الأولى (2016-2019) لم تكتمل، كونه خلف «الفاسد» جوزيف بلاتر، ومعها سنرى الكثير من التغييرات في عالم كرة القدم، كونه مطوراً، ولا يتوانى عن طرح افكار جديدة وتطبيقها، رغم أن هذا المحامي لا يملك تاريخاً رياضياً لقيادة الهيئة المنظمة لكرة القدم، لكن ولايته الأخيرة شهدت إصلاحاً واسعاً في الانتقالات (إنشاء تراخيص للوكلاء وتحديد سقف لعمولاتهم)، وانشاء إجازة أمومة لجميع اللاعبات المحترفات، وقواعد انضباطية أكثر حماية لضحايا الاعتداءات الجنسية. ويتفاخر إنفانتينو بذلك في كل جمعية عمومية للفيفا قائلاً: «تمكنّا من القيام بذلك لأنه في الفيفا الجديد المال لم يعد يتبخر، إنه يعود إلى من له الحق فيه». ويمكنه التفاخر أيضاً بميزانية صلبة، مع ارتفاع الدخل بنسبة 18% والاحتياط 45% لدورة 2019-2022، مقارنة مع الدورة السابقة. صورة النزاهة تلك التي يؤكد طواعية إنها النقيض التام لعهد بلاتر، عانت من إجراءات فُتحت ضد إنفانتينو في تموز/يوليو 2020 بتهمة «التحريض على إساءة استخدام السلطة»، و«انتهاك السرية» و«عرقلة الإجراءات الجنائية»، لكنه يتمتع بدعم 35 اتحاداً من أمريكا الوسطى، بينها عدد من الجزر الكاريبية، والاتحادات الإفريقية الـ54، فبات بمقدوره دغدغة الدول الأوروبية الكبرى بالحديث عن كأس العالم كل سنتين بدلاً من أربع قبل عدوله عن رأيه العام الماضي، أو بمنع بعض المنتخبات من ارتداء شارة قائد «حب واحد» الداعمة للمثليين في مونديال قطر. وفي خطوة حسّاسة أيضاً، قرّر الفيفا في 16 كانون الأوّل/ديسمبر توسيع رقعة المشاركين في مونديال الأندية إلى 32 فريقاً بدءاً من صيف 2025. مشروع حارب إنفانتينو لأجله منذ عدة سنوات، لإغراء شركات البث لمنافسة دوري أبطال أوروبا الذي يُعدّ دجاجة ذهبية لليويفا. لكن هذه المبادرة قد توقظ الانقسامات في كرة القدم، حيث ندّد المنتدى العالمي للروابط الذي يضم نحو أربعين بطولة، بـ«القرارات الأحادية» للفيفا في وقت تبدو الروزنامة «مثقلة»، ما يهدّد صحّة اللاعبين والتوازن بين الأندية واقتصاد المسابقات الوطنية. ويوم الثلاثاء الماضي، قرّر الفيفا اعتماد 12 مجموعة من 4 منتخبات في مونديال 2026 الذي تستضيفه الولايات المتحدة وكندا والمكسيك وسيضمّ للمرة الأولى 48 منتخباً. وكان الفيفا رفع عدد المنتخبات المشاركة في هذه النسخة من 32 الى 48 وسيرتفع عدد المباريات بالتالي من 64 الى 104. ورغم ازدحام الروزنامة الدولية أصلاً، وهو موضوع شائك بامتياز، أطلق الفيفا في خريف 2021، فكرة إقامة كأس العالم مرة كل سنتين، لكنها دفنت في الربيع التالي في مواجهة معارضة كبيرة. وفي تلك العملية، حاول إنفانتينو استخدام نبرة أكثر توافقية قائلاً: «نحن نعلم أنه من المهم النقاش»، واعداً بـ«احترام كامل» للمسؤولين الكرويين في حال فاز بولاية جديدة.
اليوم بات معدل خوض لاعبي كرة القدم نحو 60 مباراة في السنة، اذا تحدثنا عن اللاعبين الدوليين، مقارنة بـ45 مباراة في المواسم السابقة، وتضطر الاندية والاتحادات المحلية الموافقة على المشاركة في المسابقات الجديدة، ان كانت كأس عالم موسعة، أو مونديال أندية، أو تحديثات في المسابقات القارية، فقط من أجل الحظي بالمكافآت المالية التي تسمح لها بالبقاء ودفع الرواتب العالية لنجومها المنهكين، في حين يضمن الاتحاد الكروي العالمي والاتحادات القارية المداخيل من بيع حقوق البث والى الرعاة، والتي بدورها تراهن على زيادة مداخيلها من جيوب عشاق كرة القدم، المفترض أنهم شغوفون باللعبة ويتطلعون الى المزيد دوماً.
@khaldounElcheik

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية