إصرار الائتلاف الحاكم على تحدي الرفض الشعبي وتمرير قانون الانتخابات، يمهّد الطريق نحو عودة التظاهرات التي بدأت بوادرها تلوح بالأفق.
بغداد ـ «القدس العربي»: تصرّ الأحزاب السياسية في العراق النافذة على المضي في تعديل قانون «الانتخابات البرلمانية ومجالس المحافظات والأقضية» في سلّة واحدة، متجاهلة الرفض الواسع لبنود التعديل، والتي تتمحور حول توزيع الدوائر الانتخابية وآلية تحديد المقاعد، فضلاً عن بنود أخرى تثير حفيظة الأقليات والقوى السياسية الناشئة والمستقلين.
وبدأ البرلمان مشروع إجراء «تعديل ثالث» على القانون، قبل نحو أسبوع، في جلسة مثيرة للجدل، تمكن من خلالها النواب المنضوون في ائتلاف «إدارة الدولة» الحاكم، بشيعتهم وسنتهم وأكرادهم، من إقرار 7 فقرات من مجموع 15 متجاهلين مقاطعة المستقلين ونواب الأقليات وخصوصاً التركمان.
وتواصل أحزاب السلطة في العراق مشوارها في إجراء الانتخابات المحلية- مقرر إجراؤها مطلع تشرين الثاني/نوفمبر المقبل- والنيابية وفقاً لنظام الدائرة الواحدة، على أن يتم توزيع أصوات الناخبين استناداً لقانون «سانت ليغو» المعدل، وهو ما يثير قلق المستقلين والقوى الناشئة من تعزيز نفوذ تلك الأحزاب، وإضعاف دورهم.
إصرار الائتلاف الحاكم على تحدي الرفض الشعبي وتمرير قانون الانتخابات، يمهّد الطريق نحو عودة التظاهرات التي بدأت بوادرها تلوح بالأفق، عندما أقدم المحتجون على تلبية دعوة أطلقها الناشط العراقي البارز، ضرغام العراقي، للاعتصام أمام إحدى بوابات المنطقة الخضراء وسط العاصمة بغداد، المؤدية لمبنى البرلمان، ليلة الجمعة/ السبت، للضغط على مجلس النواب ومنعه من تمرير القانون.
العراقي رأى في الاعتصام طريقة «لرفض ظلم الفاسدين» ومحاولة لإرغام البرلمان على عقد جلسة طارئة «لتلبية مطالب الشعب» مذكّراً أحزاب السلطة بمصير حكومة رئيس الوزراء الأسبق، عادل عبد المهدي، الذي أطاحت بها احتجاجات تشرين الأول/أكتوبر 2019.
وقبل انطلاق اعتصام الجمعة بساعات، ذكر العراقي في «تدوينة» له، «سنعتصم بالله كما يريد الله ونحن في شهر الله.. دفاعا عن عزة وكرامة وحقوق عباد الله، بالتصدي لأعداء الله.. الذين يريدون إذلال عباد الله ودين الله وشهر الله بتمرير قوانين ظالمة جائرة فاسدة مخربة لا ترضي الشعب ولا ترضي الله».
ومن بين جمّلة دوافع الاعتصام، ذكر العراقي بأنه لـ«مطالبة الحكومة والبرلمان بوضع حد لجريمة استمرار ارتفاع الأسعار، ونُصرُّ بقوةٍ وعزيمة على الإسراع بتخفيض الأسعار احتراماً للشهر الكريم شهر رمضان، وخدمةً ورأفةً بالصائمين وعامة الفقراء والمساكين من أبناء شعبنا المظلوم».
وتابع: «سنعتصم لتذكير الحكومة بمطالبنا التي سُلمت لها منذ اشهر، ونذكرها بأن تسويف تلك المطالب والمماطلة بتنفيذها سيكلفها ثمنا باهضا وتكون خسارتها أكثر بكثير من خسارة الحكومات السابقة التي نهجت أسلوب التسويف والمماطلة الذي أدى بها إلى الهلاك والخزي والعار، وفخر الحكومة هو احترامها لشعبها وتلبيتها طموحاته وصدقها بالإستماع لمطالبه الحقة سريعاً».
موقف الناشط العراقي جاء في أعقاب بيان أصدرته مجموعة من الناشطين المنضويين في ما يسمى «اللجنة المركزية للتظاهرات في العراق» أكدوا فيه أنه «تقرر الاعتصام الموحد لكل المحافظات في بغداد أمام مجلس النواب (يوم الجمعة) وذلك قبل انعقاد جلسة السبت المشؤومة لتمرير ما بقي من قانون سانت ليغو سيئ الصيت».
وأشارت اللجنة إلى إن «الفاسدين حزموا أمرهم على إعادة قوانينهم الانتخابية القديمة الظالمة، لكي يضمنوا بذلك بقاء أحزابهم، متجاهلين رأي غالبية الشعب الرافض لذلك».
موجة الرفض الواسعة لتعديل قانون الانتخابات لم تشمل المستقلين وحسب، بل تعدت ذلك إلى الأقليات وخصوصاً العرب والتركمان الذين يصرّون على الإبقاء على المادة 35 من القانون وعدم رفعها، والتي تركّز على «انتخابات كركوك» أبرز المناطق المتنازع عليها بين بغداد وأربيل.
وقُبيل انعقاد الجلسة المثيرة للجدل، أعلن النواب الممثلون للمكون العربي في كركوك (وصفي العاصي وساهرة الغرب ومنى السبيل) مقاطعتهم.
النائب مهمين علي الحمداني قال في إيضاح له، إنهم «يطالبون ائتلاف إرادة الدولة وبعثة الأمم المتحدة بالتدخل العاجل وضمان إدراج المادة 35 لقانون الانتخابات التي تعطي خصوصية لكركوك وتحفظ عراقيتها وتضمن عدم التلاعب بمصيرها الوطني مستقبلا من خلال أجندات وعمليات تزوير قد تؤدي إلى تهديد خطير للسلم الأهلي والإضرار بالعراق».
والمادة 35 هي إحدى مواد قانون انتخابات مجالس المحافظات رقم 12 لسنة 2018 الذي يعمل البرلمان العراقي حالياً على إجراء تعديلات فيه.
وخصص جزء من القانون رقم 1 لسنة 2018 للانتخابات في كركوك في إطار المادة 35 وتتضمن عدة شروط وإجراءات وتتألف من ثمان فقرات.
إحدى فقرات المادة تخص «التنسيق بين مفوضية الانتخابات والوزارات المعنية لتدقيق سجلات الناخبين» وتنص فقرة أخرى على أن «مجلس المحافظة المنتخب يتولى تحديد آلية لتقاسم المناصب العليا في المحافظة باستثناء المناصب الاتحادية، على ان تعطى الأولوية لأبناء المحافظة في حال توفر الشروط القانونية وبما يضمن تمثيل المكونات».
وتقول فقرات أخرى من المادة 35 أن «نتائج الانتخابات المحلية لا يترتب عليها أي إجراء إداري وقانوني يتعلق بمستقبل محافظة كركوك» كما تشير إلى أن «المفوضية تلتزم بالتدقيق والمقارنة بين البطاقة التموينية وبطاقة الأحوال المدنية لإعداد سجلات ناخبي محافظة كركوك» وجاء فيها أيضاً أنه «في حال عدم وجود اسم في كل منهما سيتم حذفه من سجل الناخبين، باستثناء الذين أكملوا الإجراءات الخاصة بالمادة 140» لكن الفقرة تشترط أن تتم تلك المقارنة في موعد أقصاه 31 كانون الأول/ديسمبر 2020 أي قبل عامين من الآن.
وتُلزم فقرة أخرى من المادة 35 مفوضية الانتخابات باتخاذ الإجراءات اللازمة حسب التعليمات المعمول بها للفرز والعد اليدوي للأصوات في المحطات التي تم الطعن في نتائجها.
إعادة النظر بالتحالفات
ونهاية الأسبوع الماضي، حذر رئيس الكتلة التركمانية النيابية أرشد الصالحي، من لجوء الشارع الكركوكي إلى التصعيد في حال إقرار مجلس النواب العراقي لقانون انتخابات مجالس المحافظات، في حين دعا جبهة تركمان العراق الموحد إلى إعادة النظر في عضويتها بائتلاف «إدارة الدولة» الذي تمخض عنه تشكيل الحكومة الاتحادية الحالية.
وقال الصالحي في مؤتمر صحافي عقده حينها، إن «الاتفاقات المشبوهة التي عقدت خلف الكواليس عبر صفقات جديدة في تمرير قانون انتخابات مجالس المحافظات، ما هي إلا لمصالح شخصية وحزبية ضيقة مبنية على إقصاء وتهميش مكونين أساسيين على حساب مكون آخر في محافظة كركوك».
وأضاف أن «المادة 35 التي تنحدر من المادة 23 من قانون انتخابات مجالس المحافظات رقم 36 لسنة 2018 والتي تمت كتابتها برعاية الأمم المتحدة وباتفاق سياسي بين ممثلي مكونات كركوك كافة، قد ضمنت حلولا للمشاكل الانتخابية كافة، ومنع حالات التزوير التي حصلت سابقا منها تدقيق سجل الناخبين بالاعتماد على بطاقة الأحوال المدنية وألّا تشكل نتائج الانتخابات أي أثر قانوني لمستقبل كركوك السياسي والأمني والاداري».
كما دعا الصالحي، قائمة «جبهة تركمان العراق الموحد» إلى «إعادة النظر في عضويتها بائتلاف إدارة الدولة في حال عدم تضمينهم المادة أعلاه واستغنائهم عن خصوصية كركوك، ولعدم منح المكون التركماني حقيبة وزارية كاستحقاق دستوري لهم لغاية الآن».
وحمّل رئيس الكتلة التركمانية، الحكومة وائتلاف «إدارة الدولة» المسؤولية الكاملة لكل ما سيحدث «في حال اصدار قوانين تهدد السلم الأهلي» مردفا بالقول ان «الشارع الكركوكلي يترقب التطورات الجارية في مجلس النواب حول التصويت على قانون انتخابات مجالس المحافظات والفقرات التي تخص محافظة كركوك، وسيلجؤون إلى اتخاذ خطوات تصعيدية في حال هضم حقوقهم وذهاب مصير محافظتهم إلى الفوضى».
وطالب الصالحي المعنيين بالأمر بان «يعيدوا حساباتهم حول كركوك وعدم إثارة خلافات التمييز العرقي بين المكونات التي قد تستغل من قبل التنظيمات الإرهابية التي تتربص للنيل من أمن واستقرار البلد».
وانضم الصالحي في موقفه مع الموقف المشترك للمكونين «العربي والتركماني» الذي تم الإعلان عنه رسمياً مساء الأربعاء الماضي.
عرب وتركمان كركوك أكدوا في بيان مشترك رفضهما «وبشكل قاطع تمرير قانون انتخابات مجالس المحافظات من دون أن يتضمن التعديل الجديد (المادة 35) والتي تتعلق بتدقيق سجل الناخبين في المحافظة».
تغيير ديموغرافي
ووفقا للبيان فإن «محافظة كركوك لم تشهد أي عملية انتخابية لمجلس المحافظة منذ عام 2005 بسبب سياسات التغيير الديموغرافي التي جرت فيها، عبر فرض إرادة سياسية أحادية الطرف، وخاصة بعد ثبوت إضافة قرابة 300 ألف نسمة من مواطني المحافظات الأخرى في بيانات وزارة التجارة (البطاقة التموينية) المعتمدة في سجل ناخبين محافظة كركوك والمسجلين، الأمر الذي أحدث تغييرا ديموغرافيا في سجل الناخبين لمحافظة كركوك لمصلحة جهة قومية واحدة (في إشارة إلى الكرد)».
وطالبوا الكتل السياسية والقوى الوطنية في مجلس النواب العراقي بـ«الحفاظ على المكتسبات الوطنية وإدراج المادة 35 التي وضعت بتوافق كافة مكوناتها لتصحيح مسار العملية الانتخابية في كركوك، واعتماد البطاقة الوطنية في التصويت وبيانات وزارة التجارة (البطاقة التموينية) لإبعاد مواطني المحافظات الأخرى من سجل الناخبين في كركوك وحصر المشاركة لأهالي كركوك فقط».
وحذروا مما وصفوه بـ «التلاعب في أمن واستقرار محافظة كركوك والتعايش المترسخ بين أبنائها» مطالبين بـ«السماح لأهل كركوك بممارسة حقوقهم الديمقراطية عبر انتخابات محلية شفافة ونزيهة، من خلال تدقيق سجل الناخبين وهيكلة مكتب كركوك الانتخابي الذي تسيطر عليه جهة قومية واحدة منذ عام 2005 ولحد الآن».
وفي مقابل ذلك، لم يُبد ائتلاف «إدارة الدولة» الحاكم، أيّ تجاوب مع موجة الرفض الواسعة، بل أصرّ على المضي في تشريع القانون المثير للجدل.
النائب عن ائتلاف «دولة القانون» محمد سعدون الصيهود، رأى إن قانون الانتخابات بـ«الدائرة الواحدة» سيحقق «المصلحة العامة» للشعب العراقي.
وحسب بيان صحافي للنائب الذي ينتمي لـ«دولة القانون» بزعامة نوري المالكي، فإن «قانون الانتخابات للدائرة الواحدة لمجالس المحافظات ومجلس النواب سوف تتحقق فيه المصلحة العامة للبلد وسينتج منه مجلس محلي وبرلمان بمستوى المسؤولية ويمثل آمال وتطلعات الشعب العراقي».
وأضاف ان «قانون الانتخابات بالدوائر المتعددة في المحافظة أو البرلمان سوف ينتج عنه برلمان لا يعمل كونه برلمانا، وانما يعمل كعضو مجلس بلدي مهمته انتقائية ويذهب باتجاه مصالح خاصة» حسب وجهة نظره.