الماء أصل الحياة، وأصل الوجود، تقول الآية الكريمة «وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ»، وباعتقادي لا نحتاج إلى الكثير من الفلسفة لنقول إن لا حياة دون ماء، لكن استحضاره روائيا يعد أحد الأوجه الأصيلة للبيئة العربية، فلا يمكن أن تقرأ عملا أدبيا من الخليج تحديدا دون أن تستشعر وجود الماء، وكأنه صفة لصيقة بالأدب الخليجي. وهذا ما يؤكد أن الرواية الأصيلة هي تلك التي تستنطق بيئتها روائيا بما يتناسب وما يريد الأدب قوله، أي يخطو فيها الأدب والأصالة نفس الخط المستقيم دون زيادة أو نقصان. ذلك أن الأدب ليس فقط حكاية تتداولها الألسن وإنما أيضا امتلاك مقدرة التعبير عن فئة من الناس ضمن فترة زمنية معينة، دون أن تخدش حكاياتهم حياء الواقع.
ولكن في رواية «تغريبة القافر» للروائي العماني زهران القاسمي نعرف ونلمس ونتتبع أثر الماء، فمن الماء ولدت هذه الرواية، ومنه توالدت حكاياتها أيضا.
فهل استطاع زهران القاسمي أن يجسد سيرة الماء روائيا، أم أن العمل تجسيد لسيرة الحب؟
قرأت مرة عبارة للروائية الألمانية هيرتا مولر تقول فيها: «لم يكن يتحدّث عن الحبِّ قط. كان يتحدّث عن الماء، وقال: إنني قشّة نجاةٍ له». وعبارة مولر هذه تنطبق حرفيا على شخصيات «تغريبة القافر» فحين يلتقي الحب بالماء تتشكل ملامح الحياة.
تقول الرواية: «كما ينفجر الماء من قلب الحجر، ويسري الينبوع منحدرًا برقّته على الأرض العطشى، وكما كان القافر يطرب لخرير الماء في الأعماق، ناداه الحُبّ رآه في ابتسامتها عندما كانت تقف أمام داره، في نظراتها الحالمة».
ثم يعود للقول: «ناداه الحُبّ ليذهب إليها دون أن يُدرك أنّها هناك تنتظره في البلاد البعيدة. ناولته حبّاتٍ من التمر وهي تبتسم فرقّ قلبُه واستكان ألمه».
لكن الحب في رواية «تغريبة القافر» مختلف عن الحب الذي يخضع لأحكام المجتمع، فالشخصية التي سيتتبع القارئ حكايتها ترى في من تحبه «إنسانًا غير الذي يراه النّاس، النّاس الذين يقيسون بمسطرة الجاه والمال والمكانة الاجتماعيّة، ويعدّون كُلَّ مختلفٍ عنهم مجنوناً أو ممسوساً، ولطالما حمدت ربّها على بذرة الحُبّ التي ألقاها في صدرها لتكبر يوماً بعد يوم حتّى صارت شجرةَ عشقٍ فارعة، كثيفة الظلال.»
ويبدو أن الرواية ألقت بظلالها على الحب، لكنها تبحث أيضا عن حقيقة الأشياء حين تغلفها الأسطورة، وحقيقة الأفراد حين يعيشون داخل جماعات تقيدهم، تقول الرواية: «يعيشان بين النّاس، ولا يمكنهما العيش خارج كلامهم».
فلا يمكن للواحد منهم بأي حال من الأحوال أن يمتلك صوته الخاص حين يريد ابتكار حكايته دون أن يكون للجماعة دخل في ذلك، تقول الرواية: «إنّ كلّ حكاية تظلّ صغيرة ما دامت في قلب المرء، ولكن حالما يكتشفها أهل القرية تنتشر وتكبر شيئاً فشيئاً ذاك ما تعلّمته من السّنين حتّى باتت مقتنعةً بأنّ الناس لا همّ لهم إلّا لوك الحكايات الجديدة وخلق أحداثٍ غرائبيّة لا أصل لها.»
وعن الأسطورة حين تروي حكاية الماء تقول الرواية: «فعجّت الفرضة والفرضات الأخرى بالضّحك وعادت السّخرية تسري في داخل القناة جيئةً وذهاباً كأنّها الماء الّذي انتظره الجميع، والارتواء الّذي سيطفئ وهج الشّمس، ويطرد العطش إلى أعماق الأرض.»
ذكرتني عبارة «لم يتبيّن كيف تستطيع العتمة أن تحتلّ بصر الإنسان ويصبح أعمى بعينين صالحتين للنّظر ولكن لا يرى بهما»، برواية «العمى» لجوزيه ساراماغو، فلا أصدق من أن يرى الإنسان ببصيرته حين يتعطل البصر إلى بعد حين. يقول الراوي: «عرف أيضًا كيف يستطيع أن يرى الأشياء بيديه.»
أن ترى بيديك يعني أن يتسع أفق الرؤية لديك بما يتجاوز عينيك.
ففي عبارة «كان يبحث عن شيء لا يوجد إلّا في داخله» يلمّح الكاتب إلى أن الإنسان مهما حاول أن يكتشف كل ما يحيط به هو في الحقيقة يبحث عن شيء داخله، فإن لم يعثر عليه، لن يتوفر له ذلك الاستقرار الروحي مهما بذل من جهد. لربما هذا ما كان يبحث عنه القافر، حقيقة الأشياء التي تنبع فقط داخله إن أجاد الإصغاء لها، يقول: «ومن ثقب صغير أعلى الصّخرة في ذلك العمق البعيد للفلج استطاع الشّابّ أن يستمع إلى خرير الماء وهو يتدفّق في أغواره البعيدة.»
المميز في تغريبة زهران القاسمي أنها لا تستحضر الطبيعة العمانية بطيورها وخلجانها وفلجاتها، عاداتها وتقاليدها، وإنما تستحضر حقيقة الأشياء حين تعبر من الواقع إلى الخيال دون أن يطالها التشويه. فحين يقول الراوي: «ويأتي الخريف بطيوره المختلفة المنتقلة من غصن إلى آخر، لكن سالم لا يعود مع الطّيور المهاجرة»، ثم يقول: «وتظلّ هي ترقب حركاتها، تحصي ألوانها، وتؤرّخ الأيّام الّتي ظهرت فيها، لعلّه يظهر فتخبره بأنّه عاد في اليوم كذا الّذي جاءت فيه طيور الرقراق، أو بعدما سمعت أمّ البوبوة تصدح بصوتها من بين أوراق شجرة اللثب»، فهنا القارئ لا يعرف حقيقة أن سالم لم يعد فحسب، بل يكاد يرى المشهد مكتملا بطيوره وأشجاره ليرسم له في المخيلة لوحة الغياب، دون صورة سالم !
في الرواية نكاد نقترب من حقيقة أن الماء يخلق الحياة والموت معا، أو لربما الموت هو حياة أخرى، ففي كل مرة يسرد تفاصيل الغريقة يأتي على ذكر الماء: يقول: «ما إن مشت الجنازة في الدّرب الضّيق الطّويل، حتّى بدأت السّماء تصبّ على الرّؤوس مطراً ناعماً استمرّ يُرطّب المكان والوجوه». ومرة أخرى يقول: «حُملت الجثّة وأُنزلت ببطء، وزاد انهمار المطر فكادت تُفلت من أيدي حامليها، وما عادوا يستطيعون الرؤية، وكأنّ السّماء قد اندلقت بحراً على المكان في تلك السّاعة.»
في «تغريبة القافر» كل الحكايات تؤدّي إلى الماء، فمصائر الشخصيات مرتبطة به ارتباطا وثيقا، بدءا بموت أم سالم غرقا، انتهاء بسالم الذي صار يسمع صوت الماء في كل مكان، وكأنه حارسه الذي لا ينام، تقول الرواية: «ظلّ عاجزاً عن فتح مسار صغير لذلك الماء الذي يملأ خريره كلّ رأسه».
إذن الماء هو الشخصية الرئيسية التي تنبثق منها حكايات عن بيئة عمان الساحرة، هذه البيئة التي عرف زهران القاسمي كيف يستل قصصها الواحدة تلوى الأخرى بسرد ساحر ولغة عذبة تشبه في نقائها الماء الذي نرى من خلاله صفاء الأشياء، متحدثا عن الحب في لحظاته الأولى، وعن عمان، تاريخها، جغرافيتها، وكل ما يميزها، مضفيا على سرده ذاك الأسطورة، التي يرى جوزيف كامبل أنها «أهم من التاريخ وأصدق منه بكثير».
ولكن ولأن لا عمل محكوم بالكمال، فما يميز هذه الرواية هو في رأيي الخاص ما يخل ببنائها في بعض المواضيع، فنحن نقرأ حكاية جميلة بسرد ساحر، لكن أحيانا، وتكاد تلك الأحيان كثيرة، ينفلت السرد ولا يكبح جماحه شيء، وينسى الكاتب أنه أمام رواية محكومة بالبناء الذي يميز الرواية عن الحكاية. وهذا ما قد يلحظه القارئ، أي يقرأ رواية جميلة تتفوق فيها قوة الحكاية حين يسردها حكاء ماهر على بناء الرواية كفن له ضوابطه.
عدا ذلك فرواية زهران القاسمي هذه تمتلك صوتها الخاص، وفكرتها الأصيلة التي تعيدنا لاكتشاف أشياء ما كنا نعتقد لوهلة أننا سنقترب من حقيقتها، كما تمنحنا القدرة على التواصل مع الآخرين. لذا يرى تودوروف أن ما تعطيه الرواية لنا «ليس معرفة جديدة، ولكن قدرة جديدة على التواصل مع كائنات مختلفة عنا. وبهذا المعنى فهي تشارك في الأخلاق أكثر من مشاركتها في العلم. والأفق الأقصى لهذه الحقيقة ليس الحقيقة، ولكنه الحب، أي الشكل الأعلى للعلاقة الإنسانية».
إذن تطرح الرواية من خلال موضوعها الرئيس أسئلة الحياة الكبرى، الموت والحب وعلى ضوء تساؤلات «تغريبة القافر» يحضرني بيت للشاعر العراقي الراحل سعدي يوسف يقول فيه: «نحن الغرقى، فليأتِ الماء».
زهران القاسمي: «تغريبة القافر»
دار مسكلياني للنشر والتوزيع، الشارقة 2022
228 صفحة.