ليالي رمضان تحييها الأغاني التراثية وتزينها الفوانيس والأضواء

كمال القاضي
حجم الخط
0

تأخذ الاحتفالات الدينية الموسمية في مصر أشكالاً مُختلفة ربما تأتي مُغايرة في مظاهرها لما يحدث في العواصم العربية الأخرى، فعلى سبيل المثال يبدأ الاستعداد للاحتفال بشهر رمضان من منتصف شهر شعبان، حيث تُعلق الزينة وتُزود الشوارع بمصابيح إضافية على شكل عناقيد من اللمبات الملونة ما بين الأبيض والأخضر والأحمر والأزرق حسب الذوق الشعبي لسكان الأحياء القديمة العامرة والزاخرة بالسكان، وبالطبع يكون الفانوس هو مصدر الإضاءة التعبيري والرمزي إحياءً للطابع التراثي الذي كان في الماضي قبل دخول الكهرباء والاعتماد عليها كمصدر رئيسي للإنارة.
وكما تعُم الاحتفالات جميع أحياء القاهرة وبقية المُدن الإقليمية الأخرى في مصر والتي انتقلت إليها عادة الاحتفال بالشهر الكريم تأثراً بالعاصمة، تأتي أيضاً طقوس الاحتفال المُكثف بوسائل الإعلام المسموعة والمرئية فتنشط البرامج الإذاعية وتتعدد أشكالها وألوانها ومضامينها، وكذلك البرامج التلفزيونية المصورة لم تعد مقصورة على التلفزيون الرسمي فقط وإنما بات انتشارها بالمحطات الفضائية الخاصة سمة أساسية في شهر رمضان.
ولأن الأغنية هي الملمح الرئيسي الدال على فرحة رمضان كما يصفها العامة، فقد صارت هي الأيقونة الحقيقية المُعبرة عن الأجواء الرمضانية منذ زمن بعيد. وللأغنية في شهر الصوم خصوصية فنية وإبداعية سواء في كلماتها أو ألحانها أو أدائها، فأشهر هذه الأغنيات تلك التي غناها المطرب محمد عبد المطلب وجرت العادة على استقبال الشهر المُبارك بها وفقاً لمطلعها ولحنها واسمها فمن عنوانها يُستدل على قدوم رمضان بصيامه وقيامه «رمضان جانا» أغنية يحفظها الكبير والصغير عن ظهر قلب ويزداد ترديدها مع الأيام الأولى لظهور هلال رمضان وفور إعلان الرؤية تبدأ مُعظم محطات الإذاعة المصرية في إذاعتها في فرح وانسجام.
وفي غمرة السعادة بقدوم الشهر الكريم وبالتزامن مع أغنية «رمضان جانا» تُذاع أغنية «وحوي يا وحوي» للمطرب أحمد عبد القادر، وهذه الأغنية ينتشي بها الأطفال ويأخذون في ترديدها وهم يحملون الفوانيس المُضاءة بالبطاريات الصغيرة بديلاً عن الفوانيس التقليدية القديمة التي كانت تُضاء بالشموع.
فبرغم طفرات الحداثة والتطور لا يزال بعض الأطفال في حواري مصر القديمة والجمالية والحسين والسيدة زينب والدرب الأحمر متمسكون بعادة الاحتفال بالفوانيس، لذا يرتفع سعر الفانوس بشكل ملحوظ في هذه المناطق وتتعدد أشكاله الفنية المُبتكرة تبعاً لكثرة الطلب عليه من الصغار والكبار، فمعظم المحلات والمقاهي تحرص على تزيين واجهاتها بفانوس من الحجم الكبير تبركاً وفرحاً.
وعوداً إلى الأغاني وتأثيرها في الوجدان الشعبي يتعين ذكر واحدة من الأغاني التراثية المهمة للمطرب عبد العزيز محمود «مرحب شهر الصوم» فهذه الأغنية تُعد من أغنيات الاستقبال أيضاً الباعثة على التفاؤل والاستبشار بروائح الأيام المُباركة والتي يتسم لحنها بالبساطة والاستغراق في الجو الشعبي والاعتماد على الثيمة الشعرية واللحنية الخفيفة للاقتراب من الجمهور البسيط بكل طوائفه والتواصل معه بما يُناسب مزاجه وثقافته.
ولم يقتصر الإبداع الغنائي الرمضاني في المراحل السابقة على المطربين الشعبيين فقط وإنما اجتذب إليه نجوما كبار مثل فريد الأطرش الذي قدم أجمل ما لديه مُتمثلاً في أغنية «هلت ليالي حلوة وهنية» بتنويعاتها الموسيقية ولحنها المُختلف، فقد أضاف الموسيقار والمطرب الكبير للأغنية الرمضانية بعض الزخارف النغمية فأكسبها تميزاً واضحاً على مستويات كثيرة جعلت المُستمع المصري والعربي يُفضلها ويستعذب صوته وأدائه حين يشدو بها كأنها أغنية عاطفية أو وطنية وهو التأثير الفارق لبصمة المُبدع الكبير.
ولمحمد فوزي أيضاً دوره البارز في تأكيد خصوصية وتميز الأغنية الرمضانية، كونه أبدع فعلياً في تلحين وأداء أغنية «هاتوا الفوانيس يا ولاد» إذ تمكن من صياغة اللحن ببساطة مُتناهية ليُناسب طبيعة الطفل المرحة وفرحته بالفانوس البديع في ألوانه وأضوائه، ولهذا جاء اللحن مُتناغماً مع الحالة النفسية للطفل في سن النشاط واللعب والمرح والإقبال على الحياة.
وللثلاثي المرح إبداعات أخرى ارتبطت بشهر رمضان كان الأداء الغنائي فيها جماعياً بطبيعة الحال واتسم بحلاوة الصوت والإيقاع الهادئ للجملة اللحنية، فضلاً عن التنغيم الثلاثي للأصوات النسائية الرقيقة الذي جاء مميزاً للغاية في أغنيتي «أهو جه يا ولاد» و«سبحة رمضان» وهما عملان شهيران مثلا إبداعاً استثنائياً خاصاً بين روائع الثلاثي المرح الكثيرة.
ولا يُمكن نسيان الاسكيتش أو الصورة الغنائية البديعة شديدة الدلالة التي قدمتها الطفلة المُعجزة بسيمة تحت عنوان «اصحى يا نايم صحي النوم» في أحد أفلامها مع الممثل والنجم الكبير زكي رستم قبل نحو نصف قرن أو أكثر، حيث انتقدت بشكل فني كوميدي ظاهرة الإفطار في نهار رمضان متندرة على بعض النوعيات من الشخصيات التي لم تتعود الصيام.
وحول فن الاسكتش المُرتبط بشهر الصوم قدم الثنائي فؤاد المهندس وصباح عملاً إبداعياً فارقاً في إطار غنائي وتمثيلي استهدف نقد التبذير والإسراف في إعداد المائدة الرمضانية بعنوان «الراجل ده حيجنني» وهو حالة فنية فريدة من نوعها يغلب عليها الطابع الاستعراضي.
ولا شك في أن حلقات المسحراتي التي أبدعها الشاعر فؤاد حداد والمُلحن والمُطرب سيد مكاوي تُمثل فناً رفيعاً في هذا السياق، فهي تدخل بالتأكيد ضمن جماليات شهر رمضان الإبداعية فالكلمات والألحان والأداء تُعظم الإحساس بأجواء الصوم وروحانيات الأيام والليالي الجميلة بعبقها الإيماني الخاص.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية