تونس ـ «القدس العربي»: تعود جذور المسرح التونسي إلى الحضارة القرطاجية التي اقتبست منها أمم عديدة فنونها ومعمارها وفكرها وعلومها وتنظيمها السياسي والقانوني على غرار الرومان الذين لم تتطور حضارتهم وتبلغ ذروة مجدها الإمبراطوري إلا بعد انهيار جمهورية قرطاج. بينما لم يظهر «مسرح العرائس» كما يسمى في تونس أو «مسرح الماريونات» أو «مسرح الدمى المتحركة» أو «الأراجوز» كما يسمى في بلدان أخرى إلا مع قدوم العثمانيين إلى تونس، الذين حلت أساطيلهم بموطن القرطاجيين بتعلة التصدي للإسبان فطاب لهم المقام.
فمنذ القرن الخامس عشر كان مسرح الدمى المتحركة نشاطا ترفيهيا أساسيا في قصور الطبقة العثمانية الحاكمة لتونس، وفيها تطور ومنها تعرف عليه التونسيون من الطبقة المقربة من البلاط والتي نقلته إلى العامة باعتبار القطيعة التي كانت سائدة بين بني عثمان من جهة وعموم التونسيين من جهة أخرى. واشتهرت في تلك الحقبة دمية «إسماعيل باشا» التي أصبحت شخصية محورية في عروض مسرح العرائس وتتعلق هذه الدمية بقائد عسكري قوي شارك في معركة حلق الوادي سنة 1574 وانتصر على الإسبان وطردهم من تونس.
أما بعد استقلال تونس عن الاستعمار الفرنسي، وبعد الخطاب التاريخي الذي ألقاه الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة والذي خصصه للمسرح، باعتباره كان مثقفا عاشقا للفن بشكل لافت، فقد تطورت القوانين والتشريعات المتعلقة بالمسرح وأنشئت المؤسسات المسرحية على غرار الفرقة المسرحية لفن العرائس لمدينة تونس. ومن هذه الفرقة المسرحية نشأ لاحقا «المركز الوطني لفن العرائس» وذلك سنة 1978 ليقوم هذا المركز بدوره الفني والتربوي والتثقيفي الذي بعث من أجله في بلد عشقت دولة استقلاله التعليم والثقافة ورصدت لهما الميزانيات الضخمة وذلك خلافا لما ساد بعد الثورة.
ويؤكد العارفون بالشأن الثقافي في تونس على أن عددا من مثقفي هذا البلد من مسرحيين وكتاب وسينمائيين وشعراء ورسامين وغيرهم كان لهم دور أيضا في بلورة فكرة بعث المركز الوطني لفن العرائس. والدولة كعادتها في ذلك الزمن، وتشجيعا منها للثقافة والمثقفين، استجابت لمخرجات لقاءات مثقفيها ونقاشاتهم بدار الثقافة ابن رشيق بالعاصمة التي كانت فضاء للتفكير من أجل النهوض بهذا الفن المسرحي.
ومن بين الأسماء التي برزت في هذا الفن المسرحي رشاد المناعي ومحي الدين بن عبد الله وحبيبة الجندوبي وعبد المجيد سعد وحسن المؤذن وعبد الحق خمير والمنصف بالحاج يحيى والطاهر البكوش وتوفيق الورتاني والبشير جلاد. ونتيجة لجهود هؤلاء جميعا ومساهمتهم في تطوير هذا الفن ونشره والتعريف به وقيامه بدوره التثقيفي التربوي الذي بعث من أجله أصبح أيضا اختصاصًا قائما بالذات بأهم مؤسسة جامعية في التعليم العالي التونسي يتخرج منها المسرحيون وهي المعهد العالي للفن المسرحي.
القطاع الخاص
وترى الإعلامية التونسية المتخصصة في الشأن الثقافي منى بن قمرة في حديثها لـ«القدس العربي» أن ما جعل مسرح العرائس ينتشر في تونس وفي غيرها هو عدة أسباب من بينها التكلفة المالية الزهيدة للعرض وسهولة حمل المسرح ونقله من مكان إلى مكان. فالدمى، حسب محدثتنا، لا تحتاج إلى قاعة عرض ضخمة خلافا لشخوص المسرح العادي من الممثلين وقد اكتفى بعض العارضين عبر التاريخ بعربة متنقلة وشخصية وحيدة تتوجه إلى المشاهدين من الأطفال وكبار السن على حد سواء.
وتضيف بن قمرة قائلة: «إن دخول القطاع الخاص على الخط في تونس في مجال مسرح العرائس من خلال ظهور عدة فرق مسرحية وشركات إنتاج خاصة ساهم في مزيد انتشار هذا الفن خاصة في المدن والجهات الداخلية. فمن المؤكد أن المركز الوطني لفن العرائس التابع للدولة والخاضع لإشراف وزارة الثقافة لن يستطيع وحده النهوض بهذا القطاع وذلك رغم الجهود المبذولة في هذا الإطار منذ التأسيس وإلى يوم الناس هذا».
وهذا الفن، حسب محدثتنا، ليس حكرا على الأطفال فحسب، مثلما يوحي بذلك وجود الدمى، بل يتوجه إلى كبار السن وينتقد الظواهر السياسية وانحرافات الحكام ويوجه الرسائل للمشاهدين لتغيير الأوضاع السائدة ويساهم في نشر الوعي في صفوف المواطنين. وبالتالي فإن اعتقاد البعض، حسب الإعلامية التونسية، بأن فن العرائس موجه للأطفال خاطئ ومثل في أحيان كثيرة حاجزا حال دون انتشار هذا الفن وهو ما يتطلب مضاعفة الجهد من أهل الاختصاص للتوعية بأهميته في المساهمة في خلق الوعي لدى العامة تماما كما المسرح العادي.
تجارب عديدة
وترى محدثتنا أيضا أن انتظام مهرجان دولي لهذا الفن في تونس وهو مهرجان أيام قرطاج لفنون العرائس لن يزيده إلا انتشارا واشعاعا خاصة وأنه ارتبط باسم قرطاج الحضارة التي ازدهرت فيها الفنون والعلوم والفكر الحر وأشعت على العالم بأسره في زمن مجدها. وتؤكد على أن مشاركة بلدان عديدة في هذا المهرجان سيمكن من الاطلاع على عديد التجارب ومن تلاقحها فيما بينها لتطوير هذا الفن الذي تتداخل فيه عدة فنون ومن ذلك فن الرسم وتصميم الدمى والكتابة وغيرها.
وتضيف بن قمرة: «إن أيام قرطاج لفنون العرائس التي اختتمت منذ أيام في دورتها الرابعة، باختصار شديد، هي مكسب لهذا الفن خاصة وأنها استفادت من مناخ الحريات الذي شهدته البلاد في السنوات الأخيرة وخصصت هذا العام عروضا للكبار والصغار على حد سواء ساهم فيها قرابة 100 فنان تونسي وأجنبي من مصر والإمارات وإسبانيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا وبلجيكا واليونان وبريطانيا والنمسا والبرازيل وغيرها. ولعل افتتاح وزيرة الثقافة لهذا الحدث وحضور سفراء أجانب من بينهم سفير إسبانيا، الذي كانت بلاده ضيفة شرف هذه الدورة، يؤكد أهمية الحدث وأهمية هذا الفن بالنسبة للتونسيين ولقطاع الثقافة في تونس بوجه عام.
وقد حملت هذه الدورة، التي عرضت فيها مسرحيات عديدة مثل «البجعات» للمخرج حسان السلامي ومن إنتاج المركز الوطني لفن العرائس بتونس، عنوان «ماريونات.. فن وحياة» وفي ذلك تأكيد من المنظمين على أن فن العرائس نابع من الواقع ويعالج مشاكل الحياة ويرتبط بها ارتباطا وثيقا. وشهدت الدورة تنظيم «كرنفال» في الشارع الذي تقع به مدينة الثقافة، حيث الافتتاح، حضرت فيه عرائس عملاقة حتى بدت مدينة تونس شبيهة بريو دي جانيرو في البرازيل في كرنفالها السنوي. ولم يقتصر المهرجان على العاصمة بل شمل مدنا أخرى داخل البلاد وهي الحمامات وتستور والمنستير والمهدية وصفاقس، وهو ما يؤكد إشعاع المهرجان وانفتاحه ومساهمته في نشر هذا الفن. كما أن قيام المشرفين عليه بتكريم فنانين تونسيين أبدعوا في فن العرائس على غرار دليلة العبيدي والممثلة فوزية بومعيزة والكاتب المسرحي محمد العوني، يؤكد أهمية فن العرائس لدى القائمين على الثقافة في البلاد».