مشهد من مسلسل «الهرشة السابعة»
كما هي العادة دائماً ينقسم جمهور المُشاهدين ما بين مؤيد ومعارض للأعمال الدرامية الرمضانية، فالقليل منها ما يتم الاتفاق عليه وبشكل نسبي، حيث تتضارب الآراء وتختلف الأذواق، وتبدأ حملات الهجوم والتأويلات التي غالباً ما تكون خارج السياق، حيث تبني القاعدة الجماهيرية العريضة تقييماتها على الانطباع الأول للحلقات في بداية عرض المُسلسلات، قبل أن تتضح الرؤية كاملة وهذا ما يُسبب إهداراً لحق بعض الأعمال المتميزة أو الفارقة في المستوى، وبالطبع يلحق الضرر المعنوي بالأبطال وكُتاب السيناريو والمُخرجين الذين ينبرون في الدفاع عن أنفسهم كأنهم ارتكبوا جرائم ولم يصنعوا فناً وإبداعاً.
الأمثلة الدالة على التقييمات غير الموضوعية والآراء المُتسرعة كثيرة، وربما ما أثير حول مُسلسلات بعينها من أقاويل وشهادات تطعن في الأفكار والموضوعات وأداء الأبطال، يحتم أن نسعى للوقوف على أوجه التميز في بعض الأعمال قبل التركيز على السلبيات من باب الإنصاف فقط لا غير، واتباع مبدأ المُحايدة احتراماً للجهود المبذولة والنوايا الحسنة في تقديم شيء له قيمة.
أول الأعمال المهمة التي بادر الجمهور إلى نقدها كان مُسلسل «رسالة الإمام» بطولة خالد النبوي وتأليف محمد هشام أبو عبية وإخراج ليث حجو، فرغم الاهتمام بالنوع الدرامي التاريخي، وسيرة ومسيرة الإمام الشافعي، إلا أن هناك من لم يعجبه من البداية تجسيد حياة الإمام، باعتبار ذلك تقديساً له وانحيازاً لمنهجه الفقهي بشكل مُطلق، ومحاولة للتأثير في الجمهور للأخذ بكل آرائه وفتاواه بوصفة مُنزهاً عن أي أخطاء! هكذا كان الاستهلال في نقد المُسلسل كفكرة قبل الدخول في تفاصيله الدرامية، علماً بأن الكاتب أكد أن الأحداث تتناول فقط آخر 6 سنوات قضاها الشافعي في مصر، وتأثر خلالها بحضارتها ونمط الحياة الدينية والاجتماعية فيها، لكن الرؤية النقدية التلقائية لم تلتفت لهذا التحديد الزمني، وتعاملت مع سيرة الإمام بالجُملة، إضافة إلى ما تم تداوله على وسائل التواصل الإلكتروني حول الأبيات الشعرية التي وردت على لسان خالد النبوي، باعتبارها من أقوال الإمام، بينما هي في الأصل من تأليف الشاعر حذيفة العرجي حسبما ذُكر، الأمر الذي يُمثل طعناً في صلب الموضوع ويمس نزاهة الكتابة والأداء لو صح الادعاء.
وتأتي الوقفة الأخرى مع مُسلسل «الهرشة السابعة» للكاتبة مريم ناعوم والمخرج كريم الشناوي وبطولة أمينة خليل ومحمد شاهين ومحمد محمود وعايدة رياض، فهو أيضاً لم يسلم من محاولات التأويل والرجم بالغيب في تفسير المعاني الدرامية المُتضمنة في المشاهد للتدليل على الحالة الاجتماعية المعنية بالمناقشة والرصد في السياق العام للعمل الإبداعي ككل، فقد استقبل البعض مشاهد بعينها من المُسلسل بوعي مُختلف دفع إلى الظن بأن المُسلسل يروج لفكرة المُساكنة الاجتماعية، وهي القبول بمبدأ المُعايشة الجماعية بين الرجل والمرأة، دون زواج رسمي موثق مع استبعاد شرط الإنجاب، ويُستدل على الفكرة المرفوضة اجتماعياً ودينياً من مشهد واحد جمع بين اثنين من الأبطال، علي القاسم وأسماء جلال وحوار قصير دار بينهما حول أزمة السكن ومُشكلات الإقامة والإعاشة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، وهو حوار وارد ومنطقي بعيداً عن الإشارة لفكرة المُساكنة التي تم التركيز عليها، وصارت عنواناً عريضاً للمُسلسل بأكمله، وهذا يعني أن هناك محاولات مُستمرة للبحث عن الأخطاء أو أوجه النقصان أو أنه سوء تفاهم قائم بين المُرسل والمُستقبل، يُترجم فورياً في شكل ملاحظات ومآخذ وتنبيهات في كثير من الأحيان. وقد يرجع السبب في ذلك إلى مساحات الحرية المُتاحة والمُكتسبة للتعبير عن الرأي في جميع وسائل التواصل الاجتماعي، التي تشجع بدورها الجمهور على التصريح بما يدور في خلده وفق اعتقاده وثقافته ودرجة وعيه، وهي ظاهرة صحية إذا جانبها الخطأ وعدم الدقة في تفسير كل ما يُعرض من أعمال درامية وإبداعية، لأن افتراض سوء القصد والنية يبددان الثقة في المُبدع ويُدخلان الشكوك في عقل ووجدان المُتلقي، وهنا يفقد الإبداع الدرامي أو غيره وظيفته الأساسية في كونه مُضطلعا بالحوار والمُناقشة والتداول وعرض الظواهر جميعها.. السلبي منها والإيجابي.
تتبقى بعض المُسلسلات الأخرى التي تُحقق نسبا عالية من المُشاهدة لكنها لا تحظى بالقدر الكافي من التقييم والثناء كمسلسل «جميلة» الذي تتفوق فيه بجدارة سوسن بدر في المنافسة القوية التي تجمعها بالبطلة ريهام حجاج صاحبة الامتياز والحظ الوفير في موسم استثنائي تحظى فيه بالثقة الكاملة وتصعد درجات القمة بثبات، كذلك مُسلسل «وعود سخية» الذي يستلزم الوقوف طويلاً أمام موهبة حنان مطاوع العابرة لكل الحالات والشخصيات.
كاتب مصري