في ضوء التطورات الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط المتمثلة بدخول الصين إلى الساحتين السياسية والاقتصادية في العالم العربي وخصوصاً عبرَ تمهيدها ووساطتها لعودة العلاقات الدبلوماسية بين المملكة العربية السعودية وجمهورية إيران الإسلامية، يُطرح سؤال هام بالنسبة لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، التي تفاقمت في عهد الرئيس جورج بوش الابن ومعاونيه وعلى الأخص مستشارته للأمن القومي التي أصبحت لاحقاً وزيرة للخارجية كوندوليزا رايس، والتي مارستها الحكومات الأمريكية المتعاقبة، أكانت جمهورية أو ديمقراطية. فهل ستراجع القيادة الأمريكية هذه السياسة وتختار خيارات أخرى مفيدة لها ولشعوب وأنظمة المنطقة؟
يطرح الكاتب سامي كليب هذين السؤالين في كتابه «تدمير العالم العربي، وثائق الغرف السوداء» المبني على مقابلات مع سياسيين وإعلاميين ومثقفين عرب وأجانب وعلى خبرته الصحافية والإعلامية الطويلة والمتنوعة.
ويعتبر أن «أمريكا والدول الغربية المتحالفة معها شعرت بان المارد الصيني القائم من تحت الرماد أصبح قوة مهددة فعلية لمصالحها». ويرى كليب ان المصرف المركزي الصيني صار قادراً على انقاذ أمريكا نفسها من أزمتها المالية منذ عام 2008 وصارت الصين تملك قدرة على التلاعب بالدولار إن شاءت، وانه كان لا بد لها نتيجة لذلك من استعادة دورها ونفوذها. وبالتالي «لا بد من البحث عن وسائل جديدة لإبقاء السيطرة الغربية على خيرات العرب وأفريقيا». ويضيف: «البحث عن مصادر مال وطاقة وغذاء صار إذن أولوية في سياسات الدول الكبرى وفي طليعتها أمريكا. وكذلك السعي للعثور على مواقع نفوذ جديدة أو على قواعد عسكرية إضافية وعلى أسواق سلاح متزايدة. هذا التطور جعل معظم الدول العربية والشرق أوسطية فريسة سهلة لهذا التنافس ورقعة شطرنج يتجمع حولها لاعبون دوليون وإقليميون بحيث يتحول معظم العرب إلى بيادق» (ص34 و35).
ويعتبر كليب بان انفتاح الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما على حركة الإخوان المسلمين في مصر والمنطقة العربية خلال رئاسته: «لم ينطلق نتيجة حب مفاجئ لهم بل لأن أمريكا أدركت بان دخولها الوطن العربي يجب ان يتم عبر قوة قادرة على التأثير فعلياً في الشارع حيث لم تعُد الجيوش العربية قادرة وحدها على مخاطبة الملايين وانه ربما ليس في هذا الشارع العربي قوة أكثر تنظيماً وتأثيراً من الإخوان المسلمين. كما ان أنصار التقارب الأمريكي ـ الإخواني كانوا يؤكدون أن بإمكانهم التحلل منه لاحقاً إذا اختلف الطرفان، والمطلوب كان تمرير المرحلة الراهنة ثم أن الأوضاع الاقتصادية العربية الصعبة ستدفع المجتمعات العربية لاحقاً إلى نبذ الإخوان فيسهل آنذاك تركيب أنظمة أكثر قدرة على ضمان المصالح الأمريكية وحماية إسرائيل» (ص 57).
إذن، فالجواب على السؤال المطروح حول إذا ما كانت القيادات الأمريكية المتلاحقة تتبع سياسات تؤدي إلى تناقضات هو برأي كليب نعم. وهذا ينطبق على قيادات الأحزاب الأمريكية الجمهورية المحافظة أو المسماة ديمقراطية في الولايات المتحدة والدول الأوروبية الغربية.
ويشير كليب إلى محاولات واشنطن خلال مراحل مختلفة مرت فيها لإقناع القيادة السورية بان الخيار الأهم لها هو الغرب. فيكشف الكاتب هذا الأمر بعودته في كتابه إلى اللقاء المفصلي بين بشار الأسد وكولن باول وزير الخارجية الأمريكي في عهد الرئيس جورج بوش الأبن، الذي تم في 3 أيار (مايو) 2003. أي بعد غزو العراق حيث يقول إن الهدف الأول والأهم لباول كان إقناع الأسد بان ينزع عن بلاده سترة التحالف مع إيران وحزب الله والفصائل الفلسطينية كي يصبح مقبولا في الغرب ويتجنب حرباً مشابهة كتلك التي دمرت العراق (ص 69 ـ 70).
كتاب كليب يشمل عدداً كبيراً من الطروحات المقلقة بشأن المشاريع الأمريكية ربما النابعة من مصالح إسرائيلية لتدمير المنطقة، ولكن فيما يختص بالشأن السوري، فان الفصل الخامس وعنوانه: «تقسيم الوطن العربي، الوثيقة الكاملة لمحضر اجتماع الرئيس بشار الأسد مع وزير الخارجية الأمريكي السابق كولن باول بعد الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003» قد يُعتبر أهم فصوله بالنسبة إلى العلاقة الأمريكية ـ السورية آنذاك، وفي المرحلة الحالية، وخصوصاً ان وليام بيرنز، نائب وزير الخارجية الأمريكي السابق والمدير الحالي لوكالة الاستخبارات الأمريكية المركزية «CIA» شارك فيه مع باول والأسد وهو حالياً أحد كبار أصحاب القرار في القيادة الأمريكية.
وحسب كليب، فان ذلك اللقاء المفصلي بين الأسد وباول بعد حرب أمريكا على العراق «كشف بان أمريكا تضع أمن إسرائيل في صلب أولوياتها، لا بل ان هذا الأمر كان أهم من العراق كله في الحديث مع الأسد، وان أمريكا وضعت شروطاً تعجيزية على سوريا كان من شأن تنفيذها أن يلغي الدور الذي أرادته دمشق لنفسها كجزء داعم لمحور المقاومة» (ص 140).
ويضيف: «كانت الخارجية الأمريكية تسعى لإقناع بشار الأسد بإجراء تحول إستراتيجي والتعاون الفعلي مع أمريكا، كما كان قد فعل الرئيس السابق حافظ الأسد حين وقف إلى جانب واشنطن في حربها ضد الرئيس صدام حسين في الكويت» (ص 141).
ويصف لغة باول مع بشار الأسد بـ«المتعجرفة» مفسراً ذلك بانه نتيجة لسرعة نجاح الغزو الأمريكي والبريطاني للعراق ما «جعل إدارة بوش الابن تتعامل مع سوريا والدول الأخرى على انها هي القوة العظمى والآمر الناهي وعلى الآخرين أن يقوموا بواجباتهم نحوها من دون أن تقدم هي أي شيء في المقابل» (ص 143).
وفي كتاب كليب فصول مفيدة عن العوامل داخل الولايات المتحدة التي تدفع حكوماتها لاتخاذ مثل هذه المواقف والسياسات المجحفة بحق العرب والفلسطينيين وفي طليعتها اللوبيات المؤثرة كلوبيات بيع الأسلحة والمسيحيين الصهاينة، وغيرهما الداعمة لإسرائيل والإعلام المنحاز والأموال الضخمة الواردة من اللوبيات والتي تُصرف لدعم مرشحين منحازين ضد العرب الفلسطينيين في انتخابات الكونغرس والانتخابات الرئاسية الأمريكية.
والجدير ذكره أن ميشيل كيلو، المعارض السوري القيادي الراحل في ثورة سوريا، الذي توفي عام 2021 قال في كتاب نشر بعد وفاته وعنوانه: «الثورة السورية وبيئتها الدولية»: إن «خطتي نشر الفوضى الخلاقة ومحاولة فرض شرق أوسط جديد، اللتين انتهجتهما حكومة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن لدى غزو العراق في عام 2003 والتي روجت لهما خصوصاً مستشارته للأمن القومي كوندوليزا رايس وأعوانهما من المحافظين الجدد، ما زالتا مستمرتين وتتواجدان في سياستي الحزبين الجمهوري والديمقراطي المتلاحقتين في منطقة الشرق الأوسط وخصوصاً في العالم العربي».
وأكد كيلو في كتابه الأخير الذي نشره خلفاؤه بعد وفاته أن «سياسة الفوضى الخلاقة التي تمارسها أمريكا في سوريا تناسب عدم انتصار بديل ديمقراطي للنظام القائم في سوريا (ص 37 و38 في كتاب كيلو عن الثورة السورية).
وأشار كيلو في كتابه ان سياسة الفوضى الخلاقة التي مارستها أمريكا في سوريا تناسبت مع تدفق المرتزقة والجيوش الأجنبية والإقليمية إلى الأراضي السورية مما تناسب مع المصالح الأمريكية (ص 70 إلى 72). كما أكد ان هدف أمريكا وحلفائها في سوريا كان استمرار الحرب وعدم حسمها.
واستخلص كيلو قائلاً: «مشروع أمريكا في سوريا لعله كان مشروعاً إسرائيلياً لتأكيد هيمنتها على المنطقة ولذلك تقاعس الأمريكيون في دعمهم للمعارضة السورية وعملوا على إطالة الصراع من دون حسمه» (ص 101 و 102).
وبالتالي، فان مواقف الراحل ميشيل كيلو، أحد أبرز قياديي الثورة السورية تتفق مع مواقف المفكر والكاتب الصحافي سامي كليب في ان سياسة الولايات المتحدة في سوريا ساهمت وتساهم في نشر مشروع الفوضى الخلاقة الذي فاقم عذاب وآلام الشعب السوري.
ومما يبدو حالياً فإن سياسة الفوضى الخلاقة في عدد من بلدان العالم العربي تحت قيادة أمريكية ـ غربية ـ إسرائيلية وتعاون من قيادات بعض الدول العربية. مثل هذه الدول تركز على استبدال تحقيق العدالة في الحيز السياسي تجاه القضية الفلسطينية والقضايا العربية الأساسية المحقة باستعراضات واسعة في المجالات الفنية والاجتماعية فيما ما زالت إسرائيل تمارس سياسة القمع ضد الفلسطينيين تحت أعين أمريكا المتقاعسة عن الدعم الاقتصادي لدول أصبحت شعوبها في حالة يرثى لها، بل على العكس تمارس وتشجع العقوبات الاقتصادية ضدها ما يساهم في تصاعد الانهيار في أوضاعها الاقتصادية والمالية بدلاً من مساعدتها على مواجهة الكوارث الاقتصادية والطبيعية والإنسانية.
أما عن الجواب على السؤال الثاني حول مصير الثورات الاجتماعية الشبابية في العالم العربي ضد أنظمة قامعة وفاسدة، فالمطلوب استمرارها بالوسائل السلمية، إذا كان ذلك ممكناً، أو بالمقاومة الفعالة وبوسائل أخرى إذا استمر العدو الإسرائيلي في ممارساته الوحشية والقمعية ضد الشعب الفلسطيني المناضل ضد العنصرية وضد أولئك الذين يسعون للاستيلاء على أرضه بالقوة وداعميهم. وإذا تعذر ذلك فالصين على الأبواب!
سامي كليب: «تدمير العالم العربي»
دار نوفل (هاشيت أنطوان)، بيروت 2023
392 صفحة.