المسرح يشعّ إبداعا في تونس في يومه العالمي

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي»: للمسرح في تونس مكانة خاصة منذ العصر القرطاجي حيث انتشرت أماكن العرض وتعددت العروض في ربوع الجمهورية الإمبراطورية التي نشأت منذ القرن التاسع قبل الميلاد وتوسعت لتشمل ضفاف غرب المتوسط الشمالية والجنوبية ومستوطنات أطلسية. وفي زمن دولة الاستقلال تواصلت العناية بالمسرح التونسي من قبل رأس السلطة، أي الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، الذي خصص خطابا طويلا للمسرح بين فيه أهمية هذا الفن في نشر الوعي واستراتيجية الدولة لتطويره والعناية به.

وتزامن ذلك مع إنشاء الفرق المسرحية في مختلف جهات الجمهورية والتي تحولت إلى مراكز للفنون الدرامية والركحية تخرج منها كبار المسرحيين التونسيين تماما مثلما تخرجوا من مؤسسات التعليم العالي المسرحية التي أحدثتها دولة الاستقلال. وقد أنتج مسرحيو الخضراء طيلة العقود الماضية أعمالا لا تنساها الذاكرة وأبدعوا أينما حلوا ونالوا الجوائز في كبرى المهرجانات العالمية حتى باتت التجربة التونسية في مجال المسرح مرجعا للكثيرين وقدوة لدول المنطقة الذين سار بعضهم على النهج.

مسرح طلائعي

وفي هذا الإطار اعتبرت مؤسسة المسرح الوطني التونسي بمناسبة اليوم العالمي للمسرح، أن المسرح التونسي لم يبعد في نشأته عن قاعدة البحث الإنساني عن الفضائل والقيم النبيلة. فكان برأيها طلائعيا في بداية تجليه، وبرز ذلك من خلال توهج أعماله على اختلاف مشاربها وأطروحاتها، حيث كان المسرح التونسي على الدوام في مقدمة المسارح الإنسانية الجديرة بالمتابعة والتنويه.
واعتبرت المؤسسة أيضا أن المسرح التونسي لم يكن البتة متقوقعا منكفئا على ذاته، بل نهل من نهر الإبداع الإنساني، وشكل مواضيع إبداعه من هواجس محلية وعالمية تشغل الناس وتملأ الدنيا، وهو ما أهله ليكون مسرحا تونسيا صميما بمواصفات عالمية لا يتوه الذوق الإنساني في تفاصيله. وقد اضطلع هذا المسرح، حسب البيان، بدور ريادي داخل البلاد وخارجها في نحت الذائقة الفنية، وهو ما جعل الفن الرابع يحوز على مدى الزمن المستمر مكانة مرموقة خالدة في وجدان التونسيين الذين لم يقطعوا البتة أواصر تعلقهم بارتياد فضاءات المسارح، ولم يتنصلوا من عشقهم للركح ولما يهبه لهم من معان ترصّف بعدئذ رؤاهم للحياة التي يعيشونها.
ولفتت المؤسسة إلى أن المسرح الوطني التونسي قدم على امتداد مسيرته المتواصلة أعمالا وتجارب عديدة ظلت علامات فارقة في فن الركح على الصعيد الوطني والإقليمي والعالمي. وبرهن هذا المسرح على أن الإبداع لا تقيده حدود ولا يسجنه ركح، وأنه رغم ضيق المساحة فإن هذا المسرح يحلق بأحبته ويصعد بهم إلى أعلى الآفاق وأرحبها.

احتفالية رسمية

وقد احتفت تونس الرسمية كعادتها هذا العام باليوم العالمي للمسرح وتمّ في هذا الإطار عرض مسرحية «كابوس اينشتاين» لأنور الشعافي ومسرحية «آخر مرة» لوفاء الطبوبي ومسرحية «شي…يتصلح» لمحمد كواص، إضافة إلى عرض مجموعة من المسرحيات التي تحولت إلى أفلام وهي فيلم «عرب» للفاضل الجعايبي والفاضل الجزيري، وفيلم «العرس» للفاضل الجعايبي وجليلة بكار. وقد أنجز هذه الاحتفال البهيج قطب المسرح والفنون الركحية وتم ذلك بدار الأوبرا بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي بالعاصمة تونس تحت إشراف وزارة الثقافة التونسية.
ولعل اللافت في هذه الاحتفالية هو العرض ما قبل الأول لمسرحية «كابوس اينشتاين» لأنور الشعافي، وكتب نصها كمال العيادي وهي مسرحية كانت مبرمجة للعرض في مهرجان قرطاج الدولي لصائفة سنة 2021 إلا أنّ الوضع الصحي يومها فرض تأجيل المهرجان. ولم يكتب لهذه المسرحية، التي توقع لها الكثير من العارفين بالشأن المسرحي أن تصنع الحدث، أن تعرض إلا في احتفالية اليوم العالمي للمسرح فكانت مناسبة للاطلاع عن كثب عن عمل وصف بالجدية ووصف مخرجه بأنه مجدد في الفن الرابع ولا يتقيد بالقوالب والأنماط التقليدية.
وتنطلق مسرحية «كابوس اينشتاين» من فكرة خيالية طريفة مفادها أن العالم الشهير ألبرت اينشتاين صاحب نظرية النسبية قد اخترع آلة للسفر عبر الزمن، ويقوم برحلة طريفة تلتقي فيها المتضادات في خيال كاتب السيناريو وأيضا على ركح أوبرا مدينة الثقافة في تونس. فمثلا حصل لقاء بين اينشتاين ومارلين مونرو التي بقيت طيلة المسرحية همزة وصله مع العالم الحديث بكل إغراءاته، وعاد صاحب آلة الزمن إلى عصر الجاهلية حيث كل شيء مختلف عن العصر الذي عاش فيه هذا العالم الذي خرج بعلمه عن السائد والمألوف وقدم نظريات أدهشت البشرية.

قدرات إبداعية

ويبدو أن هذا المزج بين المتناقضات التي لا يمكن أن تجتمع بأي حال من الأحوال لم ينتج عنه نشاز، برأي الصحافية التونسية المختصة في الشأن الثقافي ليلى بورقعة في حديثها لـ «القدس العربي» بل أثمر برأيها إيقاعا محدثا وعزفا رائقا على قيثارة التجديد. وتعتبر محدثتنا أنه كان من الصعب الجمع بين فترة الجاهلية وخيامها وعصر الحداثة وعلومها لولا عبقرية المخرج أنور الشعافي الذي استطاع جمع القطع المتناثرة هنا وهناك في الأزمان المتباعدة وأعاد تشكيل علاقات جديدة فيما بينها من خلال قدراته الإبداعية.
وتؤكد الناقدة والباحثة التونسية على أن هذه المسرحية هي خروج جديد لصاحبها عن القواعد التقليدية للفن الرابع قطع من خلالها مرة أخرى مع أبجديات المسرح الأرسطي وتمرد عليه. وقد امتلك مخرج «كابوس اينشتاين» حسب محدثتنا الجرأة لاعتماد أساليب في الإخراج المسرحي غير مألوفة قد لا يتقبلها المتلقي في البداية لكن جانب الطرافة والاختلاف فيها يجعله يقبل عليها خاصة عندما يكتشف في النهاية أن الأمر هو كابوس رآه أينشتاين في منامه وأن المسرحية في النهاية تصبح أقرب إلى الواقع منها إلى الخيال. واللافت في المسرحية أنها ناطقة بالفصحى باعتبارها مقتبسة من الأدب التونسي وهو ما اعتبرته محدثتنا «استرجاعا لأناقة لغة الضاد ورشاقتها» كما اعتبرت أن النص الفصيح كان «لطيفا وظريفا» وكانت لديه القدرة على استيعاب كل الأزمنة والحضارات. فاللغة العربية برأيها هي لغة المجازات والاستعارات وهو ما منح هذا النص المسرحي هامشا واسعا من الخيال وجعله مفتوحا على قراءات وتأويلات متعددة وأبعد ما يكون عن التكلس والجمود الذي يميز نصوصا مسرحية أخرى.
وتضيف بورقعة قائلة: «لقد كان نجاح العمل ثمرة جهود الجميع من المخرج أنور الشعافي إلى الممثلين وهم بشير الغرياني وعلي بن سعيد وياسين الفطناسي والمنصف العجنقي ولطفي الناجح وآمال لعويني وكمال زهيو وآدم الجبالي وأسامة الشيخاوي، ودون نسيان الكاتب ومصممي الكوريغرافيا ومصممي الملابس والمسؤولين عن الإضاءة وغيرهم. لقد قدموا جميعهم عرضا مسرحيا رائعا يليق بمسرح أوبرا مدينة الثقافة تم فيه توظيف مهارات صوتية وبصرية فيها الكثير من تقنيات السينما والرقص والألعاب الرياضية».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية