سيطرة بغداد على صادرات نفط الإقليم بقرارات قضائية ستترك آثارا على جماعات ورؤى في محافظات ومناطق عراقية أخرى تسعى للاستقلال الذاتي من المركز، في مقدمتها البصرة وثم الأنبار ونينوى.
بغداد ـ «القدس العربي»: رحبت وزارة الخارجية الأمريكية بالاتفاق الذي توصلت إليه الحكومة الاتحادية مع حكومة إقليم كردستان بشأن تصدير النفط «مؤقتاً» وفيما تنتظر أنقرة الضوء الأخضر من بغداد لاستئناف عمليات تصدير النفط الكردي عبر ميناء جيهان، تحدثت تقارير عن إمكانية «الاتفاق» فتح شهية ثلاث محافظات لإعلان «الإقليم».
وقال نائب المتحدّث باسم وزارة الخارجية الأمريكية فيدانت باتيل، في مؤتمر صحافي نهاية الأسبوع الماضي: «نرحب بالاتفاق بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان بشأن تصدير النفط عن طريق أنبوب العراق- تركيا».
وأضاف أن «هذا نتيجة العمل الجدّي لقادة العراق الذين وضعوا مصلحة المواطنين العراقيين بمقدمة كل شيء».
ويشير عضو لجنة النفط والغاز والثروات الطبيعية النيابية، علي شداد، ان الاتفاق المبرم بين بغداد وأربيل هو اتفاق (مؤقت) لسد العجز الحاصل في قانون الموازنة، إضافة إلى تلافي الإرباك الذي قد يحصل بحصة العراق التصديرية المتفق عليها مع اوبك.
النائب في البرلمان العراقي أضاف في بيان صحافي، أن «القرارات الدولية والقضائية الأخيرة أجبرت سلطات الإقليم على التفاوض مع بغداد» لافتا إلى أن «هذه الاشكاليات ستنتهي تماما بعد إقرار قانون النفط والغاز».
وطبقاً للنائب شداد فإن «القانون المزمع إقراره خلال الفترات المقبلة تناول بشكل أساسي موضوع الثروة النفطية وحدد الملامح الأساسية لإدارتها» موضحاً أن «النفط العراقي الذي سيتم استئناف تصديره من كردستان سيخضع لإشراف الحكومة المركزية ولا تمتلك سلطات الإقليم صلاحية التحكم بوارداته المالية لوحدها».
يحدث ذلك في وقتٍ ترفض تركيا- حتى وقت إعداد التقرير- منح ضوء أخضر لاستئناف صادرات النفط من شمال العراق، قبل التوصل إلى اتفاق مع العراق على تسوية من المفترض أن تدفعها.
وأوقفت أنقرة تدفق نحو 450 ألف برميل يوميا تمثل 0.5 في المئة من إمدادات النفط العالمية عبر خط أنابيب من حقول كركوك بالعراق إلى ميناء جيهان التركي، في الخامس والعشرين من آذار/مارس الماضي، بعد صدور حكم لصالح العراق في قضية تحكيم.
واتهم العراق في القضية تركيا بانتهاك اتفاق يخص خط الأنابيب ويعود لعام 1973 بسماحها لحكومة إقليم كردستان بتصدير النفط من دون موافقة بغداد خلال الفترة من 2014 إلى 2018.
ووقعت الحكومة العراقية الاتحادية وحكومة إقليم كردستان اتفاقا مؤقتاً، الثلاثاء الماضي، لاستئناف صادرات النفط من الشمال عبر تركيا، وهو ما جعل العديد من المسؤولين يأملون في استئناف الصادرات في اليوم نفسه.
وقال مصدر مطلع على الصادرات لـ«رويترز» شريطة عدم نشر اسمه، إن «مشغلي خط الأنابيب لم يتلقوا أي تعليمات حتى الآن بشأن استئناف الضخ». فيما ذكر مصدر منفصل أن «العراق ينتظر ردا من تركيا».
ولا تزال قضية تحكيم ثانية ترتبط أيضا باتفاقية 1973 لخط الأنابيب وتتعلق بصادرات سنة 2018 فما بعدها مفتوحة. وسبق أن أوضحت مصادر لـ«رويترز» أن تركيا تريد «حل هذه القضية قبل إعادة الضخ عبر خط الأنابيب».
وأجبر استمرار التوقف شركات النفط في الإقليم على وقف الإنتاج في عدة حقول أو خفضه بعد امتلاء مستودعات التخزين.
وقال متحدث باسم شركة «جينيل إنرجي» المشغلة لحقل «سارتا» النفطي إن «الحقل متوقف. وكان الحقل ينتج 4170 برميلا في اليوم في المتوسط العام الماضي.
وسبق أن قالت الشركة في التاسع والعشرين من أذار/مارس الماضي، إن إنتاج الحقل يمكن أن يستمر حتى نهاية الأسبوع، فيما يمكن أن تواصل المستودعات استقبال الإنتاج من حقل «طق طق» الذي كان ينتج 4490 برميلا يوميا العام الماضي، حتى الحادي والعشرين من نيسان/أبريل.
وقال مسرور بارزاني رئيس حكومة الإقليم في بيان عقب توقيع الاتفاق المؤقت: «إعاقة صادرات النفط من إقليم كردستان مؤخرا أضرت بالبلاد ككل. وهذا الاتفاق سيجلب إيرادات هناك حاجة ماسة إليها».
وفي الأثناء، تحدث تحليل كردي بأن القوى الشيعية تراقب حاليًا بحذر نتائج قرار هيئة التحكيم الدولية بشأن ضرورة استعادة تصدير نفط الإقليم من قبل السطات الاتحادية، وحالت عدة أسباب دون احتفال تلك القوى بالقرار وتصعيد الموقف مع الإقليم، رغم أن القرار كان لصالح الحكومة الاتحادية.
وحسب التحليل الذي نشره مركز دراسات «روداو RRC» أنه «في ظل أزمة الدولار، وضعف القوى الشيعية في علاقاتها الخارجية الغربية على وجه الخصوص، يتجنب شيعة الحكم الحالي مواجهة مصالح الولايات المتحدة والدول الأوروبية، بما في ذلك شركاتهم النفطية في إقليم كردستان. كما لا تريد الحكومة العراقية الحالية (للإطار التنسيقي الشيعي) أن تظهر كمعرقل لتصدير نصف مليون برميل من النفط يوميا خلال الحرب الأوكرانية التي أرهقت خزائن الدول الغربية».
ولفت التحليل إلى أنه «فيما يتعلق بالصعيد الداخلي، يتطلب الشيعة مواجهة تحدٍ كبير بما يخص انتخابات مجالس المحافظات في نهاية عام 2023 ومراقبة خطط وأنشطة مقتدى الصدر (زعيم التيار الصدري) المثيرة للقلق. إذ تتطلب مواجهة هذه الملفات دعمًا من حكومة إقليم كردستان وأربيل، على الأقل لملء الفراغ الذي تركه الصدر. ومن الناحية الأخرى، إذا ظهر الصدر مرة أخرى على الساحة السياسية، فلن تكون القوى الشيعية وحيدة في مواجهته في ظل وجود دعم كردي لسلطات بغداد».
وبين التحليل أن «القوى الشيعية تسعى خلال الدورة الخامسة إيجاد حل جذري لقضايا النفط والميزانية، وتقوية العلاقات مع حكومة إقليم كردستان، لكن بما أن قضية النفط تتطلب إجماعاً شيعياً فهم يترددون في المخاطرة في اتخاذ قرار حاسم بشأنها في غياب الصدر وترك الفرصة إلى اتهامهم بتزويد إقليم كردستان بفرص تضعف أسس الدولة العراقية».
وأعطى حكم المحكمة الاتحادية العراقية العام الماضي «سبباً قوياً لبغداد وسلطات الحكم الحالية، وشكل هذا القرار أساسا لقرار هيئة التحكيم الدولية في باريس حسب بعض المعلومات، ما يُغني القوى الشيعية من خوض غمار حرب سياسية وإعلامية مع سلطات كردستان مثلما كان الحال عندما كان حسين الشهرستاني مسؤولاً من 2006 إلى 2010» حسب تحليل المركز الكردي.
ويرى أن «سيطرة بغداد على صادرات نفط الإقليم بقرارات قضائية ستترك آثارا على جماعات ورؤى في محافظات ومناطق عراقية أخرى تسعى للاستقلال الذاتي من المركز، في مقدمتها البصرة وثم الأنبار ونينوى».