في كتابها الذي صدر بالانكليزية في أواخر العام الماضي بعنوان: «تلك حياة العرب» «This Arab Life» تستعرض الكاتبة أمل علي غندور من خلال مذكراتها الأحداث التي شهدها العالم العربي منذ ستينيات القرن الماضي مرفقة بتفسير وفهم هذه الأحداث.
رواية غندور المتخصصة في العلوم السياسية في جامعة ستانفورد الأمريكية والتي عاشت في لبنان والأردن والولايات المتحدة في فترات مختلفة من الكتب البارزة التي صدرت مؤخرا (أواخر 2022) عن الشرق الأوسط نظراً للأفكار والمشاعر الصادقة التي وردت فيه والطروحات المبتكرة والمعمقة بالنسبة للوضع اللبناني برغم أن صفحاته لم تتجاوز المئة والخمسين. وقد يصح القول عن هذا الكتاب بأنه يجسد المثل العربي القائل «خير الكلام ما قل ودل» وفضلاً عن المعلومات الواردة فيه، فقد كُتب بأسلوب أدبي رفيع المستوى.
تستهل الكاتبة مذكراتها بفصل عن جذورها العائلية وهويتها الحضارية وتفضل أن يشار إليها بأنها «كاتبة عربية» رغم أن متفرعات عائلتها وجذورها تمتد في أكثر من بلد عربي وفي طليعتها لبنان والأردن. وتقول إن أحد دوافع خيارها كتابة مذكراتها كان تحديد هويتها كإنسانة وكأنها شاءت الغوص في اكتشاف تلك الهوية وطرح الأسئلة حولها وحول الجيل الذي تنتمي إليه والذي بزغ فجر إدراكه لخلفيات الواقع السياسي العربي في ثمانينيات القرن الماضي.
ومن خصوصيات الواقع العائلي والاجتماعي للمؤلفة أن والدها رجل الأعمال ومهندس الطيران علي غندور، الذي رحل منذ ثلاثة أعوام، اضطر إلى مغادرة لبنان هو وزوجته وأولاده في عام 1962 بسبب حكم صدَر باعتقاله لاتهامه بالتواطؤ في انقلاب خطط له الحزب السوري القومي الاجتماعي في لبنان مطلع عام 1961 وبالتالي انتقلت مع عائلتها إلى الأردن وهي لم تتجاوز الخمسة أشهر من عمرها وعاشت هناك إلى ان بلغت سناً أتاح لها السفر إلى أمريكا ومتابعة دراساتها وتخصصها الثانوي والجامعي في أبرز معاهد أمريكا. إلا انها تؤكد بان موقع إدراكها للشؤون السياسية المحلية والعالمية كان في الواقع منزلها، واستاذها الأساسي كان والدها رغم أنها درست مع كبار أساتذة أمريكا والعالم.
تنتقد غندور إمكان تحقيق التقدم والتطور السياسي والاجتماعي في العالم العربي عبر الانقلابات العسكرية، أكان ذلك في سوريا أو في مصر أو في العراق أو في دول عربية أخرى. كما انها تتحفظ على نظريات الإسلام السياسي ذات التوجه القائل بان الإسلام وحده والتمسك «الدوغماتي» بتعاليمه فقط هو الذي سيحقق الأمل السياسي المنشود وهذا برغم انها تنتمي إلى عائلة مسلمة تفضل عدم التفرقة بين الأديان والطوائف في مجال الالتزام القومي والعروبي.
وتعرضت أمل غندور لخيارات صعبة بالنسبة لمواقفها السياسية وخصوصاً في عامي 1970 و1971 عندما حدثت مواجهات «أيلول الأسود» بين الجيش الأردني والمقاومة الفلسطينية على الأراضي الأردنية. فوالدها نجا من الإعدام بفضل اللجوء السياسي الذي وفره له الملك الأردني الراحل الحسين بن عبد الله ونجح في أعماله نجاحاً كبيراً لدى وصوله إلى انشاء وقيادة مجموعة الطيران الوطني الأردني «عالية» ولكن الوالد كان أيضاً مقاوماً وطنياً يرفض الخضوع لمشيئة إسرائيل وعرّابتها الأساسية أمريكا ولمشاريعهما المناهضة للقضية الفلسطينية والعروبة، وكان مستعداً لمواجهة الإعدام في سبيل مبادئه ومعتقداته المتجذرة في شخصيته وقيمه الأخلاقية.
وتلوم أمل غندور والدها لأنه لم يحثها على القراءة والغوص في البحث في أفكار زعيم الحزب السوري القومي أنطون سعادة ولكنها لعلها تدرك بانه لم يفعل ذلك خشية أن تتجه نحو المواجهات والمغامرات السياسية والتي كانت ربما قد تعرض حياتها للخطر الشديد في مجتمع عربي يرفض تحمل وجهات النظر والمواقف المعارضة وقد يتعامل معها بالقتل والإعدام، فالمواقف السياسية بالنسبة للإنسان العربي ليست منفصلة عن المواقف الشخصية والأخلاقية.
ففي بعض المجتمعات يتحمل القادة وأتباعهم الاختلاف في مواقف خصومهم ويجادلونهم فيها، أما في مجتمعاتنا (حسب قول المؤلفة) فإنهم يعتبرون ذلك إهانة شخصية لهم ولأفكارهم، وبالتالي يمارسون في كثير من الأحيان القمع الوحشي ضد الخصوم كما حدث في أكثر من مناسبة في عدد من الدول العربية.
في الصفحة (21) تنوه الكاتبة بالدور الذي لعبه الملك حسين بن عبدالله برغم بعض الأخطاء التي ارتكبها، في المحافظة على دور ونفوذ المملكة الأردنية الهاشمية وتجنب خوض المملكة الصراعات الطائفية برغم صغر حجمها وعدم امتلاكها للخيرات والموارد الطبيعية الغاز والبترول التي تمتلكها الدول العربية والخليجية الأخرى.
وتتساءل ما هما الاثم والذنب اللذان ارتكبهما الشعب العربي ليحظى بمأساة تلو الأخرى في الفترة الأخيرة: من حرب الأيام الستة (1967) إلى التدخل الخارجي لارجاح كفة إسرائيل في حرب (1973) إلى تأجيج الفتنة في الحرب الأهلية اللبنانية (1975 إلى 1990) إلى الغزو الإسرائيلي للبنان في عامي (1978) ثم (1982) وحصار بيروت ثم الحرب العراقية ـ الإيرانية (1980 ـ 1988) وإسقاط أنظمة تعاملت مع الغرب إيجابياً واغتيال قادة عرب كانوا على علاقة وثيقة مع الغرب، وطبعاً في قمة كل ذلك الغزو الأمريكي ـ البريطاني للعراق في عام 2003 (ص 27).
وفي كل الصفحات التي تتحدث فيها عن أزمات العالم العربي والشرق الأوسط تشير إلى أن النساء كنّ في أكثر من مناسبة الضحية لمجتمع ذكوري يزيد في معاناتهن واذلالهن.
وتتناول غندور قضية الحجاب والنقاب والتحجب الذي قد يفرضه الأهل على بناتهن مؤكدة أنها هي وأخواتها لم يتحجبن، ولكنهن تعلمن ألا يفرضن خياراتهن على المسلمات اللواتي يخترن التحجب بقرار منهن وليس من غيرهن.
وتتحدث عن رسالة تركها والدها علي لابنه فادي في 9 حزيران (يونيو) 1967 بعد هزيمة العرب في حرب 1967 يؤكد فيها أن منزل هذه العائلة لم يعتد الخضوع للهزيمة بل سيظل يؤمن بان الحياة وقفة صمود وان من الضروري استخدام الحكمة في مواجهة أي هزيمة، وان السعادة في مجتمع متخاذل لا تعني شيئاً و«انك ستبقى مسؤولاً عن تعزيز أوضاع شعبك». علماً ان فادي كان في الثامنة من عمره عندما وجّه والده إليه تلك الرسالة التي اكتشفتها ابنته راغدة لاحقاً وبعد وفاة والدها.
خلال دراستها في أمريكا ارتبطت الكاتبة أكثر فأكثر بالقضية الفلسطينية وبمواقف قادتها في الجامعات الأمريكية كادوارد سعيد وبالمعارضين المواجهين لعنصرية إسرائيل بين الجامعيين العرب واليهود كنعوم تشومسكي، والفرد ليانيثال، ومارتن بوبر وهانا اريندت وغيرهم. وتقول: «أدركنا خلال دراستنا في أمريكا أن إسرائيل بالنسبة إلى الإدارات الأمريكية كانت أشبه ببقرة مقدسة، وان داعميها كانوا متمسكين بموقفهم بنفس نسبة تمسك خصومها. كما أدركنا بان مواجهات وخلافات الأحزاب العربية المناهضة لإسرائيل المتكررة والمستمرة شكلت عنصر أفادة لإسرائيل وليس للقضية الفلسطينية» (ص 50).
وأشارت إلى انها عملت كصحافية لمدة عام مع صحيفة «جيروساليم ستار» في عام 1983 ما ساهم في توسيع خبرتها حول المنطقة.
ونددت غندور بشدة بالغزو الأمريكي للعراق في عام 2003 غير المستند إلى الأدلة الدامغة بامتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل والذي أدى إلى مقتل مئات الآلاف وتهجير الملايين (ص 55).
وأكدت أن هذه الحروب غير المبررة والسياسات غير المحقة ساهمت في نشر التطرف الديني في المنطقة على حساب التوجه العلماني والتنمية الفعلية اقتصادياً وسياسياً.
وسخرت من سياسات صندوق النقد الدولي في بلدان العالم عموماً ومن سياسات تكثيف أعداد المنظمات المدنية غير الحكومية التي تقوم القلة القليلة منها بأعمال تفيد الدول التي تنتشر فيها بينما تستنفد في الوقت عينه المبالغ الضخمة من المساعدات الدولية لها التي يتم هدر معظمها.
وتؤكد في الصفحة (60) انه بعد نشاط دام أكثر من أربعين عاماً لهذه المنظمات غير الحكومية التي تدّعي العمل الإنساني لم تتحقق نتائج فعالة وملموسة نتيجة لخدماتها، وما زالت المؤسسات التعليمية في وضعها المزري في كثير من دول العالم الثالث والعالم العربي وما زال المهاجرون مهمشين في البلدان التي هاجروا إليها وغير قادرين على العودة إلى بلدانهم، كما ما زالوا يفتقدون إلى الخدمات الصحية الضرورية، والطبقات الفقيرة والمتوسطة بينهم بقيت على حالها فيما استفاد فقط الموظفون في مثل هذه المؤسسات وداعموهم في الخارج (ص 60).
كما دعت غندور إلى البراغماتية في علاقة المنظمات الفلسطينية مع بعضها وإلى عدم تفاقم الخلافات فيما بينها التي تصب في النهاية في مصلحة إسرائيل.
وبالتالي كانت مذكراتها متميزة في نقدها البنّاء والصادق لتحقيق وتطوير التقدم والمقاومة القومية الفعالة في العالم العربي، كما علمها والدها!
Amal Ghandour: «This Arab Life»
Bold Story Press, Washington 2022
157 Pages.