نتعامل بالتعود مع بعض المصطلحات التي تفرض تصوراتها الخاصة حتى نصبح مع الوقت مجبولين على تفسير كل ما يحيط بنا وفقا لمنطقها ذاك. لكن لو حاولنا أن نبحث ستنكشف شروحات وتفاسير أخرى غير التي اعتدنا على فهمها من زاوية التعود، وفي الغالب نكتشف أمورا بخلاف ما اعتقدنا أنه صحيح. وهكذا فهم لا تتيحه الكتب ذات المواضيع المكررة والأفكار المستهلكة، بل نعثر عليه في الكتب التي تأتي بموضوع أصيل يحمل طروحات معاصرة، تتماشى وعصرنا هذا، لكنها لا تنطلق منه، بل من الماضي لتقدم قراءة تمسك بالماضي من زاوية الحاضر وتقرأ الحاضر من زاوية الماضي. فحين نقرأ عن جحا وميكي ماوس، عن أبي حنيفة وأرسين لوبين، عن ابن آوى وحْدِيْدَان الحرامي، عن «سكابان» والصعلوك، نتساءل ما الذي جمع هؤلاء ضمن كتاب «في البدء كانت الحيلة»؟
تقول الكاتبة المغربية نعيمة بنعبد العالي في مؤلفها: «الحيلة طريقة أخرى لقراءة الواقع، وتأويله، طريقة أخرى لتقديمه يعني نقله وبلبلته.»
إذن الحيلة هي الطريقة الأكثر حيلة لفهم الواقع، ولا يمكن للواقع بأي حال من الأحوال أن يبوح بأسراره دفعة واحدة ما لم توجد الحيلة. إنها كذلك الرابط الذي يجمع بين الآداب العربية والعالمية، الحديثة والقديمة، الخيط الرفيع الذي يمزج الحقيقة بالخيال حين يختلطان ببعض على سبيل الأدب.
ترى بنعبد العالي أن «الأدب لا يفترض واقعاً طبيعياً عادياً بعيداً كل البعد عن الخيال، ثم يأتي الخيال ليغيره وينسج حوله الحكايات. فالخوارق تدخل في نطاق اللعبة الأدبية كما تدخل في الحياة اليومية بفضل اللغة. لغة تتداخل حقيقتها مع مستحيلها، وتتعايش بها المتناقضات. «
وهكذا فإن الحيلة أكثر الطرق مقدرة على مجاراة العادي من حياتنا دون مخاتلة الواقع بواقع لا يمت له بصلة، فالحيلة «ليست نظرة متشائمة فقدت ثقتها في الإنسانية، ولكنها نظرة خالية من الأوهام»، كما عبرت عنها المؤلفة، وتطرقت إلى الفرق بين العجائبي الذي يقتات على الخيال والحيلة التي تنطلق من الحياة الواقعية.
وبهذا تؤكد أن الحيلة بخلاف الخديعة التي تتكرر على مسامعنا دائماً، ونراها في بعض مشاهدنا اليومية، لتصبح في الغالب من الثوابت التي تؤسس للطبيعة البشرية بما تحمله من خير وشر. لكن الحيلة كما وصفتها تتجاوز ذلك، لأننا سنقرأها في المؤلفات الأدبية ولا نحتكر نظرتنا لها في تصرفات بعينها، بل في ما يمكن أن يحرك الذهن و ينشط ملكة التفكير ويدعو بطريقة ما للتساؤل. لذا: «تخضع للتأليف والتنميق اللغوي؛ وتدخل في خزانة الذاكرة الشعبية ونجدها بين طيات الكتب»، على حد تعبيرها.
تصمد دائما الكتب التي تسرد سيرة الحيلة حين تكون ذكاء من نوع خاص، ذكاء يحمل من الدهاء والطرفة ما يجعله قيد القراءة على الدوام، فهكذا نوع من المؤلفات يقاوم التحولات التي تطرأ على الزمن. ذلك أن أفكارها لا تربط نفسها بوقت محدد بقدر ما تربط نفسها بالحيلة كوسيلة لفهم البشر في كل زمان ومكان، ككتب الهمذاني والجاحظ وابن الجوزي والحريري، وعن هذا النوع من الكتب ترى بنعبد العالي أنها: «تتحدى الزمن لكونها لا تسقط في تجويفات التهذيب. يكمن الافتتان بها في جمال خبثها وعبثية هزلها. كيد أبطالها ومكرهم هو الذي يضفي عليها جماليتها.»
ولاشك أن اللغة تلعب دورا كبيرا في ممارسة الدهاء على سبيل الحيلة، فلولا دهاء اللغة ما وجدت الحيلة، فحين يود المحتال أن يقنع غيره بأمر ما، فإن العامل الأساسي الذي يستخدمه للإقناع هو اللغة دون استخدام العنف، «فالحيلة لا تعترف بالعنف»، بل بعبقرية اللغة. لذا: «تلعب اللغة في النكتة وفي الحيلة دوراً مهماً يظهر جلياً مثلاً في المقامات»، كما تصفها المؤلفة.
«إن تُوسِّع دائرة الحيلة وتُضيِّقها يؤدي إلى تغيير تعاملك مع الكون. عالم مليء بالتحايل هو عالم خال من الإيمان بالأساطير والشعوذة» من وجهة نظرها. إذن الحيلة بتعبيرها هي: «انحراف عن الطريق»، والخدعة هي»إخفاء الواقع».
الكتابة كما أراها مقايضة للواقع بالخيال، فلا هي واقع صرف ولا هي خيال بحت. لذا لا يمكن أن نخضعها لميزان الواقع، ولا لميزان الخيال، للكتابة الجيدة ميزانها الخاص الذي لا يستقيم إلاّ بهما معا.
وقد تحدثت بنعبد العالي بشيء من الدقة عن تلك المناورة التي تحدث بين الواقع والخيال في غرفة الكتابة، إذ تقول: «وقد يكون هذا هو معنى الكتابة، أن تجعل الحواجز فضفاضة بين الواقع والخيال بين الأسطورة والتاريخ بين الدال والمدلول». وهي بهذا تؤكد على أن للأدب «خيالاً يعكس خياله، وقد يدور حول نفسه ويخترع حقیقته كما يخترع خياله، ويصبح العجيب هو ذلك الممكن المستحيل، قريب من اليد، ولكن يتعذر إمساكه، الداني البعيد، فخ العقل ولعبة المعقول.
وعن قصة هاروت وماروت التي سردها القزويني تطرقت المؤلفة إلى فكرة مهمة جدا، وفي رأيي الخاص عميقة إلى أبعد حد، فهي ترى أن الكاتب لم يشأ قتلهما وإنما أراد أن يؤكد وجودهما، إذ تقول إن «الحقيقة لا تكمن في وجودهما الفعلي بل في الاعتقاد بهذا الوجود. فالحقيقة خيالية، لهذا فهو يبحث عنها في الأوهام ويجدها هناك». وهكذا تَذكر وتذكِّر بما قاله ابن خُرْدَاذَبِه في «المسالك والممالك»، أن «البعد العقلاني لهذا التحقيق ينطلق من بداية الإيمان بالأشياء الخارقة للعادة.»
الأدب العربي شأنه شأن الآداب العالمية لا يأتي باليقين، لكنه في الوقت ذاته يبتكر يقينه الخاص، الذي لا يمكن الإفلات منه أو المسك به، فهو بتعبير الكاتبة «دونكيخوتي يُبدع واقعه ويحول حقيقته». أما الراوي أو القاص من وجهة نظرها فهو «ذلك الشخص الذي يستعمل طلاسم اللغة، ليقلب العالم على عقبيه ويمسح الواقع.
وعن دور الحيلة والنادرة أدبيا تقول: «إذا كانت النوادر تحكى عن المغفلين والمخدوعين، فالمغفل الأول هو القارئ، لأنه لا يدري دائماً أين تنتهي به الرحلة، وهو دائماً في ترقب»، ثم تؤكد على أن «النادرة الناجحة هي التي تسافر به بعيداً، لكي يجد نفسه في مكانه بعد أن رجع من ضحكته، والدرس هو: كيف لا تأخذ الحياة بجدية متطرفة.»
في البدء كانت الحيلة بمثابة العلاقة بين المحتال والشيطان وما يجمع بينهما من مكر ودهاء، فكلاهما بتعبيرها يميل إلى «النزعة اللاأخلاقية وانعدام الضمير». أما الداهية كما وصفته فهو ذلك «الشخص الذي يعرف كيف يُبهرك بحقيقة واهية.»
برأيي أن الذي يتفنن في الحيلة بشقها السلبي والإيجابي كالذي يمارس السحر، فالحيلة «هي الوجه الآخر للسحر، تستعمل في الحكايات كبديل للأدوات العجيبة. كثير من الحكايات تعوّض العنصر السحري بالحيلة، ويطلب من البطل أن يجد حلاً، ويخرج من ورطة باستعمال ذكائه»، كما جاء في الكتاب.
وتطرقت نعيمة بنعبد العالي إلى دور الحيلة أو قيمة الحيلة التي لا تلعب على العاطفة حين يتخذها نوع معين من البشر وسيلة للتكسب، ومثالها عن ذلك الشحاذين، بل هي أرفع شأنا من أن توضع في خانة الشكوى والإشفاق، كما أنها تسمو على النبرات الخطابية التي تقتل الروح الساخرة التي تتميز بها. وفي المقابل تعمل على إخفاء جانبها الغامض أو لربما ذلك الجانب هو ما يجعلها مميزة، إنها ببساطة تقوم على التفكيك، فلا نعرف لها في القصة نهاية. إذن «التفكيك يكمن في فن الكتابة»، بتعبير بنعبد العالي، كما أنها تعتبر الشك «كانطلاقة لتثبيت الخيال والدخول في تفاصيله».
وكإجابة عن التساؤل الذي طرحته في بداية المقال عن العلاقة التي تجمع بين مجموعة شخصيات يأتي على ذكرها الكتاب، فلابد أولاً من الإشارة مرة أخرى إلى أن هذا المنجز هو من الكتب الأصيلة فكرة وطرحا، لأنه يقدم مادة تقوم أولاً وأخيرا على جهد الكاتبة في تبيان العلاقة التي تجمع هؤلاء والحديث عن الحيلة التي «تأخذ كرمز للحياة وكطريقة عيش، وتتلوّن وتتقمص في شخصيات متعددة دون أن تبلى أو تضمحل ميزاتها».
لا يمكن الإلمام بكل الأفكار التي طرحها الكتاب خاصة فيما يتعلق بالحيلة التي بدأت في الحكايات الشعبية حتى استقام عودها لتنتقل بعد ذلك إلى المؤلفات وصارت تقرأ قراءة إيجابية بل أصبحت ذكاء كما وصفت الكاتبة على لسان ابن الجوزي.
وفي الأخير، الحيلة ليست وليدة ظرف معين وحالة بذاتها وإنما «متجذرة في أعماق البشرية، في أساطيرها الأولى، لكي يصبح الإنسان إنساناً، أي متحضراً، ويخرج من الحيوانية والوحشية يجب أن تكون هناك حيلة أصلية».
كما أنها «منبع الثقافة، وهكذا تعود بنا الحيلة إلى أعماق الدهر» حسب نعيمة بنعبد العالي، لذا من المهم القول إنه في البدء كانت الحيلة.
نعيمة بنعبد العالي: «في البدء كانت الحيلة «
منشورات المتوسط، ميلانو 2023
135 صفحة.