عندما يفكر عاشق كرة القدم بأنجح وأعظم مدربي كرة القدم، مباشرة يتبادر الى الذهن عدد الألقاب التي أحرزها كل مدرب، بل ينصب التركيز على عدد ألألقاب التي أحرزها في مسابقة دوري أبطال اوروبا، رغم أن هذه ليست سوى نصف الحقيقة.
طبعا سيتم ذكر مدربين أحرزوا لقب دوري الأبطال أكثر من مرة على غرار الايطالي كارلو أنشيلوتي الذي يطمح الى احراز هذا اللقب للمرة الخامسة وهو على رأس ريال مدريد، مثلما يتم ذكر مدرب مانشستر يونايتد السابق السير أليكس فيرغسون أو الايطالي جيوفاني تراباتوني الذي كان أول مدرب يحرز خمسة ألقاب أوروبية مختلفة، والبعض قد يتذكر الايطالي أريغو ساكي صانع أمجاد ميلان في الثمانينات، والبرتغالي جوزيه مورينيو الذي نعت نفسه بـ«السبيشال وان»، لكن كل هؤلاء الذين حققوا انجازات مثيرة مع أنديتهم، كم منهم نعتبره مدرباً بمعنى الكلمة، أو «كوتش»، ترك بصمة هائلة على عالم كرة القدم؟ الجواب لن يكون أي منهم قريباً من الاسباني بيب غوارديولا مدرب مانشستر سيتي الحالي.
البعض ينتظر من غوارديولا تحقيق لقب جديد في دوري الابطال قبل نعته بـ«الناجح» او «الفلتة»، رغم انه أبرع مدرب في جيله يترك بصمة في العالم التكتيكي للعبة، أي انه رائد ومفكر ومبتكر بالمعني الكروي، وهؤلاء قلة في عالم اللعبة. وهؤلاء بالنسبة لي هم المدربون الحقيقيون، والبقية ربما مدراء وقياديون.
فمثلاً مدرب ارسنال السابق الفرنسي آرسين فينغر لم يفز بدوري الابطال، لكن ما فعله في عالم اللعبة كان هائلاً خصوصا في الكرة الانكليزية، حيث غير الثقافة السائدة بين اللاعبين في نهاية التسعينات، وأدخل أنظمة صحية وغذائية غيرت من مستوى اللاعبين، وأثرت على قدراتهم البدنية والذهنية بالايجاب، على غرار المدرب الأرجنتيني مارسيلو بييلسا الرائد في الحركة التغييرية في عالم اللعبة، ومنهم تعلم غوارديولا «هوس» تكتيك كرة القدم.
في ألمانيا اشتهر المدرب السابق لمانشستر يونايتد رالف رانغيك بفكره، بل الى اليوم يعتبر الاب الروحي للأسلوب الشهير بـ«الضغط العالي» او «غيغن بريسنغ»، ومنه أخذ الفكرة كل المدربين الألمان، وابرزهم مدرب ليفربول الحالي يورغن كلوب، ومدربا البايرن الحالي توماس توخيل، والسابق يوليان ناغلسمان، حتى مدرب منتخب المانشافت هانزي فليك، رغم أن رانغنيك لم يحرز ألقاباً كبيرة، لا أوروبية ولا محلية، لكنه مدرب «رائد ومبتكر»، أي أنه مدرب حقيقي ترك تأثيراً هائلاُ على اللعبة.
وعندما نفكر حقيقة بمدرب أحرز ألقابا كبرى في أكثر من دوري قوي، وايضا يعتبر مدرباً «مفكراً» و«مبتكراً»، فان غوارديولا يأتي على قمة هؤلاء، ولهذا يعتبر أفضل مدرب في عالم اللعبة. فحتى في صغره عندما رحل عن برشلونة قرر اللعب لفرق في عوالم مختلفة عن التي عرفها، فلعب للأهلي القطري، قبل ان ينهي مسيرته مع دورادو المكسيكي حيث تعرف عن قرب على أساليب مختلفة، فكانت له زيارات عدة الى بييلسا، حيث اشتهرت قصة جلوسهما لساعات طويلة حول مائدة الطعام، وهما يتناقشان في انواع الخطط الكروية المختلفة وكيفية تطبيقها، باستخدام ما ظهر امامهما من اطباق ومعالق وسكاكين وممالح، لتقريب الصورة وتوضيحها خلال النقاش، وحتى قبل تعيينه مدرباً لبرشلونة، كان يأخذ الوقت لزيارة لندن والنزول ضيفاً عن فينغر في نادي أرسنال، حيث يمضيان ساعات معا يشاهدان لقطات ومقاطع فيديو للعديد من الأفكار والخطط التكتيكية.
ولهذا عندما نرى غوارديولا يعطي تعليمات للاعبيه خلال سير المباراة، فان عقله لا يتوقف عن تطوير اللاعبين وأخذهم الى آفاق غير مسبوقة، ورغم ان هذا حلم كل لاعب، فان ليس كل لاعب يكون مرحباً به في عالم غوارديولا، فهو له نظرة خاصة لنوعية اللاعبين الذين يريدهم، فأول قرار أخذه عندما عين مدرباً لبرشلونة في 2007، كان التخلي عن ثلاثة أساطير، وهم رونالدينيو وايتو وديكو، لأنه أراد بناء فريق ضمن معايير انضباطية صارمة، لم يشعر ان هذا الثلاثي سيكون قادراً على الالتزام بها، فبنى الفريق حول الثلاثي ميسي وتشافي وأنييستا، وشاهد العالم حينها أروع خطة، والتي اشتهرت بـ«التيكي تاكا».
اليوم مع مانشستر سيتي، ومنذ استلم تدريب الفريق في 2016، ما زال يجري التغييرات التكتيكية المثيرة وغير المسبوقة، على غرار طريقة اللعب 3-2-4-1، بعدما ضحى بأدوار الأظهرة، فسمح لأبرعهم كانسيلو بالرحيل الى البايرن وأكثرهم خبرة ووكر بالجلوس احتياطيا، لانه يريد الظهير أن يقوم بدور لاعب الوسط المدافع. وهي خطة بدأ عدد من المدربين في تقليدها على غرار مدرب أرسنال ارتيتا، ويحاول كلوب تطبيقها في ليفربول بتعديل دور ألكسندر أرنولد.
رغم عبقرية غوارديولا، الا انه لطالما يعد عدو نفسه اللدود، عندما يفكر أكثر من اللازم، أو ما نسميه بالعامية «يتفلسف»، وهذه الفلسفة قادته في السنوات الماضية الى سقوط السيتي أمام فرق مغمورة في دوري الابطال، بسبب ادخاله تغييرا تكتيكيا مفاجئاً ارتد بالسلب عليه، لكن رغم هذا يبقى غوارديولا رائداَ ومفكراً ومبتكراً، وربما أعظم مدرب في كرة القدم.