القاهرة – «القدس العربي» : حل عيد العمال هذا العام في ظل أزمة اقتصادية طاحنة تشهدها مصر أدت إلى انهيار قيمة الجنيه أمام الدولار، وارتفاع نسبة التضخم إلى مستويات قياسية، وموجات متتالية من ارتفاع أسعار السلع الغذائية.
ويعد العمال الفئة الأكثر تضررا من الأزمة في ظل ضعف رواتبهم، والسياسات الاقتصادية التي تتبناها السلطة في مصر القائمة على بيع الشركات المملوكة للدولة لتوفير الدولار. ويؤكد العمال أن كافة الإجراءات التي تتخذها الحكومة لامتصاص آثار الأزمة الاقتصادية، تستهدف العاملين في القطاع الحكومي، ولا يستفيد منها العاملون في القطاع الخاص أو العمالة غير المنتظمة.
حالة الغضب التي تجتاح فئات العمال دفعت الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، إلى الحديث عنها خلال كلمته في الاحتفال في عيد العمال أمس الإثنين، مشيرا إلى أنه «دائما يتابع الرأي العام ومواقع التواصل الاجتماعي».
«الشعب متماسك»
وأضاف: «خلال الأحداث الأخيرة هناك حديث عن مخاوف في مصر تتعلق بالاقتصاد، ومهما كانت التحديات في مصر أو المنطقة أو العالم طالما ظل الشعب على قلب رجل واحد لن يستطيع أحد فعل شيء معنا، وفي كل تحد أو كل تطور تشعرون بالقلق، لكن لن تكون هناك مشكلة طالما ظل الشعب متماسكا».
وتناول في كلمته الإجراءات التي اتخذتها الدولة لدعم ورعاية العمال خلال الفترة الماضية، وتابع: «تم زيادة الحد الأدنى للأجور، وتعزيز برامج الحماية الاجتماعية، وتقديم الدعم اللازم للعمالة غير المنتظمة، ونعمل على دمج ذوي الاحتياجات الخاصة في سوق العمل، والتوسع في المشروعات القومية لتوفير فرص عمل لائقة، فضلا عن إعداد الاستراتيجية الوطنية للتشغيل».
وبرر الأزمة الاقتصادية التي تشهدها بلاده بالأزمات العالمية المتلاحقة التي شهدها العالم من جائحة كورونا، إلى الأزمة الروسية – الأوكرانية، قائلا: «هذه الأزمات أضافت المزيد من الصعوبات، التي يلاقيها العديد من دول العالم، خاصة الدول النامية، ومن بينها مصر».
10 قرارات
وأصدر السيسي 10 قرارات قال إنها تأتي في ضوء «اهتمامه الكبير» بالعمل وأحوال العمال، منها إنشاء صندوق إعانة الطوارئ، للعمالة غير المنتظمة، وتحويل مستحقات الحسابات الاجتماعية والصحية إليه بما يتيح استثمارها والإنفاق منها في حالات الطوارئ والأزمات.
الحزب الديمقراطي ينتقد تصفية وإغلاق الشركات وتشريد الموظفين
كما تضمنت القرارات البدء بتفعيل عمل الصندوق فور انتهاء الإجراءات القانونية، بصرف قيمة إعانة عاجلة للعمالة غير المنتظمة وغير المستفيدة من برامج الحماية الاجتماعيـة، قدرهـا ألف جنيه، وإصدار وثيقة جديدة من شهادة أمان، السابق إصدارها عام 2017 لتغطية التأمين على الحياة، وإصابات العمل للعمالة غير المنتظمة، والتأكيد على كافة منشآت القطاع الخاص، والقطاع العام وقطاع الأعمال العام، بالالتزام بالنسبة المقررة قانونا 5 %، لتشغيل الأشخاص ذوي الإعاقة واستمرار العمل على تنمية مهاراتهم، ودمجهم في سوق العمل.
كما وجه السيسي المجلس الأعلى للحوار الاجتماعي في مجال العمل، بدراسة مشروع قانون العمل المعروض على مجلس النواب، بحضور ممثلي العمال وممثلي أصحاب العمل، والتوافق على صيغته النهائية بما يضمن الحفاظ على حقوق العمال، وضمان بيئة عمل مواتية للاستثمار، وتعزيز الامتثال لمعايير العمل الدولية وضمان توافق التشريعات العمالية وطريقة تنفيذها، مع اتفاقيات العمل الدولية التي صدقت عليها مصر.
وأكد أنه وجّه الوزارات والجهات المعنية، لسرعة الانتهاء من الإجراءات الرامية للعمل على تحقيق المساواة بين الجنسين في مجال العمل.
الأزمة الاقتصادية
ويعتبر العمال المصريون أكثر الفئات المتضررة من الأزمة الاقتصادية التي تشهدها بلادهم، حسب دار الخدمات النقابية والعمالية (منظمة حقوقية مهتمة بشؤون العمال).
وقالت الدار في بيان إن «العمال، وذوي الدخول الثابتة والمنخفضة، يدفعون فاتورة الأزمات الاقتصادية الخانقة، حيث ارتفع معدل التضخم الأساسي في مصر ليصل إلى مستوى قياسي متجاوزاً الأربعين في المئة، وتضاعفت أسعار الغذاء والسلع الأساسية على نحو غير مسبوق على خلفية خفض قيمة العملة المحلية (الجنيه)، والنقص القائم في العملة الأجنبية، وتأثير نقص المواد الخام، والتأخيرات المستمرة في دخول الواردات إلى البلاد».
ورغم إصدار الحكومة حزمة من القرارات «في محاولة لامتصاص آثار الأزمة الاقتصادية تضمنت زيادة الحد الأدنى للأجور للعاملين في الإدارات والمؤسسات الحكومية وشركات قطاع الأعمال العام إلى 3500 جنيه، وتقديم موعد صرف زيادة المستحقات التأمينية (المعاشات) إلى إبريل/ نيسان الماضي بدلاً من يوليو/ تموز المقبل، وضخ المزيد من بعض الإعانات الإضافية من خلال برنامج تكافل وكرامة، إلا أن هذه الإجراءات المحدودة لم يكن لها أن تصمد أمام تضاعف أسعار السلع الأساسية الذي التهمها دون رحمة، بل أن الكثير من الأسر عانت مباشرةً من انخفاض واضح وكبير في مستوى معيشتها- على الأخص – وأنها لا تملك ترف اللجوء إلى بدائل أقل تكلفة».
وأوضحت أن «العاملين في القطاع الخاص لم يصبهم شيء من هذه الإجراءات رغم أنهم من ذوي الدخول الثابتة، بل أن الكثيرين منهم على العكس يعانون من التخفيض الفعلي لأجورهم أو عدم الحصول عليها أو على البعض منها في مواعيدها، حيث يتعلل أصحاب العمل بصعوبة استيراد مستلزمات الإنتاج، وركود بعض السلع والمنتجات».
الحوار الوطني
وفيما يبدأ الحوار الوطني غدا الأربعاء لم يزل «الصوت العمالي غائباً رغم الأهمية الشديدة لأن توضع القضايا والهموم العمالية على مائدة الحوار وأن تأخذ مكانها الذي تستحقه على أجندته»، حسب الدار.
وتابع البيان: «انطلاقاً من الحرص على تنظيم حوار وطني مثمر، والاهتمام بتفعيله وتطويره في هذه المرحلة الدقيقة التي تمر بها بلادنا، تطالب دار الخدمات النقابية والعمالية بأن يتسع هذا الحوار لكافة الأطراف السياسية والاجتماعية، وفضلاً عن الأحزاب والقوى السياسية بكافة تلاوينها، تتعين مشاركة النقابات العمالية والمهنية، ومنظمات المجتمع المدني، ومختلف أطياف الأطراف الاجتماعية.»
وأكد على «حق العمال المصريين في تكوين منظماتهم النقابية بحرية، وإزالة كافة القيود والمعوقات القانونية والإدارية التي تحول دون ممارسة هذا الحق كاملاً غير منقوص».
وشدد على ضرورة «تعديل قانون المنظمات النقابية العمالية رقم 213 لسنة 2017 لتنقيته من بعض النصوص المأخوذة عن القانون الملغى والتي تنتقص من الحريات النقابية». وأكد أيضاً على «المطالبة بامتناع السلطات والأجهزة الحكومية عن التدخل في الشأن النقابي».
ورفضت الدار «احتكار الاتحاد العام لنقابات عمال مصر شبه الحكومي والرسمي، تمثيل العمال بزعم أنه الأكبر، بينما يأتي تضخمه المزعوم من العضويات الإجبارية، وتدخل بعض الأجهزة الحكومية لحمايته، وإكراه المنظمات النقابية على الانضمام إليه».
كما طالبت «بتمثيل المنظمات النقابية الفاعلة والمستقلة عن هذا الاتحاد تمثيلاً عادلاً في جلسات الحوار الوطني، وتحديد الحد الأدنى للأجور سنوياً بموجب قانون ملزم لكافة الأطراف بتطبيقه، على أن يكون عادلاً كافياً للوفاء بمتطلبات المعيشة الأساسية ويتناسب مع زيادة أسعار السلع والخدمات الأساسية، ويعاد النظر فيه بما يتلاءم مع معدلات التضخم».
وطالبت كذلك بـ»قانون للعمل يكفل للعمال المصريين الأمان الوظيفي والأجر العادل الذي يكفي احتياجاتهم الأساسية، وحقهم في علاوة دورية سنوية لا تقل عن 7% من أجرهم التأميني، حيث نرفض الاستجابة لجنوح أصحاب العمل إلى استخدام العاملين بعقود مؤقتة دون قيد أو شرط، ونطالب بالنص على عدم جواز إبرام عقد العمل لمدة محددة إلا في حالة القيام بأعمال مؤقتة أو عرضية او موسمية، كما نرفض إفراد نصوص قانونية لتنظيم إنهاء علاقة العمل من جانب صاحب العمل والعامل خلافاً للنصوص التي تنظم أحكام الفصل والاستقالة».
ودعا البيان إلى «إلغاء القيود والشروط التعجيزية التي يضعها قانون العمل الحالي ومشروع القانون المقدم من الحكومة على ممارسة حق الإضراب، وإلى تعديل قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات رقم 148 لسنة 2019، وسرعة مناقشة مشروع القانون بتعديله الذي أعدته دار الخدمات النقابية والعمالية وقدمه إلى مجلس النواب ستون نائباً.»
وأعرب عن «التضامن مع مطالب الإفراج عن المحبوسين احتياطياً والعفو الرئاسي عمن صدرت بحقهم أحكام من سجناء الرأي»، وطالب «بالإفراج عن كافة المحبوسين احتياطياً من العمال على خلفية نشاطهم وإبدائهم الرأي في القضايا العمالية والنقابية».
تصفية الشركات
ويأتي الاحتفال بعيد العمال هذا العام في ظل «تصفية وإغلاق الشركات وتشريد العمال»، حسب «الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي».
وأعلن الحزب تضامنه مع مطالب العمال التي تتمثل في قانون عمل متوازن بين أصحاب الأعمال والعمال بما يضمن الاستقرار والأمان الوظيفي ويكفل حرية الإضراب السلمي واعتباره حقا من حقوق العمال، وتعديل قانون التأمينات والمعاشات رقم 148 لسنة 2019؛ الذي أفقد العمال الكثير من حقوقهم.
كما أكد على حق العمال في تكوين منظماتهم النقابية بحرية وإزالة كل القيود والمعوقات القانونية التي تحول دون ممارسة هذا الحق، وذلك بتعديل قانون 213 لسنة 2017 قانون المنظمات النقابية، وتحديد الحد الأدنى للأجور سنوياً بموجب قانون يلتزم كافة الأطراف بتطبيقه ويكون الحد الأدنى كافيًا للوفاء بمتطلبات المعيشة الأساسية ويتناسب مع زيادة الأسعار، وتعديل قانون 185 لسنة 2020 الذي يسمح بإغلاق شركات قطاع الأعمال العام وتسريح وتشريد العمال.
وتتهم أحزاب المعارضة المصرية النظام الحاكم بتبني سياسة اقتصادية قائمة على الاستدانة أغرقت البلاد في الديون، ودفعت بالعملة المحلية للانهيار، وأسفرت عن موجات متتالية من ارتفاع أسعار السلع.