سينما عالمية طرحت أسئلة حرجة عن الحُب والحرب والثورات

إذا كانت السينما المصرية والعربية اهتمت برصد الواقع الاجتماعي والسياسي، وناقشت قضايا على قدر كبير من الأهمية، فإن السينما العالمية أيضاً كان لها الامتياز نفسه، ما يدل على وحدة الهموم المُشتركة بين الشعوب مهما اختلفت ثقافاتهم، حيث لا فرق في المبادئ الإنسانية بين عربي وأعجمي، وهو الدرس الذي وعته السينما واستوعبه المُبدعون فكان له الأثر البالغ في إجماع العاملين في الحقل السينمائي على ثلاثية العدل والحرية والمساواة.
من النماذج السينمائية الواضحة في هذا الشأن الفيلم الباكستاني «بسم الله» فمن البداية يُشير العنوان الصريح إلى المعنى الأشمل للإيمان بلا مواربة ودون تغليف، فليس للمظاهر الشكلية الخاصة بكل شخص أو المُستقاة من ثقافة اجتماعية ما دور يُذكر في علاقة الإنسان بربه، ومن ثم فلا يُمكن الحكم على البشر من واقع المُتابعة للمظهر العام أو الشكل، وإنما الأصل هو السلوك القويم.
هكذا يطرح الفيلم مفهوماً صادقاً للإيمان بغير لبس أو غموض ويدعم المخرج شعيب منصور فكرته بالتوظيف الإبداعي واتباع مبدأ التنوير كمخرج من كل الأزمات التي يواجهها الإنسان في ما يتصل بالممارسات والهوايات الفنية، أو غيرها من المُتشابهات المُختلف عليها، باعتبار أن البعض يُحرم الفن والموسيقى والغناء على سبيل المثال، بينما هناك من يعتبر حرام الفن حرام وحلاله حلال، وهي القاعدة الوسطية الجائزة، حسب أقوال بعض الفقهاء والتنويريين.
«بسم الله» عنوان يُحدد محاور الفيلم الباكستاني وهويته ويُنبئ بما يطرحه وما يستهدفه بشكل إيجابي، حفاظاً على الصورة المُثلى للإبداع السينمائي المُرحب به والمقبول في ضوء التمسك بالقيم الدينية والحرص عليها.

«المُشردون»

المُشردون فيلم روماني للمخرج سريان مارينسكو، بطولة ستيف لورشا، تدور أحداثه حول توابع الثورات في دول العالم الثالث، أو المُجتمعات الفقيرة، حيث تتم مناقشة بعض الظواهر التي تنجم عن حالات الفوضى، أو المُتغيرات الاجتماعية اللاحقة على أعمال الشغب والانفلات، فمن وجهة نظر الفيلم تتبلور الظواهر السلبية في صور كثيرة من أهمها زيادة حالات الفقر، وتراجع دخل الفرد بين الفئات الفقيرة في الأساس، بينما يحدث العكس بالنسبة للطبقات الغنية وتظهر علامات الثروة وليس الثورة على طبقة الحُكام، وهو ما يعتبره الفيلم الروماني المهم من دواعي فشل الثورات الإصلاحية، أو حتى الانتفاضات الشعبية التي تتطور باتساع دوائر التمرد إلى حالة ثورية كاملة الأوصاف والمعالم والبيانات. وقد حقق هذا الفيلم أعلى الإيرادات إبان عرضه الأول في دور العرض السينمائية قبل ستة عشر عاماً تقريباً، لكنه أحدث على حد قول المخرج نوعا من فقدان الثقة في الحكومة الرومانية، إذ أن الجمهور تعامل مع الأحداث الفنية والدرامية بوصفها صورة واقعية عن الحياة الاجتماعية في رومانيا فشرع بعض الشباب في الهجرة هرباً من الخطر المُحتمل، حسب وجهة نظرهم، لكن ذلك لم يؤثر في مساحة الحرية المُتاحة للسينما الرومانية على الإطلاق، فلا تزال تتمتع بكل أنواع الحماية المكفولة لها في هذا الصدد، فلا رقابه على الأفكار أو أشكال الإبداع بكل أنواعها.

«القدر»

ومن بين الأفلام النوعية المهمة للمخرجة البوسنية والسيناريست ياسمين دوراكوفيش، فيلم «القدر» الذي تدور فكرته الأساسية حول مفهوم الوجود والفناء وأيهما أفضل فالكاتبة والمخرجة تعقد مقارنة بين الحرب بآثارها السلبية، حيث القتل والدمار، والحُب الذي يُترجم في الروابط الإنسانية والعلاقات الحميمة الخاصة بين الأزواج، التي تسفر عن ميلاد جديد لأجيال تأتي إلى الحياة مُبتسمة في براءة، كي توصل ما تتسبب الحروب في قطعه ونهايته، فقصص الحُب تتعدد وتتخلق من أبسط لحظات الود، بينما تُفضي الصراعات والحروب للهلاك والفناء وضياع الأحلام.
لذا يقدم الفيلم بانوراما واسعة لمفهوم الانسجام الكامل على خلفية التفاهم والتواد والرحمة والتسامح، لإمكانية تحقيق الحُلم المستحيل في أن يعيش الإنسان في مجتمع بلا حروب وبلا مخاوف وبلا ضغائن ومشاحنات، تماماً كأنها دعوة لتأسيس المدينة الفاضلة بعيداً عن هوس التسليح والمُجابهة وخراب المُدن، وفساد الضمائر والمُتاجرة في الموت بتشجيع الأطراف المُتصارعة على المزيد من التناحر والتدمير.. لقد وضعت المخرجة دوراكوفيش الحُب أمام الحرب في مواجهة صعبة، وتركت الاختيار للجمهور والحكم للتاريخ، بحيث تتم المُقارنة في الثنائية المُحيرة تلقائياً بين ما يُفني وما يُحيي فتأتي الإجابة المُباشرة على السؤال الكوني.. أيهما أفضل الحُب أم الحرب؟ وفق مُعطيات الفيلم الرومانسي الهادئ الذي ينحاز بالضرورة لاختيار الحُب كعنوان قوي ومُقنع للبقاء والنماء والاستمرار والاستقرار.

‏كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية