إسطنبول ـ «القدس العربي»: اجتمع وزراء خارجية كل من تركيا وروسيا وإيران وسوريا في موسكو الأربعاء للمرة الأولى في مسعى لدفع عملية المفاوضات بين أنقرة ودمشق قبيل أربعة أيام فقط من انتخابات حاسمة ستشهدها تركيا الأحد المقبل وقد تكون لنتائجها آثار عميقة على السياسة التركية في سوريا.
ولم تكن هناك دلائل واضحة على حدوث خرق كبير في مسار المفاوضات بين الجانبين التركي والسوري، لكنّ مُجرد عقد الاجتماع يُعطي مؤشراً على رغبة الطرفين في مواصلة الحوار ورفع إلى مستويات إضافية أخرى. ونجحت موسكو منذ نهاية العام الماضي باستضافة أربعة اجتماعات مُعلنة بحضور تركي وسوري، اثنان منها كانا على مستوى وزراء الدفاع ورؤساء أجهزة الاستخبارات، وآخر على مستوى نواب وزراء الخارجية للدول الأربع، بالإضافة إلى الاجتماع الأخير على مستوى وزراء الخارجية. لم تؤد الاجتماعات إلى اتفاق بين أنقرة ودمشق لأن بعض القضايا الأساسية المعقدة لا تزال عالقة خصوصاً تلك المرتبطة بمستقبل الوجود العسكري التركي في شمال سوريا.
آفاق جديدة في الحوار السوري – التركي
ومع ذلك، فتح اجتماع الأربعاء آفاقاً جديدة في مسار الحوار عندما قال وزير الخارجية السوري فيصل المقداد إن “سوريا وتركيا لديهما حدود طويلة وأهداف ومصالح مُشتركة، ونرى أنّه رغم كل سلبيات السنوات الماضية، هناك فرصة سانحة للعمل بشكل مُشترك من قِبل الدولتين بمساعدة ودعم الأصدقاء الروس والإيرانيين لتحقيق هذه الأهداف والمصالح بما يخدم تطلعات الشعبين في البلدين”. بينما تتمسك دمشق بمطلب انسحاب القوات التركية من سوريا كشرط لإصلاح العلاقات مع تركيا، تُصر أنقرة على أن انسحابها مرهون بتحقيق ثلاثة أمور رئيسية وهي معالجة هواجسها الأمنية المتمثلة بإبعاد “وحدات حماية الشعب الكردية”، التي تُصنفها منظمة إرهابية وتعتبرها ذراعاً سورياً لحزب “العمال الكردستاني” المحظور، عن حدودها، وتأمين إعادة طوعية وآمنة للاجئين السوريين في تركيا إلى بلادهم، فضلاً عن تحقيق تسوية سياسية شاملة للصراع السوري.
,يبدو جانب أساسي من الاهتمام الحالي في العواصم الأربع المنخرطة في الآلية الرباعية الجديدة (أنقرة، موسكو، دمشق، وطهران) يتركّز على الانتخابات التركية الأحد والآثار المحتملة لها على مستقبل دور تركيا في سوريا. لذلك، يُنظر على نطاق واسع إلى اجتماع وزراء الخارجية على أنه يُساعد الرئيس رجب طيب اردوغان في تعزيز موقفه الانتخابي من خلال إظهاره للناخب التركي على أنه يعمل بالفعل على إحداث تحول جذري في السياسات التركية في سوريا من أجل معالجة قضية اللاجئين السوريين، التي تستخدمها المعارضة التركية كورقة قوية لاستقطاب الناخب التركي.
الفوائد الانتخابية؟!
ولا يزال من غير الواضح حجم الفوائد الانتخابية التي يُمكن أن يُحققها الرئيس التركي من خلال التحول الذي أحدثه في الموقف من النظام السوري، لكنّه على الأقل قد يُساعده في تقليص حجم الفوائد التي تتطلع إليها المعارضة. على عكس النظام السوري، الذي بدا متردداً في السابق في رفع الحوار مع تركيا إلى مستويات سياسية رفيعة لأنّه يعتقد أن مثل هذه الخطوة ستُعزز حظوظ اردوغان الانتخابية وستُضعف فرص منافسه القوي كمال كليتشدار أوغلو، فإن موسكو، قلقة من أن يؤدي فوز محتمل للمعارضة إلى دفع تركيا لإدارة ظهرها لروسيا وإعادة تعزيز علاقاتها مع الغرب. لقد منح خطاب كليتشدار أوغلو مُبرراً قوياً للقلق الروسي عندما وعد أكثر من مرّة بإعادة التأكيد على الهوية الجيوسياسية لتركيا كجزء من حلف شمال الأطلسي وإعادة تشكيل العلاقات مع موسكو على قاعدة مختلفة عن تلك التي شكّلها الرئيس رجب طيب اردوغان. يقول المحلل السياسي المختص بالشأن الروسي عماد الطفيلي لصحيفة “القدس العربي” إن “روسيا تفضل إعادة انتخاب اردوغان وتسعى لمصالحة بين أنقرة ودمشق لسحب البساط من تحت أقدام المعارضة التركية التي تستخدم ورقة اللاجئين لإضعاف اردوغان”. ويُضيف الطفيلي في حديث عبر الهاتف من موسكو: “الإشارات الإيجابية من موسكو بشأن الاجتماع (الرباعي) تُشير إلى رغبة روسيا في إظهار أن الدول الأربع تعمل بالفعل على التوصل إلى تسوية للخلافات (التركية السورية).
مركز تنسيق عسكري
حتى قبل اجتماع موسكو الجديد، كانت هناك بعض المؤشرات على حدوث تقدم في مسار المفاوضات بين أنقرة ودمشق. كشف وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، الثلاثاء، عن اتفاق على إنشاء مركز تنسيق عسكري في سوريا بمشاركة الدول الأربع. وقال في مقابلة تلفزيونية: “قلنا إننا نحترم سيادة جيراننا في عملنا مع محاورينا السوريين… قيل لنا إننا بحاجة للتخلص من الإرهابيين في الحال. طرحنا ضرورة الوقوف معاً ضدهم، واتفقنا في هذا الإطار على إنشاء مركز تنسيق على الأراضي السورية”. سيكون مركز التنسيق الجديد أول إطار للتعاون الأمني والعسكري تشترك فيه أنقرة ودمشق ويمهد لتعاون أمني تسعى إليه أنقرة مع النظام وحلفائه الروس والإيرانيين من أجل إنهاء “الإدارة الذاتية” لوحدات حماية الشعب الكردية في شمال شرق سوريا.
واقترح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف وضع خارطة طريق لتطبيع العلاقات بين أنقرة ودمشق، وقال إن “خارطة الطريق المقرر رفعها إلى رؤساء الدول (الأربع) ستتضمن مواقيت زمنية لتنفيذ المبادئ التي سيتم الاتفاق عليها في الاجتماع الرباعي”. أظهرت أنقرة مراراً أنها لا ترغب ببقاء قواتها في سوريا إلى الأبد وأنها حريصة على وحدة الأراضي السورية، لكنّها تُريد قبل الإقدام على أي انسحاب من سوريا التوصل إلى تفاهم مع دمشق يعالج هواجسها الأمنية على المدى البعيد. وتبدو اتفاقية أضنة المبرمة بين البلدين في عام 1998 أرضية مناسبة لأي اتفاق محتمل. في حين أن هذه الاتفاقية تمنح تركيا حق التدخل العسكري في الأراضي السورية بعمق خمسة كيلومترات لمواجهة أي خطر أمني تُشكله الوحدات الكردية عليها، فإنها تسعى لتطوير هذه الاتفاقية بما يُتيح لها في المستقبل الحق في ملاحقة “الإرهابيين” بعمق ثلاثين كيلومتراً إذا تعرّض أمنها القومي للخطر وفشلت الدولة السورية في التعامل مع هذا الخطر.
دمشق لخطوات ملموسة
في المقابل، يُريد النظام السوري اتخاذ المزيد من الخطوات الملموسة على صعيد التطبيع مع تركيا وفق الصورة التي ستظهر بعد الانتخابات التركية. يقول موقع “تي 24” التركي في تحليل له: “حقيقة أن قضية عودة اللاجئين السوريين، الذين يقترب عددهم من 4 ملايين في تركيا، إلى ديارهم يتم طرحها باستمرار على جدول الأعمال خلال الحملات الانتخابية، من بين التقييمات التي دفعت دمشق إلى التصرف بحذر أكثر تجاه المفاوضات مع أنقرة”. رغبة النظام السوري في أن تؤدي الانتخابات التركية إلى هزيمة اردوغان تنبع بشكل أساسي من اعتقاده بأن المعارضة ستكون أكثر اندفاعة في إصلاح العلاقات مع دمشق وبأنها لا تُبدي أولوية للإبقاء على دعم تركيا لفصائل المعارضة السورية التي لا تزال تُسيطر على أجزاء واسعة من شمال غرب البلاد. بمعزل عن النتائج التي ستُفرزها الانتخابات التركية، فإنه سيكون لها أثر على مستقبل الدور التركي في سوريا. وفي حال تمكن اردوغان من الحفاظ على سلطته أو هزمته المعارضة، فإنه من المرجح أن يشهد الحوار التركي السوري بعد الانتخابات تقدماً أكبر.