رغم الحصار والقصف لا يزال هناك مُتسع لفرح فلسطيني يُقام في موعده السنوي بلا تأخير، يتمثل في مهرجان العودة السينمائي الذي يترأسه المخرج سعود مهنا، حيث تنطلق الدورة السابعة منه في 15 مايو/أيار الجاري بفيلم الافتتاح «جسر العودة» للمخرج عصام بلان، ويأتي تاريخ الافتتاح وموعده المُنتظم في كل دورة، ليس من قبيل الصدفة، وإنما إحياءً لذكرى النكبة التي حلت بالشعب الفلسطيني عام 1948 حين تم إعلان قيام دولة إسرائيل وبدأت عمليات التهجير والشتات.
المهرجان الذي تترأس لجنة التحكيم فيه الناقدة نبيلة رزايق، سيُقام بالتعاون بين مُلتقى الفيلم الفلسطيني وجامعة فلسطين تحت شعار «انتظار العودة» في تأكيد على التمسك بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى وطنهم، وهي الغاية الأسمى لكل من تم تهجيرهم وإبعادهم بالقوة الجبرية تحت سمع وبصر جميع المُنظمات الدولية والعالمية المعنية بحقوق الإنسان.
ولأن الحقوق لا تؤخذ إلا بالنضال والكفاح والإصرار، فقد آل الفلسطينيون الشرفاء على أنفسهم بذل الغالي والنفيس من أجل تحقيق الحُلم الذي سيتحول حتماً إلى حقيقة مهما طال أمد المُعاناة، وعظمت جرائم الكيان الصهيوني وزادت التحديات وبلغت مأساة الصمت الدولي على الانتهاكات والممارسات القمعية مبلغها.
ولأن دور المؤسسات الثقافية لا ينفصل عن الواقع الفلسطيني السياسي والاجتماعي في أي حال، فإن نشاطاتها ترتبط دائماً بالفكرة النضالية وتعمل على إثبات الحقوق كافة، بشتى الصور والطُرق السلمية اتفاقاً مع رسالتها الأساسية في دعم المواطن الفلسطيني، ولم الشمل العربي للإجماع على هدف الاستقلال والتحرر من قبضة المُحتل.
وفي ما يُشبه الاتفاق الضمني على حقوق الشعب الفلسطيني كافة، تأتي المُبادرات السينمائية من مُعظم الدول العربية وبعض الدول الأوروبية واضحة ومُعلنة في مضامين الأفلام المُشاركة، التي يبلغ عددها نحو 277 فيلماً من 41 دولة، وهو رقم قياسي يُثبت بما لا يدع مجالاً للشك، أن دائرة التأييد للحق الفلسطيني في المحيط الثقافي الدولي والعالمي تتسع يوماً بعد يوم، في ترجمة صريحة لتأثير السينما في كل أشكالها وأنماطها على الجماعات والأفراد، وتلك هي الوسيلة المُثلى للتعبير عن القضية السياسية والإنسانية العادلة، وكشف أبعادها ليتسنى للجميع إدراك ما يعانيه الشعب الفلسطيني على مدار الساعة، جراء القصف والدمار ونشر الذعر والخوف واتباع سياسة الحصار والتجويع لإحكام القبضة الأمنية بكل قسوة وبلا هوادة.
وحسب تصريحات مدير المهرجان يوسف خطاب، تتنوع المُشاركة في الدورة السابعة لمهرجان العودة، لتشمل جميع أنواع وأجناس الفيلم السينمائي، ما بين روائي طويل وقصير وتسجيلي ووثائقي، غير أن هناك فرصا متوافرة للطلبة من الهواة للمُشاركة بأفلام نوعية تنحصر قيمتها في الفكرة والتقنيات الفنية، من تصوير وإخراج وديكور وإضاءة وصوت وموسيقى وسيناريو وحوار، إذ تُمثل دروساً عملية وتجارب مبدئية في فن صناعة الفيلم السينمائي لتأسيس جيل من الشباب المُبدع يؤمن بأهمية الثقافة كفعل وممارسة، فضلاً عن كونها رسالة تدفع إلى تصحيح المفاهيم الخاطئة والتفكير بشكل أكثر تحضراً وقُدرة على التواصل في ضوء المُشتركات العامة والدعوة إلى خلق إطار صحي للتفاهم بين كل الفئات والطبقات بلا عنصرية أو تمييز من أي نوع.
وفي هذا الصدد تتضامن الدول المُشاركة بأفلامها لإنجاح المهرجان في ظل الظروف السياسية والأمنية الصعبة لمدينة غزة، فعلى سبيل المثال تشارك مصر بأربعة أفلام هي «وبعدين» للمخرج محمد شوقي و»نون» للمخرجتين ندى ياسر ورنيم أبو يمن وفيلم «الحفلة التي لا أريد الذهاب إليها» للمخرجة ندى خالد وفيلم « غني يا سمسمية» إخراج يوسف طارق.
كما تشارك كل من بلجيكا وقطر وفلسطين بفيلم إنتاج دولي عالمي مُشترك بعنوان r21، وهو من إخراج مُهند اليعقوبي، حيث تعرج الأحداث على الكثير من القضايا الإنسانية والاجتماعية التي لا خلاف عليها كقضايا الأمن والاستقرار والمواطنة إلى آخره.
وتشمل العروض السينمائية داخل المُسابقة أيضاً الفيلم الفلسطيني «العُرس الفلسطيني» للمخرج سهيل أبو قوطة والفيلم الإماراتي «غرفة رقم 5» إخراج مهند فؤاد والفيلم المغربي «بيت الشعر» للمخرجة مليكة ماء العينين وفيلم «رائحة البرتقال» إنتاج فرنسي سوري مُشترك والفيلم السوداني «عباس» إخراج مصطفى زيو، وفيلم «وقفة على أطلال الظهرة» للمخرج الجزائري مخلوف شريف وفيلم «سلاماً لجنين» إخراج محمد العلي، بالإضافة إلى مجموعة أفلام أخرى من بعض الدول الشقيقة.
وسوف يتميز حفل الافتتاح للدورة السابعة هذا العام بتزامن انطلاق الفعاليات في كل من جامعة فلسطين خضوري في الضفة الغربية، والاتحاد العام للمرأة الفلسطينية في القاهرة، ومؤسسة البيت الفلسطيني في ألمانيا في وقت واحد، لتعميم الأثر الثقافي والسياسي، وخلق حالة من الفرح الفلسطيني داخل مدينة غزة على شرف السينما العربية المُناضلة والمُتضامنة مع القضية.
كاتب مصري