نحو خطة وطنية شاملة ضد تنامي خطاب الكراهية في تونس: أزمة المهاجرين واللاجئين الأفارقة جنوب الصحراء تدقّ ناقوس الخطر

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي»: عادت قضية المهاجرين واللاجئين الأفارقة جنوب الصحراء في تونس لتطفو إلى السطح من جديد، خاصة بعد تنامي خطاب الكراهية ضد هذه الفئة بشكل كبير في الآونة الأخيرة. فقد انطلقت حملة في وسائل التواصل الاجتماعي تتهم هذه الفئة بتهديد السلم والأمن الاجتماعي في البلاد خاصة بعد تزايد أعدادهم بشكل كبير. وسرعان ما كبرت كرة الثلج وتحولت إلى أزمة دبلوماسية بين تونس وبعض الدول الأفريقية بعد اتهام تونس بالعنصرية، وهذا ما دفع الحكومة التونسية إلى وضع إجراءات لفائدة المهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء.

رفض تونس لاتهامات العنصرية

ورفضت الحكومة التونسية ما أسمته بـ«الحملة المعروفة مصادرها» والمتعلقة بالعنصرية المزعومة في تونس، وأضافت في بيان أن تونس كانت قد دعت «في السنوات القليلة الماضية إلى أن تكون أفريقيا للأفارقة وتصدت بكل ما أتيح لها من وسائل لجرائم الإتجار بالبشر التي يعاني منها الإخوة الأفارقة إلى حد الآن، والدولة التونسية لم تقبل ولن تقبل أن يكون الأفارقة ضحايا هذه الظاهرة المشينة لا في تونس ولا خارجها».
وتعهدت الحكومة بردع «كل أنواع الإتجار بالبشر والحد من ظاهرة استغلال المهاجرين غير النظاميين من خلال تكثيف حملات الرقابة، وتخصيص رقم أخضر على ذمة المقيمين من مختلف الدول الأفريقية الشقيقة للإبلاغ عن أي تجاوز في حقهم». وعاد نحو 300 مهاجر إلى مالي وساحل العاج من تونس، في إطار عمليات إجلاء نظمتها باماكو وأبيدجان. كما خسر عدد كبير من المهاجرين الأفارقة المسجّلين رسمياً في تونس، البالغ عددهم 21 ألفا ومعظمهم في أوضاع غير نظامية، خسروا وظائفهم وطُردوا من منازلهم مؤخرا في أعقاب الحملة ضدهم.
يشار إلى أن قانون معاقبة التمييز العنصري رقم 50 – 2018 يُمكّن ضحايا التمييز من اللجوء إلى القضاء للإنصاف وطلب العدالة. كما ان تونس مصادقة على الاتفاقية الدولية للقضاء على التمييز العنصري «ICERD» منذ 1967. ويقصد بالتمييز العنصري وفقاً للقانون التونسي «كل تفرقة أو استثناء أو تقييد أو تفضيل يقوم على أساس العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الإثني أو غيره من أشكال التمييز العنصري، والذي من شأنه أن ينتج عنه تعطيل أو عرقلة أو حرمان من التمتع بالحقوق والحريات أو ممارستها على قدم المساواة أو أن ينتج عنه تحميل واجبات وأعباء إضافية».
ويؤكد الباحث في العلاقات الدولية في إحدى الجامعات التونسية محمود كابا وهو من غينيا لـ«القدس العربي» بأنه جاء لتونس لاستكمال دراسته العليا في العلوم السياسية. وقال انه واجه نوعا من التمييز العنصري فيما يتعلق ببعض الأساتذة الذين حرصوا على التكلم باللغة العربية رغم اداركهم بانه كطالب أفريقي لا يتقن العربية. ويضيف: «كما أننا لمسنا أنا وأقراني وزملائي نظرات عنصرية لنا على خلفية لون بشرتنا السوداء خاصة أثناء استخدام وسائل النقل العمومي حيث قام أحدهم بتعنيفي في محطة المترو». وأضاف: «رغم ذلك فإن هذه الحوادث كانت متفرقة وهي تعبر عن تفكير لدى فئة قليلة من التونسيين ولكن أغلب الشرائح تتقبل الآخر» وقال إن تونس تعتبر أفضل من بلدان أخرى تعامل المهاجرين واللاجئين باضطهاد وعنصرية كبرى.
وشدد على ضرورة أن يبدأ العلاج لهذه الظاهرة من خلال التعليم في المدارس منذ الصغر على عقلية تقبل الآخر المختلف إثنيا وعرقيا ودينيا وحتى على أساس اللون أو الجنس وغيره.

أبعاد اجتماعية وإنسانية

من جهته يعتبر عبد الباسط بن حسن رئيس المعهد العربي لحقوق الإنسان في تونس في حديثه لـ«القدس العربي» بأن مسألة اللجوء والهجرة والنزوح أصبحت قضية مركزية في تونس وفي مختلف بلدان منطقة البحر المتوسط، وتحولت إلى جزء من أزمات بلادنا في المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. ويضيف: «هذه الأزمة أخذت أبعادا كبرى في الفترة الأخيرة لأنها تحولت إلى قضية إشكالية وصدرت فيما يتعلق بها تصريحات وأفعال وُصمت بالعنصرية. فما تعرض له اللاجئون والمهاجرون من أفريقيا جنوب الصحراء في تونس طرح سؤالا أخلاقيا وإنسانيا كبيرا وكاد يعصف بالسلم الأهلي». وتفاقم هذه الظاهرة يعود – حسب محدثنا – إلى نقص كبير في عقلانية التعامل مع اللجوء والهجرة، يعني هناك غياب لسياسة وطنية شاملة في هذين المجالين لا تقتصر على المعالجة الأمنية بل تكون فيها كل الأبعاد القانونية والسياسات العمومية مرتكزة على الوقاية والحماية، وكذلك تقوم على المساعدة في البحث عن الحلول الضرورية لحماية اللاجئين والمهاجرين.

أهمية المعالجات العميقة

ويضيف بن حسن: «نحن نعرف اليوم أن تونس هي جزء من عالم يعيش على وقع الحروب والنزاعات والكوارث الطبيعية والتغيرات المناخية المأساوية وانتهاك البيئة. وكل هذه العوامل تجعلنا في منطقة تتطلب اليوم وعيا بضرورة وضع سياسات جديدة شاملة تمكننا من عدم الوقوع في ذلك الوضع المأساوي الذي نتجت عنه أزمة كبرى أضرّت بصورة تونس وكذلك أضرّت بعلاقاتها الأفريقية والدولية. نحن نحتاج اليوم إلى الخروج من التعامل التبسيطي الذي يسجن هذه الظاهرة أي اللجوء والنزوح في منطق الخوف ومنطق التعامل الأمني لجعل المعاملة معاملة سياسات بمعالجة الأسباب العميقة لهذه الظاهرة ووضع رؤية تنموية تقوم على الأمن الإنساني الشامل. وأن نعطي كذلك قيمة للمساعدة الإنسانية وكذلك نعالج ظاهرة الإتجار بالأشخاص لأن هذه الظاهرة تضم البعد الاجرامي». ويتابع رئيس المعهد العربي لحقوق الإنسان شرح مقاربته لهذه الأزمة بالقول: «إذن هناك حاجة لسياسة وطنية متكاملة تجمع بين البعد الحكومي والمجتمعي المدني لللاجئين والمهاجرين. فكل الأطراف يجب ان تعمل مع بعضها البعض لتضع هذه السياسة التي تقوم على مبادئ إنسانية، وهذا بالنسبة لمسؤولية تونس».

مسؤولية جماعية ودولية

ويستطرد عبد الباسط بأن هذه المسؤولية لا يمكن لتونس ان تقوم بها بمفردها، خاصة أنها موجودة في محيط إقليمي يعيش على وقع هذه الظاهرة بكل أبعادها وأسبابها العميقة. فهناك مسؤولية حقيقية إقليمية ودولية تجعل من الواجب على البلدان وخاصة بلدان شمال المتوسط ان تتحمل المسؤولية لأن تقوم وتقيم علاقاتها في هذا الموضوع مع تونس على أساس التضامن والتعاون لا على أساس اعتبار تونس كأنها الحدود الخلفية لهذه البلدان. هذه الدول لها واجب إنساني وواجب كذلك دولي بمساعدة تونس والتعاون معها لوضع السياسات المتضامنة التي لا تقف عند حد المعالجة الأمنية وتطلب من تونس العمل مكان هذه الدول». ويوضح محدثنا بأن الاتفاق العالمي بشأن اللاجئين يؤكد على ان هناك واجبا لكل البلدان في مساعدة بلدان مثل تونس التي تجد نفسها اليوم في واجهة التعامل مع قضية الهجرة واللجوء. والمساعدة تكون من خلال «الاستثمار في الوقاية والاستثمار في إيجاد الحلول الدائمة للاجئين وللمهاجرين». وكذلك في إيجاد الإمكانيات لتقديم الحماية الضرورية للاجئين والمهاجرين. ويرى محدثنا ان تونس اليوم في وضعها الحالي لا يمكن ان تقوم بوحدها بتوفير كل أسباب الحماية للاجئين والمهاجرين. ويقول: «يجب ان نغير أولا في سياستنا الوطنية والإقليمية والدولية في هذا المجال حتى لا نجد أنفسنا في أوضاع يعيش فيها اللاجئون والمهاجرون صعوبات من انعدام الأمن وانعدام الحماية. وكذلك ردود فعل عنيفة وعنصرية من عدد من المواطنين والمواطنات».

دور المجتمع المدني

ويلعب المجتمع المدني دورا كبير اليوم في تغيير العقليات وفي ترسيخ ثقافة تقبل الآخر ونبذ خطاب العنصرية والكراهية ضد المهاجرين. ومن بين هذه المنظمات المعهد العربي لحقوق الإنسان الذي كانت له مسيرة طويلة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود في العمل على قضية اللاجئين والمهاجرين. ويوضح عبد الباسط بن حسن في هذا السياق بالقول: «هناك اليوم ضرورة قصوى لصياغة سياسة وطنية شاملة في مجال الهجرة واللجوء، وإلى تطوير التضامن على المستوى الإقليمي والدولي لمساندة هذه السياسية». ويتابع: «نرى أن الأحداث الأخيرة التي حصلت في تونس والتي مسّت العديد من المهاجرين واللاجئين الأفارقة جنوب الصحراء، دقّت ناقوس الخطر بالنسبة لتنامي خطاب الكراهية والعنصرية وهو ما يتطلب خطة وطنية شاملة من أجل مواجهة هذا الخطاب في العمق من خلال الثقافة الاجتماعية، ويتمثل ذلك بالأساس من خلال ضرورة العمل على إصلاح التعليم وتخليصه من خطاب الكراهية والعنصرية. وكذلك تطوير تعامل الإعلام ووسائل الاتصال الحديثة من أجل مزيد من الادماج لخطاب التنوع والاختلاف وحقوق الإنسان». وتابع: «بالنسبة إلى المعهد العربي فإن قضية اللجوء والنزوح كانت ولا تزال قضية مركزية في مجال حقوق الإنسان. ونعمل منذ قرابة التسعينات على تنفيذ شراكات عميقة واستراتيجية بالتعاون مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة وعديد منظمات المجتمع المدني، في اتجاهات متعددة. وقمنا بتأسيس شبكة كبيرة من المحامين والمحاميات لتقديم المساعدة القانونية للاجئين. ونحن نقوم بعمل كبير في مجال تطوير السياسات واقتراح الحلول الاجتماعية والصحية وسياسات الشغل لتطوير الإطار القانوني. وقمنا بإعداد مشاريع نموذجية لفائدة اللاجئين في مجال الحماية الاجتماعية. وقد صادقت وزارة الشؤون الاجتماعية في تونس على منح اللاجئين واللاجئات الضمان الاجتماعي. كذلك اشتغلنا مع وزارة التشغيل على مشروع عقد تشغيل مهاجرين». ويتابع: «ولدينا عمل مع وسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني، ومن خلال إذاعتنا، إذاعة السيدة اف ام، وهي الأولى عربيا المتخصصة في مجال حقوق الإنسان- نعمل على مواجهة خطاب الكراهية والعنف والعنصرية ضد اللاجئين والمهاجرين. وكذلك نعمل مع أطفال اللاجئين بالشراكة مع منظمات اللاجئين في تونس من خلال أنشطة ثقافية وإبداعية ولقاءات ومهرجانات فنية للتعريف بهذه القضايا لدى المواطنين والمواطنات في تونس وفي عدد آخر من البلدان العربية».

إنتاج المعرفة

ويوضح عبد الباسط بأنه تم التفكير في مسألة هامة لتفادي النقص الكبير في البلدان العربية، وهي فكرة إنتاج المعرفة في مجال اللجوء. فأصدر المعهد العربي لحقوق الإنسان العدد الأول من المجلة العربية للجوء والنزوح بالتعاون مع المكتب الإقليمي للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين بالأردن. وهذه المجلة هي إقليمية محكمّة تسعى إلى التعريف بقضايا اللجوء والنزوح باللغة العربية وتوفير موارد معرفية في هذين المجالين باللغة العربية. وكذلك البحث في القضايا المخصصة للاجئين والنازحين في عدد من البلدان المنطقة. وهذا من شأنه أن يوفر موارد معرفية هامة للباحثين في هذا المجال. ويوفر موارد معرفية لكل صنّاع القرار يمكن ان تساعدهم في تطوير السياسات العمومية والقوانين وإصدار القرارات المتعلقة بقضايا اللجوء والهجرة من منظور حقوق الإنسان.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية