رقابة أخرى من المجلس القومي للمرأة على الدراما المصرية

كمال القاضي
حجم الخط
0

الأصداء التي خلفتها الدراما المصرية التي عُرضت خلال شهر رمضان كانت هي الأسرع على الإطلاق، حيث بدأت مؤشرات الاهتمام منذ الإعلان عن المُسلسلات على مواقع التواصل الاجتماعي وبعض المحطات الفضائية قبل أن يبدأ الموسم الكبير بعدة أيام.
وقد بدأت عمليات المُراقبة من جانب الجمهور الشغوف بالمُشاهدة بشكل مُلفت، لاسيما أن الآراء المُتباينة ما بين الرفض والقبول للعناوين والموضوعات شكلت ظاهرة واضحة وأثرت تأثيراً قوياً في توجيه النقد السلبي للمُسلسلات قبل أن ينتهي عرضها، وبالطبع كانت لهذه المُبالغة في تتبع خط سير الدراما آثار قوية على جانب آخر، إذ بدأت بعض المُنظمات الحقوقية والجهات الرسمية ذات الصلة في رصد التحولات الدرامية ودراسة أسبابها الواقعية باعتبار أن ما يتم عرضه على الشاشات التلفزيونية هو صور لحالات اجتماعية حقيقية، وبناءً علية زادت عمليات المُراقبة للأعمال الفنية والتدقيق في محتواها للوقوف على معاناة بعض الفئات الشعبية وبالطبع شمل الاهتمام قضايا المرأة على وجه الخصوص.
وفور انتهاء الموسم الرمضاني خرج تقرير شامل من المجلس القومي للمرأة ليؤكد على تطور التناول الدرامي للقضايا الاجتماعية المُلحة والتضمين الواضح لهموم المرأة بدون تهميش أو إقصاء وفقاً للسن أو التعليم أو الإعاقة أو طبيعة المنطقة الاجتماعية، وفي متنه أشار تقرير المجلس إلى مُسلسلات بعينها كنماذج إيجابية توافرت فيها هذه المزايا بحسب ما ورد من حيثيات، ومن بينها مسلسل «تحت الوصاية» و«ستهم» و«الهرشة السابعة» و«ضرب نار».
وعلى الرغم من حالة الرضا عن العناوين الدرامية السابق ذكرها والاعتراف بوجود جرأة وتنوع في الموضوعات المطروحة واهتمام بقضايا المرأة ومحاولات لتسليط الضوء على واقعها الخاص إلا أن ذلك لم يمنع القومي للمرأة من تسجيل اعتراضه على أعمال أخرى رأى المعنيون بالأمر أنها ترجمت بعض السلبيات وكشفت عن مظاهر العنف الذي تعاني منه شرائح معينه من النساء في مصر.
وقد تم الاستشهاد على ذلك بما جاء في مُسلسل «الهرشة السابعة» ومُسلسل «مُذكرات زوج» ومُسلسل «ألف حمدلا على السلامة» و«كشف مستعجل» و«سوق الكانتو» بالإضافة إلى مسلسلات أخرى مثل «رشيد وبابا المجال» و«جعفر العُمدة» و«جميلة والأجهر» و«ستهم» و«تلت التلاتة» و«وعود سخية».
والملاحظ من واقع التقرير الصادر عن المجلس القومي للمرأة والذي يحمل طابعاً رسمياً إلى حد كبير، ليس هو التدشين ضد الدراما وصُناعها بالتركيز على النماذج السلبية وتفوقها على النماذج الإيجابية في عملية الإحصاء والحصر فحسب، وإنما هو ذلك التناقض في التصنيفات، بمعنى أن هناك إشادة ببعض المُسلسلات باعتبارها من العينات الجيدة، كونها قدمت على حد وصف التقرير ذاته مُعالجات واقعية لقضايا المرأة المصرية على مستوى جميع الطبقات الاقتصادية والاجتماعية بدون إقصاء أو تهميش.
كذلك وصفها بأنها عكست صوراً مهمة للمُساهمات النسائية في مجالات اجتماعية وثقافية وسياسية مثل مسلسل «جميلة وحضرة العُمدة» و«عملة نادرة» و«تحت الوصاية» و«الهرشة السابعة» و«ضرب نار» وفي نفس الوقت اشتمال التقرير المكتوب لنفس المُسلسلات ذاتها أو بعضاً منها ووضعها بين النماذج السلبية التي تُشير لوجود عنف مُركز ضد المرأة.
وسواء كان التقرير الصادر عن المجلس القومي للمرأة دقيقاً أو غير دقيق في رصده للعينات والنتائج الدرامية، فإن اللافت في الأمر هو إغفال وتجاهل دور الرقابة على المُصنفات الفنية في مراقبة وتحديد مستوى الأعمال وإجازتها أو رفضها بوصفها الجهة الرسمية المنوط بها القيام بهذا الدور لضبط إيقاع الساحة الإبداعية واتزانها وحماية المُشاهد من الأضرار الناتجة عن فساد الذوق العام بمُقتضى القوانين واللوائح المُنظمة للعملية الإبداعية.
ووفق تحديد الأدوار القانونية والالتزام بالتخصصات تُصبح عملية المُراقبة للمُصنفات الفنية من جانب المجلس القومي المذكور وكتابة تقارير عن مستواها أو مضمونها نوعا من التدخل في الاختصاصات الموكولة لجهات ثقافية تمتلك الخبرات والقُدرات التي تؤلها للحُكم على الإبداع وتقييمه وإبداء الرأي فيه.
كما أن تدخل أي جهات أخرى في اختصاصات الرقابة على المُصنفات الفنية من شأنه تعطيل دوران الحركة الفنية والحد من حرية الإبداع بفرض قيود جديدة ليست في صالح الصناعة الدرامية ولا في صالح المُبدعين من الكُتاب والمُخرجين والمُمثلين، لأن إتاحة الفرصة للتدخل وإصدار الأحكام الفنية وكتابة التقارير سيُربك بطبيعة الحال كل صُناع السينما والدراما، ولو جاز للمجلس القومي للمرأة أن يكون له دور في هذا الشأن فسوف يكون من حق المجلس القومي للطفولة والأمومة أيضاً مُراقبة الأعمال وتقييمها والتحفظ عليها ورفضها إن لزم الأمر.
تلك هي مُعطيات الأزمة في مسألة تعدد جهات الرقابة على المُصنفات الفنية والسماح لغير المُتخصصين بكتابة تقارير تؤدي بالضرورة إلى تقويض مساحة الحرية المُكتسبة بدلاً من العمل على اتساعها والاعتراف بأهميتها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية