من التغاضي عن «الموسوعة» إلى مصادرة «الأقلمة»

قبل أكثر من ثلاثة أعوام وتحديداً عام 2019 أصدرتُ كتاباً، تتبعتُ فيه نواقص ومتروكات ما سماه عبد الله إبراهيم (موسوعة السرد العربي) اللتين اشتمل عليهما الكتاب آنف الذكر والمعنون (موسوعة السرد العربي معاينات ومراجعات تاريخية) وكانت المحصلة ــ بايجاز ــ إن الموسوعة هي موسوعة صاحبها، وليست موسوعة السرد العربي؛ فقد جمع فيها مجمل كتبه التي أصدرها منذ تسعينيات القرن الماضي حتى العقد الأول من هذا القرن، وعدَّها زمناً استغرقه تأليف كتاب واحد. وحقيقة الأمر أنه زمن استغرقته كتبه كلها، وضمنها الفترات بين إصدار كتاب وكتاب آخر شأن كل مؤلفي الكتب المتعددة.
وكان من المؤمل أن تعقد مناظرة معرفية بيني وبينه حول الموضوع صيف 2019 بناءً على مبادرة من قبل قسم اللغة العربية في جامعة قطر، أبدى استعداده للقيام بها، لكن عندما حلّ موعد عقد المناظرة تراجع عن ذلك الاستعداد، على الرغم من أن جهة الدعوة عملت ولعدة أشهر على تهيئة مستلزمات إجرائها، فضاعت فرصة كنت أتوخى منها الحوار البنّاء، المفضي إلى ما يخدم الدرس النقدي خاصة وحركة الثقافة عامة.
فاكتفيت بأن يقوم كتابي بمهمة إثارة الآخر وتحفيزه على التفاعل معه ومحاورته، لا تحاشيه وإغفاله. وهما أمران إن أمكنا ظاهرياً، فهما غير ممكنين واقعياً وعملياً؛ إذ بقي ما طرحته في كتابي معروضاً للزمن، وأطروحته بين دفتيه فيأخذ صداه لوحده كأي كتاب بُذل فيه جهد مخلص بهدف الوصول إلى غايات معرفية محضة، ولعل أحد الباحثين ينبري يوماً فيتناول متروكة ما من تلك المتروكات التي أخذتها على عبد الله إبراهيم في (موسوعته).
ومن هذا المنطلق سعيتُ بشكل مباشر لإيصال نسخة منه إلى سعيد يقطين فأهديته إياها عندما التقيته في مؤتمر غسان كنفاني للرواية العربية. وليس المقام ملائماً لتعداد كل المتروكات لكن ما ينفع كأمثلة منها هنا، ما جاء حول النص القرآني في القسم الثاني من كتابي أعلاه في الفصل المعنون (المقدس السردي تحسبا واعتبارا) وفيه أخذت على صاحب الموسوعة تناسيه «سردية القرآن» بسبب تقيده بمركزية الثقافة المتعالمة فطاوعته أنساقها، ما منعه من التحرر من قيود حواضنها. وافتتحت الفصل بهذه السطور وأثبتها كاملة (للكتب السماوية ميزاتها الاعتبارية والفنية وهي إلى جانب صفة التقديس التي تحيطها، فإنها نصوص تأسيسية وضعت للبشرية موازين الحياة بكل أبعادها المعرفية، ومنها البعد الإبداعي الذي جعل الإنسان يقف مذهولا أمام بداعة الصانع الخالق الحق، وما يمكن للمخلوق أن يستقيه منه ويبني عليه فعلا إبداعيا يستقي مظانه من النص المقدس، ويبني عليه نصا إبداعيا إنسانيا بمخيلة لا تتوفر فيها صفة الجمالية المطلقة، بل تشيع بدلها النسبية الجمالية. وليس من أمة عُرفت بإبداعها في ميدان الأدب، متمكنة من لغتها إلى أبعد حدود الجمال النسبي مثل أمة العرب التي كان لشعرها ونثرها باعه الضارب في العمق، إلى درجة أنها وضعت لإبداعها في عصر ما قبل الإسلام منظومة قواعد بمبان خاصة ومقاييس محددة، حتى إذا جاء الإسلام كان القرآن هو التحدي الذي يتموضع في اللغة وقضاياها الأدبية فتحا وتغييرا وإلهاما وإعجازا).
ولكي أؤكد ما تقدم اتخذت من «سورة يوسف» عينة إجرائية طبقت عليها قراءتين: الأولى راصدة والأخرى ما بعد راصدة، وتوصلت إلى أن القص القرآني على أنواع عدة منها مثلا السيري والغيبي، كما فصلتها في الكتاب. وتأملت تأثيرات القرآن الفنية في الأدب العربي فوجدت أنه يجمع الحقيقي بالجمالي والأدبي بالتاريخي والشعري بالنثري. وأن الفعل الإخباري جسر لغوي لتوكيد الأسلوب أكثر من تبرير مصداقية الأخبار. وأن الصدق إقناعي بالاستعارات والمجازات والتشبيهات، أي احتمالي بالمفهوم الأرسطي. وأن الإخباري العربي القديم لم يكن يتحرى غير المنطقية، واضعا المتلقي أمامه موجها خطابه إليه، وأن فعل الإخبار عن واقعة ما فعل فردي يقوم به كاتب واحد لديه رواية او روايتان أو أكثر عن تلك الواقعة لكنه غير ملزم بأن يجعل فعله الكتابي غيريا فيتحدث باسم المجموع.
وصفوة ما أردت قوله (إن السرد تبلور قبل الإسلام وتطور تأليفا وإبداعا بعد الإسلام بتأثير النص القرآني المكين فيها، الذي شذّب فعل المخيلة ونقاها وجعلها تتجه صوب الإبداع بقصدية جمالية وغائية نفعية تخدم الفرد والجماعة. بعد أن كانت المخيلة قد اختمرت في ما قبل الإسلام في وعاء الغيبيات والتهويمات والطوطميات والأساطير. ولو لم تكن للعرب سردية حكائية قبل الإسلام لما أثّر القص القرآني في الأساليب الكتابية العربية. وإذا كان قص ما قبل الإسلام خرافيا، يوظف التخييل في إطار لا معقول عادة ما يكون خرافيا أو أسطوريا؛ فإن قص ما بعد الإسلام كان احتماليا يدمج ما هو تاريخي بما هو تخييلي متجاوزا الوظيفة التطابقية الى الوظيفة الشعرية مع البعد عن الاستحالة واللامعقولية). وعلى هذه الشاكلة يأتي الفصل المعنون (السيرة النبوية: سردية التوثيق حديثا وإخبارا) كمتروكة من متروكات (الموسوعة!).

أقول إن الأمر حين يتعلق بالأقلمة، فإن النصوص التأسيسية حاضرة ومنها سردية القرآن الكريم وسردية الحديث النبوي أو السيرة النبوية. أما الاختلاف والإحاطة والإفادة من التقدم الراهن بكل انفتاحاته المعرفية فذلك ما يصبُّ في صلب مشروع (الأقلمة السردية).

وما أريده في هذا العرض هو أن دعوتي لأقلمة السرد العربي لم تأت مصادفة ولا عفو الخاطر، وإنما هي مبنية على حفر في النصوص التأسيسية، فكانت الخرافة أولها، وكانت اللاواقعية هي القاعدة التي عليها قام السرد القديم كأنظمة وتقاليد وقوالب وأنواع. ويذكر القارئ الذي يتابع مقالاتي أنني دعوت سعيد يقطين إلى مشروعي في الأقلمة السردية مع إبراهيم السعافين وباحثين آخرين واطلعوا تفصيلياً على مشروعي، ثم تلوته بنفسي وتمت مناقشته من قبلهم. ومضيتُ في مشروعي وأكدتُ ما أردتُ سواء في كتابي (أقلمة المرويات التراثية العربية) 2022 أو محاضراتي على المنصات الافتراضية والحضورية وقلت (إن أساسات السرد العربي لم تُستجلَ بشكل كامل، وما كُشف عنها ليس بالكثير لأسباب متعددة، أهمها ما فرضته منهجيات النقد ونظرياته من نظر تجزيئي يقتطع السرد القديم من تاريخه، ويفصل بعضه عن بعض مع القسر في إخضاعه لتوجهات بحثية، فيها اتباعية للرؤى الاستشراقية ووجهات النظر الاستعمارية).
وقد سعدتُ ولا أقول تفاجأتُ وأنا أتابع مقالات سعيد يقطين الأخيرة عن القرآن الكريم ومنها مقالته (النصية القرآنية بين الكوني والعالمي) المنشورة في «القدس العربي الأسبوعي» بتاريخ 30/4/2023، ولم يزعجني أنه ككل مرة ينسى رد الفضل لأهله في قوله (أما موقعة النص القرآني ضمن نظرية محددة للنص كما اشتغلت بها، وأريد تطويرها لأنه ما كان لي لأفكر فيها لولا إقدامي على البحث في سردية القرآن الكريم) عابرا كتابي حول موسوعة عبد الله إبراهيم، معللا الأمر بما سماه (ضرورة أملاها علي اطلاعي على مختلف الكتابات التي تدعي أنه نص مثل غيره، أو يعزى إلى بشر). وأتساءل: هل ما زال هناك من يرى أن القرآن (يعزى إلى بشر) و)مصدره بشري.. ينطلق منه الغربيون، والمستشرقون، ومن يسير على منوالهم من بعض الباحثين العرب) وهل سكت أهل التفسير عن هؤلاء الغربيين والعرب، كي ينبري يقطين لوحده ويبطل الزعم؟ وهل مهمة الباحث في السرديات رد التهم عن القرآن، أو البحث في نظام السرد وأثر القرآن فيه؟! ولا يخفى على من هو متخصص ما يطرأ على النظرية النقدية من تطور كما حصل مع نورثروب فراي، في تحليله الأنجيل كمدونة سردية كبرى ومنه استقى الباحث سعيد الغانمي كثيرا من قراءاته للموروث السردي لألف ليلة وليلة، أو ما حصل مع منظرين غربيين مثل ياكبسون وستانلي فش ورامان سلدن وفراي وعشرات غيرهم ممن جعل البحث في النص عن: كيف ولماذا؟ وليس ماذا؟ وهو ما يعرفه سعيد يقطين، لكننا نعجب حين يقول ـ في مقالته نفسها ـ إن علينا ألا (نقرأ دون بذل جهد بسيط لفهم ما قرأناه..) ثم يصادر ذلك بالقول: (لا أحب خوض النقاشات لأنها تستدعي شروطا معرفية غير متوفرة لدينا) فكيف نفهم الشعر أو السرد العربيين، إذا لم نضع الاختلاف نصب أعيننا ونتناقش فيه؟ أما ما رآه يقطين في القرآن (من تأطير ضمن بنية نصية كبرى) وقوله (عندما أعطيت مثال هوميروس وسيرفانتيس، أردت فقط إبراز أن تحليل أي منهما يفرض علينا رؤية كل منهما للعالم، في ضوء النصية التي ينتمي إليها. وبذلك نتجاوز الرؤية السائدة في تحليل النصوص) فذلك ما طرحتُه حول الأقلمة السردية، سواء في مقالاتي المنشورة في صحيفة «القدس العربي» أو كتابي (أقلمة المرويات التراثية العربية) 2022. ومن ذلك قولي (ليست الأقلمة منهجية مقارنة تريد إعادة الاعتبار لسردنا القديم، من خلال مقارنته بنظير أو مثيل، ولا هي فاعلية تقليدية تشبيهية تريد مضاهاة سردنا بسرد الآخر؛ وإنما الأقلمة فاعلية ثقافية، تبحث في الأساسات والأصول، وغايتها تحديد التقاليد ومعالجة الخصوصيات والعموميات معا، ومركزة المهمش منها وربط الأطراف بالأقطاب. وبالشكل الذي يسمح بوضع نظرية فيها من المفاهيم والتصورات التجريدية ما يحفظ لسردنا هويته ويدلل على إنجازاته وفي الآن نفسه يصب في صالح السردية العالمية) «مداليل الأقلمة السردية» «القدس العربي» 30/12/2022 وقد علق أحدهم عليها (أرى هنا نظرة عنصرية استعلائية من خلال تنقية نماذج سردنا القديم إلى حد التأليه) فرددت بمقالة عنوانها (عن أي عنصرية يتحدثون؟).
أقول إن الأمر حين يتعلق بالأقلمة، فإن النصوص التأسيسية حاضرة ومنها سردية القرآن الكريم وسردية الحديث النبوي أو السيرة النبوية. أما الاختلاف والإحاطة والإفادة من التقدم الراهن بكل انفتاحاته المعرفية فذلك ما يصبُّ في صلب مشروع (الأقلمة السردية).

كاتبة عراقية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية