كثيراً ما تم التنويه عن العلاقة الوطيدة بين الفن والسياسة باعتبار أن الفنون جميعها هي واجهة إبداعية تعكس تفاعلات المُجتمع وتعبر عن قضاياه، ومن ثم تلعب دوراً مهماً في كشف التفاصيل السياسية سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، خاصة أن غالبية القضايا السياسية ذات الأبعاد الاجتماعية يتم طرحها عبر روافد الفن والإبداع، سينما أو مسرح أو فن تشكيلي أو موسيقى وغناء.
ولأن الساسة والزعماء يُدركون حقيقة دور الفنون في التعبير عن هموم وقضايا الناس ويلمسون مدى تأثر الجماهير بما يُطرح ويُناقش، عمدوا إلى الاهتمام بتطوير كافة الأشكال الإبداعية المُترجمة لنبض الشارع السياسي كي يظلوا على بينة بما يحدث ويتحققوا من صحة المسار الذي يمشون فيه كنوع من الاطمئنان إلى سلامة منهج الحُكم أو اتقاء شر المفاجآت التي تحدث نظراً للتقصير والغفلة في بعض الأحيان.
وقد اهتم كل رؤساء مصر على مدار سنوات التعاقب في الحُكم وتداول السُلطة بتكريم نجوم السينما والمسرح والتلفزيون ورموز الأدب والفكر في العديد من المناسبات الرسمية وغير الرسمية، بل وتجاوز الأمر ذلك إلى تخصيص مناسبات بعينها لتأكيد العلاقات الإنسانية والسياسية والإبداعية التي تربط بين رموز الثقافة والفنون وبين رجال السياسة والسُلطة، فجرى تحديد يوم خاص للعلم ليُصبح مناسبة لتكريم المُختارين من أصحاب الإسهامات العلمية والإبداعية، وحدث ذلك في عصر الرئيس جمال عبد الناصر والرئيس السادات وظل قائماً لفترة طويلة.
هذا ما تم العمل به من جانب رموز الدولة وتأسست على أساسه بعض الصداقات الافتراضية أو الواقعية بين بعض الرؤساء وبعض الفنانين، ولنا في ذلك المثال الأوضح لصداقة نشأت بين الرئيس جمال عبد الناصر والمُطرب الكبير عبد الحليم حافظ على أثر الدور البارز الذي لعبه الأخير في دعم ثورة يوليو إبان قيامها عام 1952 واستمراره في دعمها حتى وفاة الرئيس عبد الناصر عام 1970 قبل أن يتوقف عن الغناء لفترة قصيرة حزناً وحداداً على وفاة الزعيم الذي تبناه وأفسح له المجال ليكون في مقدمة الصفوف كأهم مطرب عربي عرفته الجماهير ورددت أغانية.
وهناك موقف تاريخي لعبد الحليم حافظ أكد من خلاله إيمانه القوي بالزعيم جمال عبد الناصر وارتباطه به، حيث أعلن المُطرب الكبير اعتزامه اعتزال الغناء عقب نكسة يونيو 67 إذا لم يتراجع الرئيس عبد الناصر عن قرار التنحي وأرسل بالفعل برقية بهذا المضمون إلى رئيس مجلس الأمة آنذاك محمد أنور السادات وكان لها أثر بالغ في نفس جمال عبد الناصر فزادت العلاقة بينه وبين عبد الحليم توطداً وقوة لدرجة أشعرت المطربين الآخرين بالغيرة وأقلقت بعض رموز الحُكم الناصري في حينه.
ولم تكن تلك العلاقة هي الوحيدة التي ارتقت فوق الأشكال الرسمية بين فنان شهير ورئيس جمهورية، وإنما ظهرت علاقة أخرى قوية شبيهة بين عمر الشريف والرئيس السادات كشفت تفاصيلها المُراسلات والمُهاتفات والمُقابلات العديدة التي تمت بين الاثنين حين فكر السادات في زيارة القدس بعد انتصاره في حرب 73 حيث اعتمد على عمر الشريف في الوساطة بينه وبين قادة إسرائيل في ذلك الوقت ضمن وسطاء آخرين على درجة من الأهمية.
ومثلما ربطت الصداقة المُتميزة بين الشريف والسادات في أوج مجدهما على خلفية زيارة القدس الشريف والإعداد لاتفاقية كامب ديفيد كانت هناك أيضاً علاقة على نفس القدر من التميز بين الفنان حسين فهمي والرئيس الراحل أنور السادات أيضاً، نشأت لاعتبارات أدبية من بينها إعجاب الرئيس الأسبق بثقافة حسين فهمي وبالتحديد تمكنه من التحدث ببعض اللغات الأجنبية، إذ كان ذلك مصدر فخر للسادات ومدعاة للتباهي بنجوم مصر من الفنانين الكبار، وحسب ما ذكرته بعض المصادر أن الرئيس السادات كان حريصاً على دعوة حسين فهمي في المناسبات التي تضم ضيوفاً مُهمين من المُثقفين والإعلاميين الأجانب.
أما الفنان الراحل نور الشريف فلم يكن حظه وفيراً من امتيازات الصداقة بالرؤساء وإن كان قد تم تصنيفه ضمن الفنانين الأكثر وعياً وثقافة وإدراكا للقضايا السياسية وحظي بلقاء الرئيس السادات والرئيس مبارك عدة مرات ومن بينها مرة التقى فيها الرئيس السادات وهو يرتدي الجلباب تماشياً مع الهواية المُفضلة للرئيس، ولم يؤخذ ذلك عليه وإنما مرت الواقعة مرور الكرام ولكنها ظلت محل تساؤل لفترة طويلة من جانب الجمهور والسياسيين والنقاد. وبدوره ارتبط عادل إمام بعدة صداقات مع بعض القادة والزعماء العرب، فأبرزهم كان الزعيم والمناضل الكبير ياسر عرفات الذي كان يستقبله استقبالاً حاراً كأحد الفنانين المؤثرين في الوعي الشعبي والجماهيري للأمة العربية، وقد تميزت العلاقة بين الاثنين لهذه الاعتبارات القومية المهمة، وفي هذا الجانب على وجه الخصوص شارك نور الشريف زميله وصديقه عادل إمام في هذه الجزئية، حيث اشتهر نور بميوله القومية واعتنائه بالقضايا العربية ذات الاهتمام المُشترك، والتي على أثرها ربطته صلة شبه قوية بالرئيس الليبي معمر القذافي الذي كان يغذي هذا الاتجاه ويدعمه ويشجع عليه.
ومن هذا المُنطلق حاول الفنان محي إسماعيل إقناع القذافي بتجسيد شخصيته عبر شاشة السينما من خلال فيلم عظيم الإنتاج يتم تصويره على غرار فيلم «أسد الصحراء» للمخرج السوري الكبير مصطفى العقاد والذي يُجسد حياة عمر المُختار. وقد شرع محي بالفعل في التحضير للشخصية وإعداد الشكل الخارجي لها على أن يلعب هو دور البطولة لكن المشروع باء بالفشل لأسباب غير معلومة فمضى الحُلم وبقيت الذكرى.