دائماً ما تُثير أدوار النجم الشاب محمد رمضان الجدل، خاصة أن الشخصيات التي يجسدها تلتحم بالواقع الشعبي المصري، وتُمثل شريحة معينة من ذوي الجرأة المُفرطة في السلوك والتصرف وحدة الطباع، غير أنها على جانب آخر تُقدم صورة حية لشهامة أولاد البلد، وإقدامهم ومروءتهم فتُخاطب في الجمهور نوازع البطولة الفردية، وتُغذي في المفتونين بهذا النمط، الرغبة في تحدي الواقع الذي يعانون فيه ويلات الظُلم وافتقاد العدالة الاجتماعية في صورها كافة.
بهذه التركيبة الإنسانية الفريدة المتوافرة في معظم شخصيات محمد رمضان الدرامية، تتزايد أعداد مؤيديه وتتسع قاعدة جمهوره، كونه يحرص باستمرار على ثبات العلاقة العاطفية بينه وبين مُريديه، بالشكل الذي يراه هو مُتفقاً مع قناعاتهم وثقافتهم الشعبية والبيئية في محيط تأثيره القوي، بعيداً عن فلسفة التنظير والتفسير لمن ينتقدونه ويرون في أعماله دعوة للعنف وتحريض على البلطجة.
لقد قدم المُمثل الذي لم يصل بعد إلى سن الأربعين من عمره عشرات الأدوار المُختلفة والمُتشابهة، وحصد ما حصده من أموال وشهرة وسمعه فنية تؤكد تمتعه بالموهبة، وتعكس إصراراً قوياً من جانبه على السباحة ضد التيار، واتباع أسلوب الشغب الفني مع من يحاولون استفزازه، والتقليل من قُدراته، وهي طريقة تدفع به في أغلب الأحيان إلى التقدم نحو الهدف في مسار الشهرة والانفراد بالقمة، على حد تصوره واعتقاده.
في آخر جولاته الدرامية في الموسم الرمضاني الفائت، كان لمحمد رمضان نصيب الأسد من المُتابعة الجماهيرية، فقد حاز مُسلسله «جعفر العُمدة» على أعلى مُعدلات المُشاهدة بين المُسلسلات المُنافسة، وكالعادة دار جدل واسع حول الحلقات التي كتبها وأخرجها المخرج والسيناريست محمد سامي وتم التركيز بصفه خاصة على دور جعفر، ذلك الرجل المزواج المُهاب في منطقة نفوذه ومحل إقامته، فهو المعلم والبلطجي وابن البلد الشهم وفاعل الخير وربيب المشاكل وزينة رجال الحي، أي أنه يجمع بين كل المُتناقضات والأضداد، ويتمتع بالصفة وعكسها، فالناس تُحبه وتخشاه وتهابه وتحتمي به وتكرهه وتنتمي إليه! إنها الشخصية الثرية التي تتعامل مع الواقع بكل مُقتضياته، وترتدي أكثر من قناع حسب الظروف والأحوال، فإن تطلب الأمر الحسم والشدة، كان الرجل جاهزاً للمواجهة يخوض معاركة بكل بسالة وجدارة، ويخرج منها مُنتصراً ظافراً، أما إن استدعى المجال حواراً ليناً وأسلوباً مُهادناً، توافرت له مُعطيات الرزانة والهدوء والتعقل وصار هو المؤتمن والموقر وصاحب الكلمة المسموعة، لدى الكبير والصغير، ومن ثم أصبح الشخصية المُفضلة للمرأة الشعبية التي يجذبها هذا النمط من الرجال باعتباره السند والحماية. ولأن مفهوم الرجولة مُرتبط في الأحياء الشعبية، وفي الذهنية النسائية بالهيمنة والقوة والجسارة والفروسية، لجأ الكاتب والمخرج محمد سامي إلى ربط فكرة تعدد الزوجات عند جعفر بهذا المفهوم النسوي البدائي كمبرر لزواج البطل من أكثر من امرأة، وهي صورة ليست كاريكاتيرية في المُطلق، وإنما تتصل إلى حد ما بالواقع الشعبي في ظروف خاصة واستثنائية، فكم من رجال لهم الخصائص نفسها يرتبطون بأكثر من زوجة ويعيشون في حالة من الوئام والانسجام مع زوجاتهم، ولديهم القُدرة الفائقة على السيطرة والضبط والربط، ومن ثم لا يُمكن اعتبار هذه الجزئية هي العوار الرئيسي في الحبكة الدرامية.
كما أن الأهم من فكرة تعدد الزوجات هو البعد الذي ينطوي على ملمح آخر يخص قبول المرأة المصرية ذاتها، بأن تكون مجرد إضافة في حياة رجل لا يكتفي من الزواج الشرعي بواحدة فقط، ويرى في ممارسته القمعية ضد زوجاته أحياناً نوعا من إثبات رجولته، والأغرب في الحدوتة هو ذلك الامتثال، أو الانصياع الكامل للأوامر والنواهي من جانب كل الزوجات اللائي جسدت أدوارهن « زينة ومي كساب وإيمان العاصي ومنه فضالي بلا تبرم أو اعتراض، اللهم إلا في حدود معينة وفي إطار من الدلال بغية الوصول لهدف أو غاية، وهو ما يُقابله تجاوب محسوب ومُقنن من جانب الرجل الخارق جعفر العُمدة صاحب السُلطة والسُلطان.
أما الشيء الذي لم يلتفت إليه أحد في هذا المُسلسل ذي الصيت والسمعة، هو توقيت العرض الأول الذي جاء في شهر رمضان الكريم، ليتزامن مع صيحات التحرر التي تتعالى بها أصوات النساء والفتيات وتدعمها مؤسسات ومُنظمات حقوق المرأة، مُنددة بالوصاية المزعومة للرجل المصري على المرأة، التي تسلبها جُل حقوقها، الأمر الذي ترتب عليه التفكير في صياغة بنود جديدة لقانون الأحوال الشخصية، لتحل محل البنود المُختلف عليها والمقوضة لحرية المرأة المصرية من وجهة نظر البعض.
والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا الصدد.. هل كانت الرسالة التي تم تضمينها في المُسلسل تُشير إلى ظاهرة تعدد الزوجات في الأوساط الشعبية باعتبارها حالة قائمة ومقبولة، بغض النظر عن رفضها من جانب المُتشددات صاحبات الصوت الأعلى في مُنظمات حقوق المرأة، أم أن المسألة جاءت بمحض الصدفة، كنوع من الحشو الدرامي المُثير للاهتمام والمُنسجم مع كاركتير جعفر العُمدة؟ أعتقد أن هذا الملمح كان جديراً بالمناقشة قبل الانشغال بأداء محمد رمضان وتقييم دوره مُنفصلاً عن سياق العمل ككل.
كاتب مصري