تونس ـ «القدس العربي»: تعيش تونس على غرار بلدان منطقتها شحا مائيا يكاد لا يُسمع له صدى إلا فيها، كما جميع الأزمات التي تشترك فيها مع هذه المنطقة المغاربية. ويعود سبب هذه الأزمة إلى ظاهرة الاحتباس الحراري التي طغت على الكوكب الأزرق في السنوات الأخيرة والتي تسببت في حصول نقص في التساقطات من الأمطار والبرد والثلوج. ففي هذا الموسم الفلاحي على سبيل المثال عرف التونسيون ربيعا في ذروة فصل الشتاء ارتفعت فيه درجات الحرارة بشكل غير مسبوق وانعدمت التساقطات أو كادت، حتى شحت الكثير من السدود من المياه أو تراجع مخزونها باعتبارها لم تتزود بالكميات اللازمة.
وتسبب نقص الأمطار في حالة من القلق بعد تراجع مخزون مياه الشرب والمياه المستعملة في القطاع الفلاحي وهو ما جعل الشركة التونسية لتوزيع واستغلال المياه، وهي الشركة الوطنية التي تحتكر هذا المرفق العام، تقرر قطع الماء ليلا على كثير من المناطق إلى غاية شهر أيلول/سبتمبر في سلوك غير مألوف بالنسبة إلى التونسيين. كما جعل هذا الأمر وزارة الفلاحة تصدر قرارا يقضي بالحد من استعمال المياه الصالحة للشرب في الفلاحة وفي سقي المساحات الخضراء وفي تنظيف الشوارع والأماكن العامة وفي غسل السيارات.
نقص حاد
ولعل ما يزيد من حالة القلق لدى التونسيين هو اقتراب الموسم السياحي مع ما يعنيه ذلك من كثرة استهلاك للمياه في المسابح ومدن الترفيه والألعاب المائية، وفي الحمامات الاستشفائية والعلاجية وغيرها، في بلد يعج بالفنادق من الشمال إلى الجنوب، ويزوره ملايين السياح خلال الموسم السياحي وخارجه. وبالتالي فإن التفكير بجدية في توفير حاجيات الموسم السياحي من الماء يبدو ضرورة ملحة لإنجاح هذا الموسم الواعد الذي تبشر به كثرة الحجوزات، ولربما تكون كميات الأمطار الهامة التي عرفتها البلاد خلال شهري نيسان/أبريل وايار/مايو قد ساهمت في حل جزء من هذا الإشكال.
ورغم هذه الأمطار المشار إليها فإن نسبة امتلاء السدود التونسية ما زالت دون المأمول، فهي منخفضة مقارنة بسنوات سابقة ولم تتعد إلى حد الآن 30 في المئة من طاقة استيعابها القصوى. ويعد سد سيدي سالم، أهم السدود على الإطلاق باعتباره المزود الرئيسي بالماء لكبرى مدن البلاد ولعدد هام من المناطق السياحية والأراضي الفلاحية، لذلك فإن ارتفاع مخزونه المائي مع الأمطار الأخيرة التي عرفتها البلاد سيساهم في تحسين الوضع المائي حسب تأكيدات عديد الخبراء.
حلول عديدة
وتتجه تونس لمواجهة هذا الشح المائي إلى حلول عديدة منها تحلية مياه البحر، وبدأت في إنشاء بعض المحطات مثل محطة الزارات بخليج قابس بالجنوب الشرقي للبلاد ومحطات أخرى بأماكن متفرقة. ومن الحلول التي ستنتهجها البلاد لمقبل السنوات إنشاء محطات رسكلة المياه المستعملة لاستغلالها في تنظيف الشوارع والعناية بالحدائق، كل ذلك بالإضافة إلى التحكم الجيد في الثروة المائية والحرص على عدم ضياعها.
وهناك حديث عن استغلال المياه الجوفية في أقصى الجنوب التونسي أي الأقاليم الصحراوية، التي توكد دراسات تم القيام بها على توفرها على مخزون مائي هام بالإمكان أن تستفيد منه مدن وقرى الجنوب والمناطق الصحراوية. كما بالإمكان استغلال تلك المياه في النشاط الفلاحي سواء لسقي واحات التمور أو لخلق زراعات جديدة بتلك الربوع القاحلة لتوطين السكان والتصدي لخطر التصحر وزحف الرمال.
مشكلة قديمة
عيسى حليمي المهندس في مجال البيئة والمحيط والخبير لدى المنظمات الدولية في المياه يؤكد في حديثه لـ«القدس العربي» أن مشكلة الجفاف في تونس ليست بالجديدة بل قديمة وتتجدد كل سنة تقريبا. وقال: «مشكلة الجفاف تتعلق بندرة المياه التي لها تأثيرات على الموارد الطبيعية جملة وبالتالي على الاقتصاد وأيضا على طبيعة العلاقات الاجتماعية سواء في تونس أو في العالم العربي، وأسبابها تعود إلى عدة عوامل منها ما هو طبيعي ومنها ما هو ناتج عن العنصر البشري بالأساس.
وبلدان شمال أفريقيا هي أكثر المناطق في العالم تأثرا بالتغيرات المناخية وكذلك الشأن بالنسبة لجنوب فرنسا والضفة الشمالية للبحر المتوسط عموما. فهذه المناطق تعاني بشدة من مشكلة الجفاف ونقص التساقطات وقد أثر ذلك على تزويد المناطق العمرانية بمياه الشرب. والجفاف يكون موسميا أو سنويا أي قد تأتي سنة مطيرة تتبعها أخرى غير مطيرة، ويمكن أن يستمر الجفاف لمدة سنتين أو أكثر كما الحال في الجزائر وتونس والمغرب».
تغير المناخ
أما عن دور المتغيرات المناخية في نقص وندرة مياه الأمطار فيجيب محدثنا قائلا: «إن تزايد التغيرات المناخية وحدة الاحتباس الحراري هو الأساس في نقص مياه الأمطار، وتغير المناخ يعتبر من أهم العوامل التي تؤدي إلى زيادة مشكلة الجفاف في تونس والعالم العربي حيث يتسبب هذا التغير في تقليل الأمطار وارتفاع درجات الحرارة مما يؤثر سلبا على الموارد المائية بشكل عام. وعندما نتحدث عن نقص في كميات الأمطار فإننا نعني المناطق الشمالية في تونس التي تعتمد على مياه السيلان ويتم فيها تزويد المناطق العمرانية بمياه الأمطار التي تسيل في الأودية والتي تم حصرها في السدود، وذلك بعكس المناطق الجنوبية التي تتزود بالأساس من المياه الجوفية التي تأثرت أيضا بسبب الطلب المتزايد عليها مما أثر في كمياتها ونوعيتها».
ويعتبر الخبير التونسي أن ندرة المياه خاصة العذبة هي مشكلة تواجه كل المناطق العربية، فقد أصبحت تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان أمرا صعبا برأيه، وكذلك توفير حاجيات الزراعة التي تستحوذ على ما يقارب من 70 إلى 80 في المئة من الاستخدام الجوفي للمياه، وهي من الأهمية بمكان باعتبارها تؤمن الأمن الغذائي للمواطن. كما اعتبر محدثنا أن الصناعة والسياحة هي قطاعات حيوية وتمس المواطن بشكل مباشر وبالتالي وجب توفر كميات هامة من المياه لتلبية حاجيات هذه القطاعات.
ويرى حليمي أن من أسباب ندرة المياه، بالإضافة إلى الأسباب الطبيعية المرتبطة بالمناخ بصفة عامة، العنصر البشري، حيث يزداد عدد السكان في تونس بشكل مستمر مما يؤدي برأيه إلى زيادة الطلب على المياه ويجعل من الصعب تلبية الاحتياجات. وبالإضافة إلى تزايد الطلب بتزايد أعداد البشر، يرى محدثنا أن نوعية الحياة البشرية تتطور من سنة إلى أخرى وترتفع معها حاجيات الفرد ومن ذلك حاجته إلى الماء الذي تتنوع استعمالاته مع هذا التطور في نوعية الحياة.
وفيما يتعلق بالحاجيات الفردية للمواطن يعتبر محدثنا أنه على سبيل المثال تتزود تونس الكبرى، أي الولايات الأربع للعاصمة، من مياه السيلان يوميا بقرابة 120 لترا في الثانية، أما الوطن القبلي أي ولاية نابل، التي تعتبر من المناطق المحظوظة في تونس فإنها تتزود يوميا بـ99 لترا. أما المناطق الريفية فإن حاجياتها اليومية تبلغ 23 لترا، والمعدل في أفريقيا هو في حدود 60 لترا بعكس فرنسا التي تعتبر مطيرة مقارنة بالمناطق العربية وتتزود بما يقارب الـ 150 لترا في الثانية كمعدل عام.
ويضيف محدثنا قائلا: «هي إحصائيات قدمتها الشركات المختصة بتزويد المواطن بالمياه الصالحة للشرب وهي توضح التفاوت بين مختلف المناطق في الدولة الواحدة وبين مختلف الدول. وبالتالي الاحتياجات اليومية لا بد من مراجعتها وهو ما يتم الآن من خلال مراجعة التزود بمياه الشرب للمواطن في ظل هذا الشح المائي الذي تعيشه كثير من البلدان ومنها تونس».
سوء الإدارة
ويعتبر عيسى حليمي أيضا أن من الأسباب التي تعود إلى العنصر البشري، الإهمال للقنوات المائية التي تم إنجازها والسدود وغيرها، بالإضافة إلى سوء الإدارة وذلك في بعض الدول التي تدهورت بناها التحتية للمياه والري. وقد أثر ذلك سلبا، وحسب محدثنا، على قدرة هذه الدول، ومن بينها تونس التي تدهورت بناها التحتية المائية خلال العشرية الماضية ولم يقع تجديد وصيانة الشبكات فيها، على مواجهة مشكلة المياه.
ويضيف محدثنا قائلا: «أمام كل هذه المعضلات لا بد من مراجعة إدارة السياسات المائية في تونس والعالم العربي وملاءمتها مع الوضعية الحالية والمتغيرات الحاصلة في العالم. ففي السنوات الماضية كان هناك التصرف في الطلب أما الآن فلا بد من التصرف في العرض لأن الكميات أصبحت لا تفي باحتياجات القطاعات الاقتصادية. وعلى الرغم من أن هذه الأسباب ليست شاملة إلا أنها تعتبر رئيسية لمشكلة الجفاف في تونس وجوارها».