في أول يونيو/حزيران من كل عام تجتمع لجان الجوائز في المجلس الأعلى للثقافة التابع لوزارة الثقافة، لتعلن الفائزين بالجوائز في أنواعها الأربعة. التشجيعية والتفوق والتقديرية والنيل. لكل جائزة فروع أربعة هي الفنون والآداب والعلوم التكنولوجية والعلوم الاجتماعية. جائزة الدولة التشجيعية يتقدم إليها من يريد، ويتم أيضا الترشيح لها من جهات غير المؤلف، وكانت إلى سنوات قريبة يُحدد عُمر من يفوز بها، بأقل من أربعين سنة، لكن تم إلغاء هذا الشرط وصارت مفتوحة لكل الأعمار. بعض الكتّاب الأكبر سنا ممن فاتتهم الجائزة من قبل فازوا بها، خاصة أنهم لم ينالوا حظهم في الجوائز الثلاث الأخرى الأكبر قيمة. قيمة جائزة الدولة التشجيعية خمسون ألف جنيه، وقيمة جائزة التفوق مئة ألف جنيه، وقيمة الجائزة التقديرية مئتي ألف جنيه، وقيمة جائزة النيل خمسمئة ألف جنيه.
ولا تتصوروا أنها قيمة ضخمة، فمع أزمة الجنيه المصري أمام الدولار منذ سنوات، لا توجد جائزة بقيمة جائزة عربية شهيرة، لقد بدأت زيادة قيمة الجوائز في زمن الفنان فاروق حسني، حين كان وزيرا للثقافة، ثم ازدادت مرة أخرى في ما بعد في زمنه أيضا، ثم ازدادت في زمن الفنانة إيناس عبد الدايم حين كانت وزيرة للثقافة. لجنة الجائزة التشجيعية في الآداب، أعضاؤها من أعضاء لجنة القصة والرواية ولجنة الشعر في المجلس الأعلى للثقافة. لم تكن جائزة الدولة التشجيعية تثير أي ارتباك أو ضجيج. حدث ذلك مرتين فقط لأن الفائز بالجائزة كان قد سبق له الفوز بجائزة أخرى، ولم تكن جائزة التفوق أو التقديرية أو النيل تثير أيضا أي ضجيج. حدث ذلك مرة أو مرتين خلال عشرين سنة كان فيها فاروق حسني وزيرا، ورأى البعض أن الفائز بالتقديرية له عمل صحافي أكثر من العمل الأدبي، لكن تململ البعض لأن أعضاء اللجنة العليا فيهم مسؤولون عن الأجهزة الثقافية، ومن ثم يمكن أن يكونوا مع رغبة الوزارة، حتى لو لم يُعلن عنها مباشرة. كان في اللجنة العليا للجوائز رؤساء الأجهزة الثقافية مثل، دار الكتب والهيئة المصرية العامة للكتاب والهيئة العامة لقصور الثقافة ورؤساء أكاديمية الفنون مثلا، رغم ذلك فمن تابع ذلك الزمن لن يجد أكثر من فائزين أو ثلاثة فائزين، أثار فوزهم شيئا من اللغط، عبر أكثر من عشرين سنة فاز فيها ما يزيد عن الخمسين كاتبا. استطاع من رأوا في وجود أعضاء الأجهزة الثقافية في اللجان تأثيرا في الجائزة، أن يجعلوا وزارة الثقافة بعد فاروق حسني تُبعد المسؤولين الثقافيين عن التصويت حتى لو كانوا في اللجان بحكم مراكزهم الثقافية.
أصبحت الأصوات لمثقفين لا يتبوأون مراكز ثقافية، والغريب أنه من هنا بدأ لغط كل عام وازداد. المعترضون عادة على الجوائز يرون الخطأ في أعضاء اللجنة كلها، ولا يحاول أحد أن يعرف كم عدد الموافقين على الجائزة، وكم عدد الرافضين، وكم عدد الممتنعين عن التصويت، رغم أن ذلك سهل جدا بالعودة إلى محاضر الجلسات الأخيرة لكل لجنة. التعميم هو الأسهل . لقد كنت يوما عضوا في لجنة القصة والرواية، ومن ثم قمت بالتحكيم في جائزة الدولة التشجيعية، لكنني في يناير/كانون الثاني عام 2011 أعلنت ابتعادي عن اللجنة، وأيّ لجنة ثقافية رسمية. ولأن عدد المرشحين لجوائز الدولة للتفوق والتقديرية والنيل كثيرون، جعلت الوزارة لجنة وسيطة تقوم باختيار عدد مناسب من المتقدمين، ليكون تحكيم اللجنة العليا سهلا. فعلي سبيل المثال، جائزة الدولة التقديرية ثلاث كل عام، فيكون على اللجنة الوسيطة اختيار خمسة أو أربعة من المرشحين ليكون التصويت سهلا للجنة العليا. وافقت مرة على أن أكون عضوا في اللجنة الوسيطة، ثم اعتزلتها أيضا منذ سنوات وبعد عام واحد. طلبوا مني هذا العام أن أكون فيها، فأخبرتهم بأني اعتزلت اللجان منذ سنوات. المدهش أنهم أعلنوا اعتذاري، مما سبب لي شيئا من الحرج مع بعض المرشحين من الأصدقاء، الذين كانوا يرون في وجودي فائدة ما لهم. والمدهش أن أحد الكتاب الأصدقاء أخبرني بعد إعلان الجوائز أنهم نشروا خبرا مفاده أني لم أحضر اللجنة، فضحكت وقلت له أنا أصلا لست عضوا في اللجنة ومعتذرا عن اللجان منذ سنوات. أي أن مصدر الأخبار مُصِرّ على الخطأ. لم أهتم، لكني نظرت حولي لأرى كثيرا من الاعتراضات. اعتراضات تتم بشكل جميل فيتساءل المعترض لماذا لم يفز فلان وهو يستحق فعلا، واعتراضات تتم بشكل هجومي وتعميم على اللجان لأنها أعطت الجائزة لفلان أو فلانة، لكن هذه أقلها رغم ضجتها. والسؤال الذي لا يسأله أحد هو لماذا لا يتم ترشيح أسماء مهمة لها دورها إنتاجا وعملا في الثقافة. أسماء كثيرة يمكن ذكرها كتبت عنها، أو تساءلت عنها من قبل من شعراء ونقاد وكتاب قصة ورواية ومسرح. مهما كان الخطأ في اختيار بعض الفائزين، فلا بد من الإشارة إلى قصور في الترشيح الذي على أساسه يتم الاختيار. جهات الترشيح معظمها جهات أهلية وليست متأثرة بوزارة الثقافة، بل كثيرا ما تكون على ناحية أخرى منها. هل هي زيادة أعداد من يستحقون؟ أميل إلى ذلك. هل أن العدد المسموح بترشيحه في كل جائزة لا يزيد عن شخص واحد؟ ربما. الأفضل ان تكون لجهات الترشيح فرصة ترشيح اسمين أو ثلاثة أسماء في كل جائزة، خاصة في الجوائز التي يفوز فيها أكثر من شخص في الفرع الواحد، مثل الجائزة التشجيعية، أو جائزة التفوق والجائزة التقديرية. كذلك هناك شبه غضب ظهر في عدم فوز الفنان يحيى الفخراني بجائزة النيل في الفنون. الذي فاز بها يستحقها، لكن لا بد من التفكير في زيادة أعداد المرشحين لجائزة الفنون بالذات. جائزة النيل للفنون يفوز بها شخص واحد، فالجائزة على هذا النحو ينطوي تحتها الفنانون التشكيليون ومخرجو السينما وكاتبو السيناريو والموسيقيون وهكذا، وفوز واحد منهم فقط بالجائزة يحرم الكثيرين. أرى الأصح هو زيادة عدد جائزة النيل في الفنون. أن تكون للسينما بشكل محدد جائزة، وأن يكون للموسيقى بشكل محدد جائزة، وأن يكون للفن التشكيلي بشكل محدد جائزة. هناك الكثيرون في كل مجال يستحقون، وبهذا الشكل لن يكون فوز فنان سينمائي ظلما لفنان تشكيلي أو العكس. كما أن الجوائز هذا العام طرحت سؤالا أراه حقيقيا، وهو أن بعض أعضاء اللجان الرئيسية يكونون مرشحين للجائزة، وحين يتم التصويت يخرجون من قاعة التصويت حتى ينتهي. كثيرون من أعضاء اللجان فازوا بالجوائز ويستحقونها، وكثيرون لا يزالون ينتظرون، لكن خروج العضو من قاعة التصويت لا يعني انتهاء الحرج عن زملائه المصوتين، ولذلك فالأفضل لمن يتم ترشيحه من اللجان أن يقدم استقالته مبكرا من اللجنة. الترشيح يتم عادة قرب نهاية العام والتصويت في منتصف العام التالي، ومن يتم ترشيحه يعرف بشكل رسمي، لأنه من أوراق الترشيح عليه أن يقدم السيرة الذاتية له، وحسابه البنكي حتى إذا فاز يتم تحويل قيمة الجائزة إليه، وهكذا فبين الترشيح والتصويت حوالي ثمانية أشهر يمكن أن يتقدم باستقالته من اللجنة بعد الترشح، ويكون لدى اللجنة والوزارة الوقت لاختيار غيره في اللجنة، ممن سبق لهم الفوز أو لم يسبق. هذه مسألة مهة أرجو أن تجد طريقها إلى وزارة الثقافة ويتم تطبيقها، ولا أظن أن أحدا من أعضاء اللجنة في حاجة دائمة إليها، فما يحصلون عليه من مكافآت مثلا قليل جدا، ومرتبط بالاجتماعات القليلة جدا أيضا. في النهاية أهنئ الفائزين وأتمنى لغير الفائزين حظا أفضل في الأعوام المقبلة، وأرجو أن تجد اقتراحاتي طريقها إلى وزارة الثقافة، وإلى جهات الترشيح.
روائي مصري