العميد جان ناصيف في «سيرة عسكرية وعبر وطنية»: لو عاد فؤاد شهاب إلى السلطة عام 1970 لجنب لبنان حروبه ومآسيه السياسية والاقتصادية

سمير ناصيف
حجم الخط
0

يختلف اللبنانيون ومتابعو الشأن اللبناني حول صواب المواقف والسياسات التي اتبعها (في قيادته للبنان) الرئيس الراحل الجنرال فؤاد شهاب، الذي ترأس الجمهورية اللبنانية بين عامي 1958 و1964 واستمر نفوذه القوي في البلد في عهد الرئيس شارل حلو الذي قاد البلد بين عامي 1964 و1970، علماً ان شهاب توفي في عام 1973، واستمر لاعباً بارزاً على الساحة اللبنانية حتى ذلك التاريخ.

هناك جهات تصف عهد شهاب بالعهد الإصلاحي الفاعل الذي سعى إلى بناء لبنان كدولة مؤسسات محترمة اقليمياً وعالمياً، وجهات أخرى ترى في عهده دولة مخابرات تتدخل في الحياة السياسية والاجتماعية للبنانيين والعرب المقيمين على أرض لبنان بشكل مبالغ فيه عن طريق ما سمي آنذاك “الشعبة الثانية” أو “المكتب الثاني”، الذي نشط فيه ضباط لبنانيون مقربون من شهاب يقومون بمراقبة خصوم شهاب السياسيين ومحاولة منعهم من الوصول إلى المناصب السياسية الفاعلة عن طريق تزوير الانتخابات الاشتراعية وممارسة الضغوط على وسائل الاعلام وضبط منظمات المقاومة في البلد أكانت فلسطينية أو لبنانية أو قومية سورية حاولت قلب النظام في نهاية عام 1961.

أحد كبار هؤلاء الضباط (الذي ما زال على قيد الحياة) هو العميد الركن جان ناصيف، الذي يمكن أن يُلقب بـ”كاتم أسرار الرئيس شهاب”، أصدرَ مؤخراً كتاباً بعنوان: (سيرة عسكرية وعِبر وطنية) قد يُعتبر من أهم المراجع عن لبنان خلال المرحلة الإصلاحية الشهابية وما تلاها نظراً للمعلومات الخاصة والمفصلة فيه النابعة من الخبرة الشخصية للكاتب في المواقع القيادية التي احتلها في القطاع الأمني آنذاك.

وبرغم ان ناصيف يحاول اعتماد الموضوعية في هذا الكتاب ـ السيرة الذي يُهدي ريعه إلى أبناء شهداء الجيش اللبناني، فان الرئيس شهاب كان مثَله الأعلى والمؤلف يرى فيه كل الصفات الحسنة والميزات الفريدة في نزاهته ومناقبيته، ويتمنى ناصيف لو يتعلم قادة لبنان الحاليين الدروس من قيادة شهاب الحكيمة في شتى المجالات بدلاً من اعتمادهم السياسات الطائفية الفاسدة.

وبما ان الكتاب يشمل الوفرة من المعلومات عن عهد شهاب وعهود الرؤساء شارل حلو وسليمان فرنجية والياس سركيس وأمين الجميل والياس الهراوي، وعن دور العميد ناصيف خلال كل تلك العهود كأحد ثلاثة قادة لـ”الشعبة الثانية” إلى جانب قائديه العميدين أنطون سعد وغابي لحود، والذي كان ناصيف مفترضاً أن يخلفهما وأن يصبح قائداً للشعبة لو فاز الياس سركيس برئاسة الجمهورية في عام 1970، فاننا سنركز في هذه المراجعة على أهم ما ورد في الكتاب في مرحلتي الرئيسين شهاب وحلو ومن بعدهما مرحلة قيادة الرئيس سليمان فرنجية التي انقلبت خلالها الأمور عكسياً باتجاه سلبي نحو “الشعبة الثانية” بحيث اضطر بعض كبار قادتها وبينهم ناصيف اللجوء إلى سوريا ثم خضعوا للمحاكمة غيابياً وعادوا (بعد اعلان براءتهم) وانضموا إلى الجيش مجدداً ولكن من دون امتلاكهم القدرات التنفيذية الاستخبارية التي كانت لهم سابقاً في عهدي الرئيسين شهاب وحلو.

من أهم فصول الكتاب الفصل (24) في القسم الخامس منه (عهد الرئيس الياس سركيس) حيث يتحدث العميد ناصيف عن فترة الاجتياح الإسرائيلي للبناني عام 1982 وانتخاب بشير الجميل رئيساً ثم اغتياله وحلول شقيقه أمين في ذلك المنصب مباشرة من بعده. يقول ناصيف في ذلك الفصل: “لعل المرحلة الأكثر إيلاماً في مسيرتي العسكرية كانت مرحلة الاجتياح الإسرائيلي للبناني الذي بدأ في 6 حزيران (يونيو) 1982 بعد أيام قليلة على انتهاء مهمتي في الجنوب اللبناني. كم كان صعباً علينا كضباط في الجيش نتبع تطور الاحداث الميدانية في تلك الأيام السوداء…

ففي 13 حزيران (يونيو) حاصرت الدبابات الإسرائيلية محيط (ثكنة شكري غانم) في الفياضية ثم تقدمت نحو سرايا بعبدا التي دخلوها ثم توجهوا إلى محيط وزارة الدفاع والقصر الجمهوري… وفي صباح 14 حزيران (يونيو)، أبلغنا ضابط لبناني من الثكنة ان الضابط الإسرائيلي، قائد المجموعة المحاصرة، يريد الاجتماع بقائد الثكنة… وانتدبني قائد الثكنة للقيام بهذا الدور لأسبابه الصحية… فاشترطت ان أتكلم مع الضابط الإسرائيلي خارج حرم الثكنة، ووضعت يدي خلف ظهري لكي لا أصافحه وطلبت عدم تصوير اللقاء وإلا انسحبت… أبلغني الضابط الإسرائيلي رسالة تهديد بانه لو أُطلقت رصاصة واحدة من الثكنة سيأتي الطيران الإسرائيلي ويدمر الثكنة بالكامل… فأبلغته بانه لا يجوز ان تبقى الدبابات الإسرائيلية في مكانها فهي قريبة من منازل الضباط وقائد الجيش وعائلاتهم، وكان إلى جانبه شخص لبناني من حزب مؤيد لإسرائيل ولهجومها فنهرته وعدت إلى الثكنة… وفي اليوم التالي، غادرت الآليات الإسرائيلية منطقة الفياضية ومحيط وزارة الدفاع والقص الجمهوري بعد تدخل الأمم المتحدة والدول — الفاعلة عالميا”. (ص255).

هذا المشهد ربما يلخص (برأي البعض) موقف الرئيس فؤاد شهاب وحلفائه والشهابية عموماً إزاء العدو الإسرائيلي وميول شهاب العربية.

فالرئيس فؤاد شهاب، كان ينسق في معظم مواقفه الأساسية (عندما كان في موقع القيادة وبعدما ترك القيادة وبقي فاعلاً في عهد الرئيس حلو) مع الرئيس المصري جمال عبد الناصر، أكان ذلك بالنسبة لاختيار من يخلفه أو في السياسات اللبنانية الأمنية باتجاه “منظمة التحرير الفلسطينية” والمنظمات الفلسطينية المسلحة أو الأحزاب القومية على الأراضي اللبنانية، حسب ما قال المؤلف.

وبالتالي، حصل إشكال عندما تم توقيع (اتفاق القاهرة) بين لبنان بقيادة الرئيس شارل حلو والمنظمة الفلسطينية بقيادة الرئيس ياسر عرفات في عام 1969. ويعرض ناصيف تفاصيل هذه المشكلة وكيف ساهم الرئيس فؤاد شهاب بحلها وخصوصاً بعد حصول خلاف بين الرئيس اللبناني شارل حلو وقائد الجيش اللبناني آنذاك العماد اميل بستاني الذي كلفه وأوفده حلو لبحث الاتفاق في القاهرة فبادر إلى توقيع الاتفاق بمبادرة منه.

يوضح ناصيف أن حلو كان متردداً في مكالماته مع العماد بستاني وتعليماته له فكان يقول له: “أنت تصَرَّف وانا بغطيك بعدين. فاعتبر عرفات ان هذا التردد كان مبررا له بعد اكتشافه تحريضاً أمريكياً للدولة اللبنانية على عدم القبول بالوضع الفلسطيني المسلح في لبنان. فشنت حملة عربية ضد ذلك الموقف المتردد مما أضعف الموقف اللبناني، فأصر عرفات على التوقيع السريع وهكذا كان.

ويضيف ناصيف: “في نهاية اليوم الذي تلا قدوم عرفات إلى القاهرة (2 تشرين الثاني 1969) وبعدما قام بستاني بمبادرة فردية بتوقيع الاتفاق عن الجانب اللبناني: “فوجئنا نحن (الشعبة الثانية وقيادتها) بابلاغنا من زميلنا سامي الخطيب بان اتفاقاً قد أُنجز ووقع وهو اتفاق سري (في أجزاء منه) وان الاتفاق ليس في مصلحة لبنان ولا يثبّت سيادته بقوة”. (ص 124)

ويستطرد ناصيف قائلاً: “اتصل بي العماد بستاني بوجوب بث البيان حول الاتفاق في نفس الوقت في لبنان ومصر (الثامنة مساء). أطلعت المقدم غابي لحود على النص فطلب مني اطلاع الرئيس حلو ورئيس الحكومة رشيد كرامي على ما وردَ، فوافق حلو وكرامي على وجوب عرضه على الرئيس شهاب لأخذ رأيه”. (ص 124)

ويضيف: “أول تعليق للرئيس شهاب كان استغرابه الشديد لما حدث، ثم طلب استبدال تعبير (الامة العربية) بـ(الدول العربية) للإشارة إلى ان الاتفاق يعني وزيري مصر (للدفاع وللخارجية) اللذين وقّعا عليه وليس كل الامة العربية إذ ان الوزيرين لديهما صفة في (الجامعة العربية) وفي (الدفاع العربي المشترك) تتجاوز صفتهما المصرية تجعل الاتفاق ملزماً بشكل أوسع. (لعل شهاب تشاور مع عبد الناصر حول هذا الموضوع، كما كان يفعله في المواضيع الأخرى). وأضاف شهاب (آنذاك حسب المؤلف) أن البيان اللبناني في الصحف ووسائل الاعلام اللبنانية حول الاتفاق يجب ان يصدر على هذا النحو المعدل. — وهكذا كان… وقال كرامي بعد ذلك: “قلتلكم إن المعلم الرئيس شهاب بينظر أبعد منا”… تردد الرئيس حلو، (حسب ناصيف) جعل البيان يصدر بنصين مختلفين أحدهما غير واضح حول سيادة الجيش اللبناني الكاملة على جميع الأراضي اللبنانية… والآخر أكثر وضوحاً. طبعُ الرئيس حلو الشخصي ربما منعه من استشارة الرئيس عبد الناصر ودول عربية أخرى (برأي المؤلف) مع أن الوضع كان يتطلب منه موقفاً قوياً وسريعاً وحازماً لفرض البند (13) من الاتفاق فرضاً كاملاً حول سيادة الجيش اللبناني الحاسمة على جميع الأراضي اللبنانية”. (ص 126) والرئيس شهاب حسم هذا الأمر بعد استشارته من جانب أركان السلطة وهو خارجها إسمياً.

ويضيف الكاتب انه “بعد انتخاب سليمان فرنجية رئيساً عام 1970 عملت الجهات الفلسطينية على توسيع وجودها وتسلحها متلطية ببنود (اتفاق القاهرة). واعتباراً من عام 1973 (بعد وفاة الرئيس شهاب وقبل ذلك وفاة الرئيس عبد الناصر) تجاوزت كل الضوابط المتواضعة التي كان (اتفاق القاهرة) وضعها بحيث أصبحت تتمتع بحرية تحرك شبه كاملة. وفي أيار (مايو) 1973 حصل (اتفاق ملكارت) لإجراء تعديلات على (اتفاق القاهرة) لكن (ملكارت) بقي دون فاعلية، فأصبح الفلسطينيون هم الأسياد الحقيقيون على حساب سيادة واستقرار لبنان”. (ص 128).

وفي 6 كانون الأول (ديسمبر) 1970 أقيل العماد بستاني من قيادة الجيش لعدة أسباب أهمها مبادراته الفردية في توقيع (اتفاق القاهرة) وطموحاته للوصول إلى الرئاسة في لبنان، وصفقات عسكرية ارتبط بها وخلافاته مع الرئيس حلو وعدم مشاورته مع الرئيس فؤاد شهاب. وعُين العميد جان نجيم مكانه. (ص 129)

علاقة المؤلف و(الشعبة الثانية) مع العماد جان نجيم “كانت جيدة نسبياً… كما أعلن النقيب لحود بانني (أي ناصيف) ساخلفه في قيادة الشعبة الثانية، لكن انتخاب سليمان فرنجية ومقتل العماد نجيم بسبب تحطم مروحيته العسكرية بدلا الأمور”. (ص 130)

يؤكد الكاتب انه “مع اقتراب الاستحقاق الرئاسي في آب (أغسطس) 1970، كانت الاكثرية في مجلس النواب تحبذ إعادة ترشيح الرئيس فؤاد شهاب للرئاسة لإكمال عملية الإصلاح، كما أتت مبادرات إيجابية في هذا الشأن من الرئيس جمال عبد الناصر والرئيس الفرنسي شارل ديغول، ولكن شهاب رفض العودة معتبراً بان البلد لا يقف على شخص وتمنى انتخاب شخص إصلاحي كوزير التصميم الكتائبي الراحل موريس الجمّيل، ولكن نسيبه (زوج اخته) الشيخ بيار الجميل تحفّظ حول ذلك الخيار، حسب المؤلف” (ص 132)

ويؤكد الكاتب بانه لو ترشح الرئيس شهاب في عام 1970 للرئاسة لكان الشيخ بيار الجميل فكّ تحالفه مع ريمون إده وكميل شمعون لتأكده بانه سيحافظ على التمثيل الكتائبي الكبير في البرلمان في ظل رئاسة فؤاد شهاب ولكان كمال جنبلاط انتخب شهاب وتجاوز (قضية طائرة الميراج) وانزعاج الاتحاد السوفييتي منها. لو ترشح شهاب (حسب ناصيف) في عام 1970 لحصل على 65 صوتاً من أصوات النواب الـ99″. (ص 135)

ويضيف الكاتب: “عندما أرسل شهاب حليفه سامي الخطيب إلى الرئيس عبد الناصر لإبلاغه اختياره الياس سركيس ليمثله في انتخابات رئاسة الجمهورية في عام 1970 ضد سليمان فرنجية، أجاب عبدالناصر بصراعة: “سركيس أنا معرفوش… نحن نرغب بترشيح الرئيس شهاب ونحترمه وسوف نتعاون معه كما تعاونا في السابق”. (ص 135 أيضا).

ثم يقول ناصيف: “بعد هزيمة سركيس في انتخابات الرئاسة، تم إبعاد ضباط (الشعبة الثانية) عن القرار، وحاول العماد جان نجيم الذهاب في منحى آخر، لكن الضغط السياسي على فرنجية (من الجبهة اللبنانية وصائب سلام وحلفائهما) أدّى إلى تعيينهم ملحقين في سفارات في الخارج ثم محاكمة بعضهم (بعدما تركوا الأراضي اللبنانية) وإذلالهم وطردهم من المؤسسة العسكرية فالتحق ناصيف بزملائه سامي الخطيب وسامي الشيخة وكمال عبدالملك في سوريا طالبين اللجوء السياسي. (ص 141)

وفي خضمّ هذه التطورات توفي الرئيس فؤاد شهاب خلال وجود ناصيف ورفاقه في دمشق. وكانت وفاته صدمة قاسية للمؤلف، وقيل له من المقربين من شهاب إن ألَم الرئيس الجنرال المعتكف ساهم في إصابته بنوبة قلبية أودت بحياته في نيسان (إبريل) 1973 (أي منذ حوالى الخمسين عاما)، مما (برأي ناصيف) “ترك الساحة حرة للعبة الدول مباشرة أو من خلال أدواتها وميليشياتها الداخلية ووسائل الإعلام المحرِّضة التابعة لها.

وفي الصفحة (180) من الكتاب يعرض الكاتب ماذا قال الرئيس فؤاد شهاب عما تعرّض له ضباطه من قادة (الشعبة الثانية) في حديث (مجلة الصياد) في 7 كانون الأول (ديسمبر) 1972 مع الياس ربابي، (علماً ان شهاب لم يكن يحبذ التحدث إلى الصحف والإعلام وانه أدلى بهذا الحديث أربعة أشهر ونصف قبل وفاته نتيجة لنوبة قلبية مفاجئة في نيسان (ابريل) 1973).

في المقابلة قال شهاب: “الشباب (ضباط الشعبة الموالين له) لا يستحقون هذه المعاملة إذ ليس من السهل تنشئة أو إبدال أمثال لهم في أسبوع أو شهر أو سنة. لقد أُبعدوا في درب تصفية الحسابات، لقد عُوقب ضباط (الشعبة الثانية) ثلاث مرات، عوقبوا بالإبعاد والتوقيف والتسريح وقطع الرزق والوقوف أمام القضاء… هذا ظلم لا يحدث في أي بلد.. آمنت بلبنان وطناً وأمة ولم أؤمن به إقطاعيات وطوائف وعشائر كل منها يحسب نفسه صاحب الحق باحتكار المكاسب على حساب الوطن ولا لقنصليات وسفارات الماضي الطامعة للهيمنة بفضل اصدقائها من منفذي مشيئتها ومشاريعها… أردت دولة تضمن للمواطن الانسان حياة كريمة”. أسأل نفسي: “ألم يكن على حق أولئك الذين كانوا يريدون مني أن أحكم كديكتاتور؟ يا ليتني فعلت”. (ص 183). ويؤكد الكاتب ان شهاب ندم على عدم ترشحه للرئاسة في عام 1970، وانه لو عاد للرئاسة كان سينجح باستباق الكثير من الازمات الصعبة التي تعرّض لها لبنان لاحقا.

جان ناصيف: «سيرة عسكرية وعبر وطنية»
المطبعة العربية، بيروت 2023
424 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية