«ضربات»: فيلم هولندي يرصد العنصرية ضد العرب!

قضية الهجرة من دول الشمال الافريقي إلى أوروبا، كانت وما زالت قضية رئيسية في السينما العربية والعالمية، على حد سواء، فالدول التي تتم الهجرة إليها تسعى جاهدة لوقف تدفق المهاجرين، مُتبعة في ذلك الأساليب السياسية والثقافية والإبداعية، للحد من تضاعف أعداد النازحين إلى أراضيها من كل حدب وصوب، للهروب من قسوة الحياة في بلادهم ووسائل تضييق الخناق عليهم في الرزق والمعيشة والمُشاركة السياسية، خوفاً من التمرد والعصيان.
أما الدول التي تتم الهجرة منها فبدورها لا تطمئن لفكرة النزوح الجماعي وهجرة الأوطان، وتخشى على مستقبل ومصير البلاد من ابتعاد أبنائها واستقرارهم في أوطان غير أوطانهم، فهي تقبل بوجود خلافات في وجهات النظر حول نمط الحياة، ولا مانع لديها من ممارسة سياسية معارضة من جانب مواطنيها، شريطة الالتزام بالقانون والدستور في الحصول على الحقوق المشروعة لهم، لاسيما أن إقرار مبدأ الهجرة بشكل مُطلق من شأنه أن يُعرض الأوطان والمواطنين لعواقب وخيمة.
من هنا بقيت قضية الهجرة قضية مُعضلة وطرحها سينمائياً يُعد من الأولويات التي تحتاج للكثير من مُعطيات البحث والتقصي، للوقوف على الحقائق كاملة قبل القطع بفساد فكرة الهجرة ورفضها رفضاً نهائياً، أو قبولها والانحياز لها والدفاع عنها باعتبارها باباً من أبواب الخلاص وطاقة أمل للمُضارين في بلادهم، والعائشين على هامش الهامش في واقع أشد قسوة من واقع الهجرة غير الشرعية في بلاد الغير.
النماذج التي تعرضت لمشكلة الهجرة كثيرة ومُتنوعة في أفكارها وإطاراتها وطُرق مُعالجتها، فهناك العديد من التجارب العربية والعالمية، اختصت بهذا الطرح وعرضت وجهات نظر مُتباينة حول مفهوم الهجرة وأسبابها وأخطارها. ولعل الفيلم الأشهر في هذا الصدد هو «أمريكا» للمخرجة الفلسطينية شيرين دعبس، التي قدمت نموذجاً لمسيرة الأسرة الفلسطينية الحائرة في أمريكا، وناقشت بجرأة مظاهر العنصرية البادية في سلوكيات بعض الأمريكيين تجاه العرب، رغم أنها عرضت أيضاً لصور التحمل والصمود في سبيل الاستقرار، واستطاعت أن تُعطي ملامح كثيرة للمُعاناة من أجل البقاء والاستمرار، لتجاوز الأزمات المُركبة التي تعرضت لها البطلة هي وأبناؤها وكادت أن تهلكها لولا ثباتها وصلابتها.

أيضاً كان للسينما المصرية نصيب من الإبداع الخاص بهذا الشأن وربما يأتي فيلم «أمريكا شيكا بيكا» للمخرج خيري بشارة في مقدمة الأفلام التي ناقشت بجدية سراب الحُلم الأمريكي، ورغبة بعض الشباب المصري في أن ينعم بالحرية المزعومة ويحظى بالمكاسب المادية والمعنوية، التي يسمع عنها ولا يراها أو يلمسها.
وعلى الصعيد العالمي نلحظ اهتماماً خاصاً من مُخرجين لهم وجهة نظر في هذه المسألة كالمخرج الهولندي ألبرت تير هيردت، الذي قدم في عام 2007 فيلمه المهم «ضربات» واصفاً تفاصيل رحلة المُهاجر من وطنه الأم إلى أي وطن آخر بالضربات المُتتالية التي يتلقاها من تدفعه الظروف للهجرة ويئن منها في صمت، كونه لا يستطيع تغيير واقعه الجديد، أو التخفيف من وطأة ما يعانيه على المستويات النفسية والعصبية والإنسانية والاجتماعية والسياسية، والأخيرة لها محل كبير من الإعراب في هذا الخصوص، فهي الأصل في المُعاناة، حيث العنصرية تجاه الآخر والتبرم من وجوده كمهاجر هي من دواعي الألم والقلق وعدم الإحساس بالأمان والراحة.
لقد طرح المخرج الهولندي في حينه ما يدل على هذه المحنة، إذ عمد إلى تقديم صورة من الصور السلبية للهجرة العربية إلى هولندا، مُعتمداً في حبكته التراجيدية على بعض القصص التي أشار إلى أنها مُستوحاة من الواقع ذاته، ولا صلة للخيال فيها، إلا في حدود التوظيف الدرامي والتعبير السينمائي اللائق بالحكايات وأبطالها العرب، أو المغاربة على وجه التحديد، حيث عرض لمأساة البطلة التي ترتبط بأحد الضباط المغاربة المُلحقين بالجيش الهولندي على خلفية حصولهم على الجنسية واندماجهم في المجتمع واعتبار أنفسهم مواطنين هولنديين. وتأتي المأساة، حسب وجهة نظر الفيلم، من تعارض ثقافة الضابط مع الثقافة السائدة في المجتمع الهولندي، فهو يرفض الزواج من حبيبته العربية بعد اعترافها له بأنها ليست عذراء، فتُصدم في مشاعرها لاعتقادها بأن حبهما يُمكن أن يتجاوز كل الشروط والتقاليد بما فيها شرط العُذرية، خاصة أن ما قالته لحبيبها الضابط الهولندي العربي كان من قبيل الاختبار ليس إلا، فهي بالفعل عذراء لكنها أرادت أن تختبر فيه خصال الشهامة والمروءة، وتتأكد من حبه لها. بهذه الافتراضية يُشير المخرج إلى استحالة اندماج المواطن العربي بشكل كامل في المجتمع الهولندي، فلا يُمكنه التخلي عن ميراثه الثقافي والمُجتمعي والقيمي، ومن ثم فلا يصح اعتباره مواطناً هولندياً بمجرد حصوله على الجنسية، وتبديل أوراقه الشخصية وهويته، وبغض النظر عن القصد الصريح للمخرج ألبرت تيرهيردت من هذا الطرح، فإن العبرة في ما أوردة في سياق فيلمه وشدد عليه، حيث أكد أن المُجتمعات الأوروبية لا تسلم بسهولة بفكرة الاندماج العربي، وأن مظاهر التعامل والتعايش الدبلوماسي السلمي، لا تعني إطلاقاً القبول بوجود عرب بنسبة أكبر من المسموح بها وأن فكرة العنصرية التي تتعامل بها أمريكا وإسرائيل مع المواطن العربي هي ذاتها الفكرة المُعتمدة في مُجتمعات أوروبية كثيرة.

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية