هل يكون ملف الهجرة ورقة الضغط التونسية لكسب الحلفاء الأوروبيين ودعم الصناديق المالية؟

روعة قاسم
حجم الخط
3

أسباب عديدة تجعل ميلوني، تتحرك في سبيل إنقاذ الاقتصاد التونسي، لعل أهمها على الإطلاق هو ملف الهجرة الذي يؤرق مضاجع الساسة في روما وفي سائر أرجاء أوروبا.

تونس ـ «القدس العربي»: تشهد تونس هذه الأيام حراكا غير مسبوق من قبل أطراف أوروبية تقوده رئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني، وذلك لإنقاذ اقتصادها من جهة ومنع تدفق المهاجرين عبر البوابة التونسية من جهة أخرى. فقد تحولت جورجيا ميلوني ومن معها إلى وسيط فعلي بين تونس وصندوق النقد الدولي يسعى لإزاحة العراقيل التي تحول دون حصول تونس على قرض من الصندوق رقم موافقة الأخير في وقت سابق على مستوى الخبراء على منح القرض. وبالتزامن يتوجه وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانان ونظيرته الألمانية نانسي فيسر إلى تونس اليوم الأحد لعقد لقاءات مخصصة للهجرة كما ذكر الجمعة الوفد المرافق لدارمانان.

يأتي ذلك في خضم تصاعد الأزمة السياسية في الداخل مع تواصل حملة الاعتقالات والملاحقات والتضييقات على عديد الشخصيات السياسية المعارضة وآخرهم أحمد نجيب الشابي رئيس جبهة الخلاص الوطني الذي مثل أمام قاضي التحقيق بتهمة التآمر على أمن الدولة التي تم على خلفيتها اعتقال ثلة من رموز المعارضة. وكانت منظمة العفو الدولية، قد دعت إلى الإفراج عن 8 موقوفين سياسيين منذ 4 أشهر.
ويلقي اليوم هذا التأزم السياسي بثقله على الوضع العام في البلاد خاصة في ظل تعقد الأزمة الاقتصادية والاجتماعية بعد تعثر قرض صندوق النقد. ويرى البعض أن ملف الهجرة هو اليوم ورقة ضغط تمتلكها الحكومة التونسية للخروج من أزماتها سواء الداخلية السياسية والاقتصادية أو فيما يتعلق بعلاقاتها مع الخارج وأوروبا خاصة بعد تحفظ عديد الدول على فرض التدابير الاستثنائية مع حراك 25 تموز/يوليو.
فهناك أسباب عديدة تجعل ميلوني، التي وصفها البعض بأنها باتت وزيرة خارجية تونس، تتحرك بكل هذا الحماس في سبيل إنقاذ الاقتصاد التونسي، لعل أهمها على الإطلاق هو ملف الهجرة الذي يؤرق مضاجع الساسة في روما وفي سائر أرجاء القارة العجوز. فتونس هي بوابة الأفارقة العابرين إلى أوروبا عبر إيطاليا التي تتداخل مياهها الإقليمية بالمياه التونسية وكذا جزرها مع الجزر التونسية، ويمكن مشاهدة أراضيها من بعض مناطق البلاد التونسية بالعين المجردة.
لقد فرضت الجغرافيا على تونس المتاخمة لأوروبا أن تتحول إلى مقصد لشعوب قارتها للعبور منها إلى سائر ربوع أوروبا، وفرضت أيضا هذه الجغرافيا على إيطاليا أن تتحول إلى بوابة للأفارقة للولوج إلى أوروبا. فهو قدر الدولتين الذي لا مفر منه والذي يجعل تظافر جهودهما بالتعاون مع متدخلين آخرين في ملف الهجرة أمرا حتميا ولا محيد عنه وفي غيابهما لا يمكن للقارتين أن تجدا الحلول لهذا الملف الحارق.
وفي هذا الإطار يرى الكاتب السياسي التونسي هشام الحاجي في حديثه لـ«القدس العربي» أن تحميل المسؤولية عن تدفق المهاجرين الأفارقة إلى أوروبا، لتونس وحدها فيه ظلم خاصة وأنها ليست لها حدود مباشرة مع بلدان أفريقيا جنوب الصحراء. فالمهاجرون تحديدا يأتون، من الجزائر وليبيا وتساهم الحروب التي تشنها بلدان غربية بمساعدة أخرى عربية وإسلامية في القارة الأفريقية في تدفق المهاجرين على تونس ومنها إلى إيطاليا.
وبالتالي فالمسؤولية جماعية، حسب الحاجي، ولا يمكن تحميلها لتونس وحدها، فهناك الجزائر التي يتدفق من أراضيها المهاجرون الأفارقة باتجاه تونس، وهناك بلدان الناتو، بما في ذلك الولايات المتحدة، وحلفاؤهم في ليبيا من دول عربية وإسلامية. وهناك أيضا، فرنسا التي أحدثت الفوضى في مالي ومن بعدها الروس من خلال مرتزقة فاغنر الذين حلوا محل الفرنسيين بطلب من الحكومة العسكرية الانقلابية في باماكو، ومع هؤلاء جميعا هناك، وحسب الحاجي، الحكومات الأفريقية المتعاقبة في جنوب الصحراء والعاجزة عن تحقيق التنمية لشعوبها والتي تخوض حروبا وإبادات وتصفيات عرقية بالوكالة.
كل هؤلاء، برأي محدثنا، يتحملون المسؤولية مع تونس عن تدفق المهاجرين الأفارقة باتجاه إيطاليا بما في ذلك إيطاليا نفسها الشريكة في عمليات الناتو في ليبيا والتي لديها أطماع في النفط والغاز الليبيين وتستفيد منهما وتتسبب في هذا الانفلات الذي تشهده الحدود الليبية. وبالتالي فإن جميع هؤلاء، يجب أن يتفقوا لإيجاد الحلول لهذه المعضلة وأن يكفوا عن تحميل المسؤولية كاملة لتونس غير القادرة على رفع هذا الحمل الثقيل لوحدها بالنظر إلى إمكانياتها المحدودة.

مؤتمر دولي

ويضيف محدثنا قائلا: «لقد تبنت الخارجية التونسية منذ فترة هذا الطرح وسعت لإقناع الأوروبيين به ويبدو أنها نجحت في ذلك بعد قبول رئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني به. فقد تحدثت الأخيرة في زيارتيها إلى تونس في أقل من أسبوع عن فكرة تنظيم مؤتمر دولي حول الهجرة تلعب فيه كل من تونس وإيطاليا دورا بارزا باعتبارهما همزة الوصل بين القارتين. فمن الظلم والاجحاف أن تتحمل الخضراء نتائج أخطاء الآخرين في هذا الملف الشائك والحساس.
وبالتالي فإن ملف الهجرة هو ورقة ضغط هامة جدا بيد الطرف التونسي بإمكانه الضغط من خلالها على الأوروبيين ليقوموا بالضغط بدورهم على صندوق النقد الدولي للموافقة النهائية على القرض. ولعل ذلك ما يفسر برأي البعض هذا الإصرار من الرئيس التونسي قيس سعيد على عدم التنازل لصندوق النقد فيما يخص رفع الدعم وكل ما من شأنه أن يمس بالاستقرار الاجتماعي للبلد باعتباره يدرك جيدا أن أوروبا المرتعبة من تدفق المهاجرين الأفارقة إلى أراضيها لن تترك تونس تواجه مصيرها منفردة».
فالجغرافيا في العلوم الإستراتيجية، وحسب الحاجي، هي عنصر من عناصر قوة الدول، والموقع الإستراتيجي لتونس في قلب المتوسط على مضيق صقلية الفاصل بين الحوضين الشرقي والغربي، وعلى الطريق التجارية الدولية الرئيسية الرابطة بين البلدان المطلة على شمال الأطلسي وشرق آسيا، وباعتبارها بوابة الأفارقة نحو أوروبا وفي تماس وتداخل مع قلب القارة العجوز وليس أطرافها، يجعل العالم في بحث مستمر عن حفظ الأمن والاستقرار في ربوعها. حتى أن أكثر من تقرير سري أمريكي مفرج عنه نشر في عديد البحوث والدراسات أكد، حسب محدثنا، على أن الولايات المتحدة تعتبر تونس دولة جارة باعتبار قرب أراضيها من الأسطول السادس الأمريكي المرابط في السواحل الإيطالية، وبالتالي فإن أمن تونس هو من أمن الولايات المتحدة حتى لا يتم استهداف هذه الأساطيل من أي جهة كانت مستغلة أي انفلات قد يحصل في تونس.

استثمارات هامة

تعتبر الباحثة السياسية والناشطة الحقوقية التونسية آمنة الشابي في حديثها لـ«القدس العربي» أن القاصي والداني يدركون أن للأوروبيين والأمريكان استثمارات هامة في تونس ومصالح وخاصة إيطاليا التي باتت منذ سنتين الشريك التجاري رقم واحد لتونس وتجاوز رقم معاملاتها مع الخضراء الفرنسيين الذين كانوا يحتلون المرتبة الأولى في الماضي القريب. وبالتالي فإن لإيطاليا وللأوروبيين والأمريكان حسب الشابي، مصلحة في استقرار تونس من خلال إيجاد حل لأزمتها الاقتصادية التي إن استمرت أكثر ستزيد إضرارا بمصالح رجال الأعمال والمستثمرين الغربيين من الإيطاليين وغيرهم.
وتضيف الشابي قائلة: «يدرك الأوروبيون جيدا أن تونس لا يأتي منها فقط المهاجرون العاطلون عن العمل من ذوي الزاد العلمي المحدود، بل فيها أطباء ومهندسون وعلماء من خريجي الجامعات التونسية تسعى أوروبا لتشجيعهم على الهجرة وجلبهم خاصة في السنوات الأخيرة. وهؤلاء يشهد بتفوقهم في مجالهم القاصي والداني بالنظر إلى أهمية الجامعات التونسية والتعليم التونسي بوجه عام مقارنة ببلدان المنطقة والذي راهنت عليه دولة الاستقلال كثيرا وخصصت له ثلث ميزانية الدولة، والذي تؤكد تفوقه المؤشرات والتصنيفات والأرقام الصادرة عن الجهات المختصة.
وأمام تهرمها السكاني، فإن أوروبا بحاجة إلى المزيد من المهاجرين ومن مصلحتها أن يحصل اتفاق للهجرة مع تونس لتستفيد أكثر من هذه الكفاءات التونسية وليس من المتدفقين بطريقة سرية من أصحاب الزاد العلمي المحدود. وما على الطرف التونسي إلا استغلال كل هذه الورقات لبناء تحالف قوي وصلب، وصناعة لوبيات تدافع عنه في الخارج وأمام الصناديق المالية والمانحين لإنقاذ هذا الاقتصاد المتهاوي منذ قرابة السنوات العشر».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية