القاهرة – «القدس العربي»: اقتحم الذكاء الاصطناعي عالم الفن والغناء بقوة، فجرى استنساخ أصوات مغنيين غربيين معروفيين، وبث الحياة في أغان قديمة. أما عربياً، بتمت محاكاة أصوات مطربين كبار كأم كلثوم وعبد الحليم وسط جدل حول المسألة.
إعلان صغير عن أغنية جديدة للسيدة أم كلثوم فتح الباب للجدل حول مستقبل الغناء وقانونية استخدام الذكاء الاصطناعي في محاكاة أصوات المطربين.
البداية كانت مع نشر الملحن عمرو مصطفى إعلاناً ترويجياً لأغنية بعنوان «أفتكرلك إيه»، يصاحبها صورة لأم كلثوم بجانب صورته، على حساباته الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي.
وقال في منشوره إنه يقدم تجربة جديدة عبر تقنية الذكاء الاصطناعي لإنتاج أغنية كاملة بصوت يحاكي أم كلثوم، من ألحانه وكلماته.
وذكر بأنه قدّم العديد من الألحان لمختلف نجوم العالم العربي على مدار 24 عاماً، وأراد معرفة النتيجة، إذا غنّت أم كلثوم أغنية من ألحانه.
إعلان مصطفى أثار غضب ورثة سيدة الغناء العربي، ودفع جيهان الدسوقي حفيدة شقيقة أم كلثوم، لتقديم بلاغ إلى النائب العام ضد الملحن مصطفى، يتهمه بتقديم مصنف غنائي بصوت أم كلثوم باستخدام الذكاء الاصطناعي، وذلك بدون إذن كتابي مسبق من صاحب الحق أو من ورثتها.
تراجع و حذف
وأمام غضب الورثة، تراجع مصطفى عن تقديم الأغنية وحذف المنشور، وقال إن خلافه مع ورثة أم كلثوم انتهى.
أزمة محاكاة الأصوات عن طريق الذكاء الاصطناعي لم يقتصر على كوكب الشرق، لكن طالت المطرب الراحل عبد الحليم حافظ، حيث صدرت له أغان بنفس التقنية، ما دعا أسرته إلى التهديد بمقاضاة من فعلوا ذلك.
مهندس مصري يدعى محمد شكري الخولي، نشر فيديو عبر صفحته على موقع «فيسبوك»، وهو عبارة عن عمل فني يغني فيه العندليب أشهر أغاني الفنان عمرو دياب، بتقنية الذكاء الاصطناعي.
وقال: «بما أني أعشق فنياً العندليب عبد الحليم وأكيد أيقونة جيلي عمرو دياب، فأول التجارب لا بد فنياً أن تربط الطرفين».
وقام عبد الحليم، تبعاً للتجربة، بالغناء لعمرو دياب 3 أغاني هي: «ما يتحكيش عليها»، و»شكرا من هنا لبكره» و»صدقتني».
وأكد الخولي أن كافة حقوق الفنانين محفوظة، وأتمنى من الجميع أن يعوا الغرض من هذا العمل، وهو البحث فقط ومواكبة تطورات تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وتفاعل عدد كبير من عشاق الهضبة والعندليب عبر مواقع التواصل الاجتماعي مع هذا المشروع الفني العملاق، حيث وصل عدد المشاهدات على هذا الفيديو إلى 35 ألف مشاهدة، كما أيد عدد كبير من الجماهير تلك الفكرة. وأعلن الخولي أيضاً عن أعمال أخرى مثل هذا العمل الفني، قائلاً: «أقوم بتدريب صوت بهاء على أغاني محمد رشدي ومحمد فوزي».
لكن محمد شبانة نجل شقيق المطرب المصري الراحل بعد الحليم، قال إن «الأسرة ستتخذ كافة الإجراءات القانونية تجاه مستخدمي صوت عمه في أغانٍ بتقنية الذكاء الاصطناعي»، وتركيبه على أغنيات حديثة واصفة، ما حدث بأنها «تجربة فاشلة وفي غاية السوء».
محاكاة أصوات المطربين بتقنية الذكاء الاصطناعي أثارت جدلاً واسعاً بين من اعتبرها أشبه بموضة ستختفي مع الوقت، ومن رأى أن أسر الفنانين ستوافق في النهاية على المحاكاة.
الناقد الفني المصري جمال عبد القادر، اعتبر أن محاولة محاكاة أصوات مطربين راحلين بتقنية الذكاء الاصطناعي، لن تتعدى موضة ستنتهي.
وقال لـ»القدس العربي»، إن «الجمهور الذي سيتلقى هذه الأغاني منقسم إلى جزأين، بعضهم يحب أم كلثوم وعبد الحليم، لذا لن يقبل فكرة محاكاة الأصوات باعتبار أنه أحبهم في أغانيهم وألحانهم، وآخرين من أجيال حديثة لم ترتبط بهؤلاء المطربين، لذا سمع أغاني حديثة بأصواتهم لن تلقى قبولهم».
وأضاف: «الأمر لا يزيد عن محاولات صناعة التريند بمفهوم مواقع التواصل، سرعان ما سيختفي».
وبين أن «الفترة المقبلة ستشهد نزاعات قانونية بين أسر الفنانين الراحلين وأصحاب أفكار محاكاة أصواتهم بالذكاء الاصطناعي، لكن الأمر ربما ينتهي باتفاق على حصول الورثة على مقابل».
وذكّر عبد القادر بمحاولات الفنان حميد الشاعري في تسعينيات القرن الماضي إعادة توزيع أغاني عبد الحليم حافظ، وكيف قوبل الأمر باستهجان شديد ما جعله يتراجع عن خطته.
وبين أن الشاعري كان ينوي فصل صوت عبد الحليم في أغانيه، مع إعادة تركيبه على اللحن بعد إعادة توزيعه.
كذب وغش
وسبق لدار الإفتاء أن أكدت «عدم جواز استخدام تقنية الذكاء الاصطناعي لتَلْفِيق مقاطع مَرْئية أو مسموعة للأشخاص».
إن هذه التقنية «تستخدم للتزييف وإظهار الأشخاص وكأنهم يفعلون أو يقولون ما لم يفعلوه ولم يقولوه في الحقيقة»، مؤكدة أن في ذلك «كذِباً وغشاً وإخباراً بخلاف الواقع».
وتابعت: «الإسلام إذ حث على الابتكار والاختراع فقد جعله ليس مقصوداً لذاته، بل هو وسيلة لتحقيق غرض ما، لذا أحاط الإسلام الابتكاراتِ العلمية بسياجٍ أخلاقي يقوم على أساس التقويم والإصلاح وعدم إلحاق الضرر بالنفس أو الإضرار بالغير».
وزادت: «فمتى كان الشيء الـمخترع وسيلة لأمر مشروعٍ أخذ حكم المشروعية، ومتى كان وسيلة لأمر منهي عنه أخذ حكمه أيضاً».
وأكدت أن «اختلاق هذه المقاطع بهذه التقنية فيه قصد الإضرار بالغير، وهو أمر منهي عنه في حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا ضرر ولَا ضرار»، إضافة لما فيها من الترويع والتهديد لحياة الناس، والشريعة الإسلامية جعلت حفظ الحياة من مقاصدها العظيمة وضرورياتها المهمة؛ حتى بالغت في النهي عن ترويع الغير ولو بما صورته المزاح والترفيه».
وتحدثت عن «جريمة قانونية يعاقب عليها وفق القانون رقم (175) لسنة 2018، الخاص بـ»مكافحة جرائم تقنية المعلومات»، فقد جرم المشرع المصري في هذا القانون نشر المعلومات المضللة والمنحرفة، وأَودع فيه مواد تتعلق بالشق الجنائي للمحتوى المعلوماتي غير المشروع».
غربياً، انتشرت أغنية تستخدم الذكاء الاصطناعي لاستنساخ أصوات المغنيين دريك وذا ويكند على وسائل التواصل الاجتماعي.
ومنذ نشرها حققت الأغنية أكثر من 8.5 مليون مشاهدة على تيكتوك، بالإضافة إلى تشغيلها أكثر من 254000 مرة على تطبيق سبوتيفاي.
وحسب مؤلف الأغنية، المعروف باسم غوست رايتر ، إن الأغنية تم إنشاؤها بواسطة برنامج ذكاء اصطناعي تم برمجته على الأصوات الموسيقية.
وكُتب تحت فيديو الأغنية على يوتيوب: «هذه مجرد البداية»، ليرد أحد المستمعين في التعليقات قائلاً: «نحن حقاً في حقبة جديدة، لا يمكنني معرفة ما هو حقيقي أو مزيف بعد الآن».
وأضاف مكاي ريجلي، مطور الذكاء الاصطناعي، على تويتر: «هذا هو المثال الأول للموسيقى التي تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي والتي أذهلتني حقًا».
في الموازاة، قال بول مكارتني العضو السابق في فرقة البيتلز إن أغنية «أخيرة» للفرقة الشهيرة بصوت العضو الراحل جون لينون ستصدر هذا العام بفضل استخدام الذكاء الاصطناعي.
ولم يذكر مكارتني اسم الأغنية لكنه قال إن التكنولوجيا استخدمت على «عمل مبدئي قام به جون واستكملناه».
وأضاف المغني وكاتب الأغاني البالغ من العمر 80 عاما «لذا حين جئنا لعمل ما سيكون آخر تسجيل لفرقة البيتلز. استطعنا أخذ صوت جون وتنقيته من خلال هذا الذكاء الاصطناعي، حتى نتمكن بعد ذلك من مزج التسجيل كما يفعل المرء عادة».
ووفق هيــئة الإذاعة البريطانية في مقال على الإنترنت إن الأغنية من المرجح أن تكون «ناو آند زن» (الآن ولاحقا) الـــــــتي سجلها لينون تجريبيا في عام 1978 قبل عامين من وفاته في عام 1980.