ارتفاع الأسعار وتراجع الإنفاق حَصرَا المباهج: اليمنيون يروون لـ”القدس العربي” حكاياتهم مع “كبش العيد”

أحمد الأغبري
حجم الخط
0

 صنعاء – “القدس العربي”:

اعتاد اليمنيون، أن يعيشوا الكفاف، منذ نهشت الحرب الأخيرة مباهج حيواتهم، واسلمتهم لاقتصاد البارود، الذي يتغذى على استفحال الفقر وتمدد المعاناة؛ باعتبار ذلك كفيلا باستمرار نزف الكثير وإثراء القليل.

تكريس العوز يعني التعايش مع الحرمان وصولًا إلى تحول الحياة إلى بؤس طبيعي تقتات عليه ساعات اليوم، وهذا هو حال معظم الناس هناك، الذين صارت المناسبات الدينية كالأعياد مصادر لإرهاق رب الأسرة؛ على الرغم من إصرار معظمهم على التعايش مع بهجة العيد بما فيه عيد الاضحى… فتلك سمة مرتبطة بتحدي اليمنيين   في مواجهة رداءة الواقع، وكما يقولون لبعضهم دائمًا ساخرين “احنا عايشين عناد”، وتبلغ السخرية مداها في أن تتحول مثل هذه المناسبات إلى فرصة لصنع وتبادل النُكات بشأنها، ومن أبرز النُكات اليمنية المتداولة حاليا في منصات التواصل الاجتماعي هناك، هي عن كبش العيد.

عبدالرزاق الثور (53 سنة) كان يعمل في فرع شركة عقارات عربية بصنعاء، وكانت تمنحه الشركة مرتبًا جيدًا؛ فانتقل من منزله البسيط إلى منزل في أرقى أحياء العاصمة، ولم ينقطع في المناسبات والأعياد، بما فيه عيد الاضحى، عن التيسير لعائلته، من خلال توفير مباهج العيد، من ملابس وأضحية وغيرها من المتطلبات العيدية كالجعالة (الزبيب والمكسرات والشوكولاته) والعسب (العيدية)… لقد عاش تلك المباهج بترفها حتى عام 2015م.. فمع اندلاع الحرب أغلقت الشركة فرعها في صنعاء، وهو عاد لمنزله في حي الزمر بصنعاء القديمة… ومن حينها تغير حاله، وتغيرت نفقات أسرته، يقول لـ”القدس العربي” : «كان عيد الاضحى في أول سنة حرب عام 2015 هو آخر عيد اشتري فيه أضحية بنفسي، ومن ثم تخليت عن كثير من النفقات مع توقف العمل وانعدام الدخل وارتفاع الأسعار… فقد صارت العائلة تعتمد على ما نحصل عليه من ابني وائل الذي يعمل في أحد برامج الأمم المتحدة بصنعاء، ربنا يعطيه من واسع  كرمه، فهو يشتري حتى أضحية العيد ويعطينا بعضا منها».

 وضعُ (عبدالرزاق) هو أحسن حالًا من كثير من اليمنيين، وبخاصة موظفي القطاع العام؛ فعادل الرقماني (48 سنة) موظف في وزارة التربية والتعليم، وقد انقطع عن شراء أضحية العيد منذ العام 2016م، «فعلى الرغم أنني كنت حينها ما زلت استلم مرتبًا في بداية الحرب، لكن الوضع كان قد تغير تمامًا إزاء النفقات الأخرى؛ ما اضطرني للاستغناء عن شراء الأضحية حتى اليوم. لقد فقدنا مرتباتنا منذ سبع سنوات، وصرنا نستلم نصف راتب لثلاث أو أربع مرات في السنة، بما فيه نصف راتب قبل عيد الاضحى، وهو لا يتجاوز في قيمته سبعين دولارا أمريكيًا، بينما صار سعر الخروف يصل إلى مئة الف ريال وأكثر (مئتين أو ثلاثمئة دولار وفق سعر الدولار في صنعاء)».

على الرغم من ذلك صار تجار المواشي يوفرون للعيد كباشا بأحجام صغيرة لتتناسب مع قدرة الناس على شرائها بغض النظر إن كانت مناسبة دينيًا للتضحية… يقول محمد الفوري (جزار وتاجر مواش في سوق نقم بصنعاء): «نادرا ما يأتي زبون يريد خروفا بحجم كبير؛ لأن سعره يتجاوز مئة الف ريال، وبخاصة إذ كان الخروف محليا… بينما الكثير يبحث عن خروف صغير وبسعر مناسب، وهو ما نحرص على توفيره، وبخاصة المستورد من القرن الافريقي، ويصل سعره إلى ستين أو سبعين الف ريال، ومع ذلك تراجع الناس على الشراء… كنت قبل الحرب أبيع في الموسم مئات الرؤوس بينما حاليًا لا استطيع أن أبيع في الموسم أكثر من مئة رأس».

تتوزع علاقة اليمنيين بالاضاحي لمن هم ميسورو الحال بين شراء الخروف أو المساهمة في شراء سُبع ثور، وهو ما يتطلب توفير مبلغ قد يتجاوز المئة ألف ريال؛ لأن سعر الثور يتجاوز أحيانًا المليون ريال (الدولار يساوي في صنعاء 528 ريالا) في حال كان حجمه كبيرا. انطلاقًا من ذلك يلجأ معظم اليمنيين إلى شراء اللحم أيام العيد من الجزار بالكيلوجرام؛ ولهذا يتزاحم الناس يوم العيد أمام محلات الجزارة بشكل لافت باعتبار الشراء بالكيلوجرام هو المتاح لهم.

                                    ارتفاع الأسعار

تسببت الحرب بارتفاع في الأسعار؛ حتى صارت أسعار بعض السلع أربعة أضعاف، وأحيانا أكثر مما كانت عليه قبل الحرب؛ فقطعة الجبنة المثلثة التي كانت تباع قبل الحرب بعشرة ريالات صارت قيمتها اليوم تصل إلى أكثر من خمسين ريالا.. في ظل تراجع مستويات الدخل مع توقف صرف مرتبات معظم موظفي الدولة علاوة عن ثنائية الرسم الجمركي، الأمر الذي تسبب في تراجع القدرة الشرائية لمعظم اليمنيين؛ وهذا التراجع يتجلى بوضوح في علاقتهم بتوفير متطلبات الحياة في الأيام العادية، فبعدما كان معظم اليمنيين يشتري الخضروات بالكيلوجرامات وبالسِلال صار معظمهم اليوم يشترونها بأقل من الكيلو جرام، وكذلك الحال مع الفاكهة واللحم.. بل لقد صار معظم اليمنيين يشتري الدجاج في أيام قليلة جدًا في الشهر، وهو ما يؤكده محمود (35 سنة)، وهو بائع دجاج في أحد أحياء منطقة سعوان شرق صنعاء، قائلا «لدي زبائن يشترون نصف دجاج كل أسبوع بواقع دجاجتين في الشهر». وهو ما ينعكس على علاقتهم بالأعياد ومتطلباته وبخاصة عيد الأضحى؛ فهم يشترون ملابس أولادهم الجديدة وجعالة العيد، لكن ليس بالقدر الذي كانوا عليه قبل الحرب؛ فأسعار الزبيب والمكسرات وصلت إلى مستويات جنونية؛ فبعدما كان الكيلو جرام من الزبيب الفاخر يصل قبل الحرب إلى ألف ريال أصبح اليوم يصل إلى ستة آلاف، أما المكسرات، يقول عادل الرقماني فـ«حدّث ولا حرج!».

وكذلك الحال في علاقتهم بتوفير ملابس العيد للأطفال؛ ولهذا يضطر معظم اليمنيين للاحتفاظ بملابس عيد الفطر بعد انقضاء أيام العيد لإعادة لبسها في عيد الاضحى.

                                        الانفاق

يمثل عيد الاضحى أسوأ أزمة تواجه اليمنيين خلال السنة؛ لأنه يأتي متطلِبًا لنفقات عديدة تُرهق كاهلهم، حتى وإن لم يوفروها بالقدر الذي كانوا عليه قبل الحرب… لكن ما يزيد من ارهاق كاهل الآباء هو أنه يعقب أيام هذا العيد بأسبوعين مباشرة كهذا العام بصنعاء بدء إجراءات التسجيل في المدارس، وهو ما يتطلب منهم توفير متطلبات العيد والاستعداد لمتطلبات المدارس؛ وهي متطلبات لم تعد كما كانت قبل الحرب كما سبقت الاشارة، لكنها تثقل كاهل الأسرة اليمنية؛ مع تراجع قدرتها الشرائية جراء تراجع الدخل سواء لدى موظفي القطاع العام أو لدى العاملين في المهن الحرة مع تيسر مقبول لدى العاملين في القطاع الخاص والمنظمات الدولية؛ أما أثرياء المجتمع فلا حكم عليهم؛ لأنهم لا يتأثروا بتداعيات الحرب.

 لتغطية النفقات تعمل الأسرة اليمنية بأساليب مختلفة لتوفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة؛ وكل أسرة لها دروبها، كأسرة الطفل محمد ذوي التسع سنوات، الذي يفترش الرصيف في تقاطع شارع الحرية مع شارع تونس بصنعاء لبيع أعواد المسواك.. فعندما سأله أحد المارة: هل مات أبوك؟ رد: لا. فسأله: لماذا تعمل وأنت بهذا العمر؟ فرد: جميعنا في البيت نعمل في بيع المسواك؛ فعائد ما أبيع أنا وأخي الأكبر هو لتوفير الايجار الشهري للبيت، وعائد مبيعات أخوتي الثلاثة الاخرين لتوفير نفقات رمضان والعيدين، وما يوفره والدي هو لتوفير مصاريف الأكل والشرب.  تلك القصة نشر عنها أحد المواقع الالكترونية المحلية، لكنها تحكي ما وصلت إليه معاناة الأسرة اليمنية في مواجهة نفقات الحياة، في ظل ما فرضته الحرب من تداعيات.

هذا الوضع لا ينحصر على مناطق دون غيرها؛ فالوضع المعيشي المتدهور يشمل اليمن كله.

                                  مَن سلب العيد بهجته؟

يقول الصحافي الاقتصادي اليمني، عبدالحميد المساجدي، لـ”القدس العربي”: «لقد تسببت الحرب المدمرة التي تشهدها اليمن، في انهاك المواطنين على مختلف المناحي، خاصة الاجتماعية والمعيشية والاقتصادية، فالبطالة ارتفعت مؤشراتها، وكذا الجوع والفقر، كما ارتفعت مستويات التضخم، وانهارت قيمة العملة الوطنية وقوتها الشرائية، وتعددت السلطات في مختلف مناطق اليمن، وفُرضت الجبايات خارج اطار القانون، وقُطعت الطرقات فارتفعت تكاليف النقل، ويتم تحصيل الرسوم القانونية بشكل مزدوج من قِبل أكثر من جهة، ناهيك عن صعوبة تنقل المواطنين أنفسهم بين مناطق إقامتهم ومقرات أعمالهم، وكلها تداعيات مباشرة للحرب أسهمت في جعل حياة المواطنين مليئة بالبؤس والحرمان، وبالتالي لم يعد لأي من المناسبات حتى الدينية بهجتها وفرحتها في أوساط المواطنين».

وأضاف: «يحتاج المواطن اليمني للسلام والأمن والاستقرار قبل أي شي من أجل استعادة عافيته وعافية البلد، ففي ظل بلد مضطرب مليء بالصراع لا معنى للمناسبات، كما أن الحرب عامل رئيسي في تفشي الفقر والمجاعة وارتفاع الأسعار، وبالتالي عدم قدرة المواطنين على تلبية متطلبات العيد من حلويات وملابس وأضحية وغيرها من المصاريف الضرورية، ما يجعل هذه المناسبات محطات لاستذكار الوضع الصعب والحرج الذي يمر به المواطن».

في الأخير…

حكايات العيد لم تعد مناسبة

هي فقط تذكرنا بالعُمر المهدور

  يقول الشاعر اليمنيّ طه الجند في مستهل قصيدة نشرها عن العيد مؤخرًا على فيسبوك.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية