الباحث المصري سعيد المصري في «تراث الاستعلاء»: أبعاد التعالي وتداعياته الاجتماعية والثقافية والسياسية

نزار صالح
حجم الخط
0

العنوان الكامل لهذا الكتاب هو «تراث الاستعلاء: بين الفولكلور والمجال الديني»، وفصوله بالتالي تقترح سلسلة أُطُر ميدانية ونظرية تتيح التمييز بين التراث اللامادي والثقافة المجتمعية، كما تشخّص الكثير من مظاهر التمييز الثقافي في التراث الشعبي المصري وتُبرز الصور النمطية للتباينات الاجتماعية والعمرية والجغرافية والدينية والعرقية والجسدية. هي بهذا دراسة تتعمق في الفجوات الراهنة بين التراثين الشعبي والديني في مستويات التعليم، وتتطرق استطراداً إلى أنساق المجتمع المتخيَّل، الذي يفضي بدوره إلى حركات الإسلام السياسي ودعوات تكوين مجتمع إسلامي جديد وأدوار المؤسسات الدينية المختلفة.
ويتوجب القول هنا إنه إزاء الاستقطاب الشديد بين المبالغين في أهمية التراث، مقابل المقللين من شأنه، اتجه رعيل من المهتمين بدراسات التراث الشعبي في العالم العربي، خلال حقبة الستينيات من القرن الماضي كما يحدد المؤلف، إلى اتخاذ موقف فكري محايد. ولقد اعتمدوا في ذلك على «تأصيل المنهج العلمي في دراسة التراث»، وهذا خيار بحثي حاسم اقتضى التجرد والموضوعية، بغضّ النظر عن قيمة التراث الشعبي ومحتواه، وعدم الحكم القيمي بالإيجاب ولا بالسلب.
والكتاب يندرج في تلك التيارات، ويتناول تراث الاستعلاء في النظر إلى التراث، وتكريس «مبدأ التعالي على الآخرين» بمقتضى اختلافهم، وتضخّم قدر من التعصب في رؤية الجماعات لذاتها. وفصول الكتاب تحتوي على دراسات وبحوث ميدانية تتناول تراث الاستعلاء بأبعاده الفولكلورية والدينية وتداعياته الاجتماعية والثقافية والسياسية، إذ يرى المؤلف أنه على الرغم من اتساع المسافة بين التراث الشعبي والتراث الديني، وعدم اعتراف التراث الديني بكثير من عناصر التراث الشعبي، فإنّ الاستعلاء يمثّل قاسماً مشتركاً بينهما.
وإذ لا تضيف بعض الفصول جديداً محدداً مختلفاً عن دراسات مبكرة رائدة تناولت محاور التعصّب في النظرة إلى التراث، إلا أنها تعمّق خلاصات تلك الدراسات في ضوء الواقع المعاصر، كما تشدد على عدم الفصل بين التراث الشعبي والتراث الديني، وتحثّ على دراسة الوشائج المعقدة بينهما، بغية تطوير رؤى جديدة للتراث ذات أبعاد إنسانية رحبة.
ينقسم الكتاب إلى سبعة فصول، أوّلها يثير مداخل نظرية حول التمييز الثقافي في التراث، وفق العدالة الثقافية وجوهر التمييز الثقافي، والأطروحات التي تفسّر ذلك التمييز مثل التصنيف المعرفي والتعصب الاجتماعي والعنصرية الثقافية. الفصل الثاني يتناول صور التمييز الثقافي في التراث الشعبي، فيعرض التراث الذكوري والتمييز ضد المرأة، ومجتمع كبار السنّ والنظرة الدونية للشباب، والنظرة الطبقية والتمييز بحسب المكانة، والعنصرية بحسب اللون والنسب والانتماء الجغرافي، وتراث التعصب الديني، وأخيراً النظرة الدونية للإعاقة.
الفصل الثالث يذهب إلى التراث الثقافي والتعليم، فيرصد تحولات العلاقة بين التراث والتعليم (توحّد التعليم بالتراث، وسلطة التعليم الديني على التراث، والعلاقة الملتبسة بين التعليم الحديث والتراث). كذلك ينتقل البحث إلى بدائل إدماج التراث في التعليم، وتعليم التراث الثقافي، وبناء قيم المواطنة عبر مرجعية تراثية. الفصل الرابع يختصّ أكثر بمناقشة ما يسميه المؤلف «تراث المجتمع الإسلامي المتخيَّل» واستعادة الماضي، وفيه إطلالة نظرية على مفهوم المجتمع المتخيَّل (أبعاد وخصائص عملية التخيّل الاجتماعي، وعمليات تجسيد الخيال الاجتماعي)؛ ثمّ مناقشة الإسلام السياسي وممارسة التخيّل الاجتماعي، والمجتمع الإسلامي عبر صورة محورية ومسارات متعددة (الحلم المشترك، والطريق إلى الجنّة)، من خلال المسار الدعوي السلفي، والمسار الإصلاحي الإخواني، والمسار الراديكالي الجهادي؛ ثمّ حصيلة المخيلة الدينية.
الفصل الخامس يناقش موضوع «الشرع يحكم في البادية» حسب تعبير المؤلف، حيث تُدرس عملية «أسلمة المجتمع البدوي» عبر الغزو أو التحالف السياسي أو التحول الثوري أو في إطار حركة اجتماعية، وهذا يفضي إلى مناقشة التضافر بين الدين والبداوة ودور المهاجرين في أسلمة المجتمع، وفعالية النخبة الدينية الجديدة (محاربة الجاهلية البدوية، ومحاربة جاهلية الحداثة حيث يقف السلفيون في مواجهة الدولة)، وتأسيس القضاء الشرعي، والتوسط في النزاع، والتفاوض حول المشورة، وما إلى ذلك. الفصل السادس يتناول معضلة المجال الديني في مصر، لجهة الوضع الرسمي، والعلاقة مع المؤسسات الدينية، وصراع المؤسسات (الأئمة والخطباء، ومحتوى الخطاب الديني)، ومنظومة الإفتاء. وفي الفصل السابع يتلمس المؤلف عودة الدين إلى المجتمع، فيناقش الحلقة المفرغة في تجديد الخطاب الديني، وإعادة صياغة الفكر الديني، وما يسميه المؤلف «منظومة القيم المحورية»، وأولويات الفكر الديني (التحرر من التسلط الفكري، الدنيا أولى بالاهتمام، الاحتواء الاجتماعي).
وفي العموم يعتمد سعيد المصري المنهج الاستقرائي توخياً لقراءة المادة التراثية والدينية عبر الظواهر والمعطيات، بعد أن يمهّد لها بمفاهيم نظرية تمكّنه من تأطير الإشكاليات قبل معالجتها. وهذا يستدعي جرعة منهجية وصفية لدى مقاربة المؤلف للمشهدية الاجتماعية التي تحتوي التراث الديني بصفة خاصة، وبعض التراث الشعبي والفولكلوري. وفي كل حال يبدو الاستقراء أو الوصف على درجة من التلاؤم مع متطلبات الدراسة، وخضع لها المحتوى بصفة مرنة.
وقد أفلحت منهجيات المصري في تبيان قسط وفير من أطروحاته الناظمة، وبينها أنه لم يعد مقبولاً اليوم النظر إلى الثقافة على أنها «ذات جوهر مستقلّ»، أو أنها «مجرد مرآة للبنية الاجتماعية». وهو في المقابل يشدد على أنّ العلاقة بين الثقافة والبنية الاجتماعية «إشكالية إلى حدّ كبير»، الأمر الذي يدفعه إلى الانطلاق من تحليل العلاقة بين التراث الشعبي والبنية الطبقية.
ويُشار إلى أنّ لغة المؤلف أكاديمية في العموم، وهذا أمر طبيعي بالنظر إلى انشغالاته الجامعية والتعليمية، لكنها لغة غير مقعرة وغير معقدة إجمالاً حتى في تلك المواضع التي يخال المرء أنها تتطلب شيئاً من «الفذلكة». العرض سلس ومتدرج، والأسلوب يمهد دروب الوصول إلى القارئ، رغم وجود مقدار من الترخّص في ترجمة بعض المصطلحات، مثل Offensive Language التي يترجمها المؤلف إلى «لغة البذاءة»، أو Subtle Discrimination التي يترجمها إلى «تمييز خفي»، أو Cultural Artifacts التي يترجمها إلى «كيان ثقافي مصطنع». جدير بالذكر كذلك أن المؤلف استخدم مصادر باللغتين العربية والإنكليزية، ثبّتها في ختام كلّ فصل، وعاد أيضاً إلى عدد كبير من الوثائق والبيانات والتقارير ذات الطابع التوثيقي والميداني، وأحسن توظيفها بصفة إجمالية ومن دون تكلّف أو اصطناع أو إقحام لمرجع غير ضروري. كذلك أدرج المؤلف عدداً من الملاحق التي استُخدمت في جمع البيانات، وكانت ذات فائدة في تعقّب خلاصاته.
ولا يخفى أنّ دراسات التراث الشعبي والعلاقة مع الأنثروبولوجيا الثقافية هي اختصاص المؤلف، وله في هذا المضمار أعمال مثل «صور التمييز الثقافي في التراث الشعبي المصري»، و»سياسات إدماج التراث الثقافي في التعليم»، و»الشرع يحكم في البادية: دراسة لعملية أسلمة المجتمع البدوي بين قبائل أولاد علي»، و»الأنثروبولوجيا والأنثروبولوجيون: المدرسة البريطانية الحديثة». وفي كتابه «إعادة إنتاج التراث الشعبي: كيف يتشبث الفقراء بالحياة في ظلّ الندرة»، الذي صدر سنة 2012، يناقش المصري فهم عمليات إعادة الإنتاج الثقافي في معناها الواسع الذي يخصّ «قدرة أساليب الحياة في أي مجتمع على استمرار أهمّ ملامحها عبر التغيير». ويقصد أن انتقال العناصر الثقافية الشعبية رأسياً عبر الأجيال، أو أفقياً من خلال التواصل، لا يعني «استنساخاً كاملاً وحرفياً لكل ملامحها»، ولا يعني أيضاً «فناءها واستبدالها كلياً بعناصر أخرى جديدة».
ولعل جديد كتاب المصري «تراث الاستعلاء»، وعلى مستوى محلي يخصّ معطيات مجتمعات مصر في المقام الأول، هو أنه يربط بقوّة بين التراثين الشعبي والديني على نقيض التيارات السائدة التي كانت تفصل بينهما لأسباب بعضها إيديولوجي. كذلك يسوق المؤلف مستويات الاستعلاء، التراثية والثقافية الشعبية وتلك الدينية، كي يساجل في سبيل صياغة أفضل وأرقى للعلاقة مع المجتمع والحياة، وثمة أكثر من ملمح فريد في هذا المضمار وخاصة دراسة التراث والدين في مجتمعات البداوة.
وهو يقتبس واحدة من المفارقات التي تؤكد وجود التمييز الثقافي بعمق لدى كثير من الفئات الاجتماعية، فيتوقف عند حديث وزير عدل مصري أسبق حول مصداقية العدالة في تعيين القُضاة حين سُئل عن مدى إمكانية تعيين ابن عامل نظافة في وظيفة قاضٍ، فردَّ قائلًا: «الوسط الاجتماعي الذي ينشأ فيه القاضي يجب أن يكون مناسباً لعمل القاضي؛ لأن ابن عامل النظافة لو اشتغل في القضاء سيسبب له اكتئاباً نفسيًاً ومشاكل، ومش هيستمر. القاضي له شموخه ووضعه، ولازم يبقى مستند لوسط محترم مادِّيًاً ومعنويًاً»!.

سعيد المصري: «تراث الاستعلاء»
منشورات بتانة، القاهرة 2020
358 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية