«ليس حباً بل دعابة» مجموعة الشاعر اللبناني محمود وهبة: قصائد عابثة ساخرة مفتوحة على دهشة القارئ

المثنى الشيخ عطية
حجم الخط
0

وليس دهشةً فحسب، أنْ تخالف كلَّ ما وُضع من صيغٍ للشعر في قصيدةٍ، وتفتحُ القصيدةَ إلى ما ليس قصيدةً فحسب، وإنما القصيدةُ بغير ثيابها وبلا ثيابها كذلك، وتضعُ عينيك متحدّياً بثياب متشرّد في عيني واقعٍ ولا واقعٍ جاءا توأماً إلى حفل جمعِ تبرعات ضحايا انفجار بيروت، بالتوكسيدو، وتُوصِل تحدّيك إلى السخرية، بالترجّل من على حمارٍ أمام ترجّلِهما من سيارة لامبورغيني.
ولا تكتفي بالجرأة فتغنّي لهما بوقاحةٍ أغنيةَ فيروز: «كلّن عندن سيارات وجِدّي عندو حمار»؛ وتمشي خارجاً من الباب الذي يفتح لك نفسه للدخول، ولا ترفعُ إصبعك الوسطى كما لو كنتَ ترفعها أمام من يتساءلون عن الشعر العظيم بقول إصبعك نفسه: ليس شِعراً بل شِعراً، وتقابلُ حبيبتك التي تعرف أنَّ الحبَّ لم يعلّمها «كيف يكون الحبّ، وتنتحرُ الأشواق»، وعلَّمَها أنه اللاشيء في كل شيءٍ بمرآة ذاته؛ وتقول لها عنوانَ مجموعتك الشعرية: «ليس حبّاً بل دعابة» بالاسم الذي يسطع فوقه: محمود وهبة.
الشاعر اللبناني محمود وهبة في مجموعته الجديدة «ليس حبّاً بل دعابة» يفعل ذلك في عيني قارئ ولا يفعلها في عيني قارئ آخر، لكنّه يفعل ذلك في كل الأحوال، في هذه المجموعة الشعرية بعدد صفحاتها الصغير، بعناوين قصائدها الصغيرة، بحجمها الصغير، وينفتح أمامك متجرّداً من كل شيء في محاولة أن يكسو كل شيءٍ، ويعيد السوريالية إلى الدادائية، بحراً بلا شواطئ:
«مَا أعْرِفُهُ فِي هَذِهِ اللَّحظةِ/ أنكِ لا تحبِّينَ الحَلْوَى/ ولا ترتدين حمّالة صدرٍ/ وَأنَّكِ تُمْضِينَ نَهَارَاتِكِ/ بِتِعْدَادِ خَسَائِرِنَا مَعاً/ أعرف أن كلامكِ عن الحب/ محضُ افْتِرَاءٍ /أعرف أني أسْتَطِيعُ/ عَدَّ أنْفَاسِكِ البَطِيئَةِ/ وَأنْ أسْمَعَ دَقَّاتِ قَلْبكِ/ أعْرِفُ أنَّكِ تُشْبِهِينَ/ هَذِهِ السَّاعَةَ المُعَلَّقَةَ عَلى جِدَارِ البَيْتِ/ أعْرِفُ أنَّكِ حَتْماً/ لَنْ تَطْرُقي البَابَ/ مَعَ ذَلِكَ أقُومُ لِفَتْحِهِ كَالأبْلَهِ/ أعْرِفُ أنَّ حَيَاتَنَا/ كَانَتْ كَابُوسِيَّةً بِمَا يَكْفِي لتهربي/ أعْرِفُ أيْضاً أنَّ مَا بَيْنَنَا/ لَيْسَ حُبًّا بَلْ دُعَابَة».
ومنذ البداية التي تعيدها قصيدةُ العنوان هذه، من منتصف المجموعة إلى فاتحتها، بعكس سير الدخول في المجموعة، بجملة الإهداء: «إلى سابِين/ ذاك الحب الذي بي/ ليس حباً بل دُعابة»؛ يرسم وهبة أبعاد بنية مجموعته، بثلاثةِ فصول تحت العناوين: «وردةٌ صاخبةٌ، على باب سُرَّتكِ، ضجيجٌ يخلِّص الزّبَدَ من الموج»، كعناوين تصلح هي نفسُها لتكون أحد القصائد المماثلة لها في التركيب الشعري الخاص المميز لقصائد المجموعة.
ويُميّز وهبة قصائد الفصل الأول بـ 13 عنواناً يجزِّئ الطويلة منها «مقاطع مجتزأة لامرأة في الأربعين إلى 7 مقاطع، و «تورينو إكسبرس» إلى 5 مقاطع، و«رحيل» إلى 6 مقاطع مرقّمة باللاتينية؛ وتمنحُ العناوين في هذا الفصل القصائدَ طابع الاستقلالية كقصائد ضمن الفصل. ويحافظ وهبة على تجزيء قصائد الفصل الثاني إلى 8 مقاطع، والثالث إلى 22 مقطعاً، معنونةً بأرقامٍ لاتينية، تعطي هذين الفصلين طابع القصيدة الواحدة؛ بما يشكل 15 قصيدةً في المجموعة.
في مجموعته التي ليست حبّاً، وحبّاً في ذات الوقت، يحاول وهبة تمييز قصائده بالأقصى: جرأةً، حيث الشِّعر هو لا شعر من غير الجرأة على اجتراح الغموض الكشف، الحلم الكابوس، الذئبية الحِملانية، الدبيب التحليق، الكتابة الآلية العقلية، الواقعية اللاواقعية، الدادائية التي هي الشيء واللاشيء بعُرفِ تريستيان تزارا الذي أغلقها وفتحها في ذات الوقت. وعلى اجتراح المعقول اللامعقول، الرصانة العبث.
ويوصل وهبة، رابطاً جرأةَ قصائده إلى السخرية المميزة لقصيدة نثر ما بعد الحداثة، في مقطع الوجود من قصيدة على باب سُرّتك، بالتساؤل: «ماذا فوق العرش/ ربّما جوربٌ/ ملاكٌ يُنقّي ابتساماتِه/ حمّالة صدرٍ ومنشفةٌ/ سجلّات للخطايا/ صرخاتُ معذّبين/ لم يُدركْهم على الأرض/ إلهٌ». ويوصل نداءاته إلى أقاصي جرأة الشعر: «إلَيّ/ أيُّهَا السَّوَادُ الخَارِجُ مِنْ خَوْفٍ/ أيُّهَا القَلْبُ العَالِقُ فِي كَأسٍ/ أيُّهَا العَمُودُ فَوْقَ التَلَّة./ إلَيّ/ أيُّهَا الضَّبَابُ القَابِعُ في رِئَةِ مُدَخِّن/ أيُّهَا القَلْبُ المُبْحِرُ فِي سَفِينَةٍ/ أيَّتُهَا النَّوَارِسُ المُعَلَّقَةُ المَشْنُوقَةُ ظُلْمًا وَعُدْوَانَا./ إلَيّ/ يَا مَطَرًا أسْوَدَ فِي البَّريَّةِ./ إلَيّ/ أيُّهَا الرَّبِيعُ القَادِمُ/ أيُّهَا التَّعَبُ المُحَبَّبُ إلى قَلْبِ./ إلَيّ يَا جُملَةً فَارِغَة./ إلَيّ// إيها الصدأ المُتَراكِمُ في زُقَاقْ/ أيُّهَا الصَّدَأ/ أيُّهَا الظِّلُّ بَعْدَ قَهْقَهَة/ أيَّتُهَا الأسْئِلَةُ الجَبَّارَةُ».
وفي هذه الجرأة الساخرة حدّ وقاحة العبث، يميّز وهبة رؤيته عن الوجود بالتداخل مع كائنات الوجود وأشيائه، حيث: « قَلْبُكِ لَيْسَ هُنَا/ مَتْروكٌ فِي قَارُورَةٍ عَلىَ مِنْضَدَةٍ/ يَنْسَحِبُ مِثْلَ ابْتِسَامَةٍ عَلىَ وَجْهِي/ قلْبُكِ كلِمةٌ».
ولا ينسى وهبة في غمرة تفاعله الجريء العبثي الساخر أن يعود إلى طفولته، منبع الجرأة والسخرية والعبث، مُبْرزاً ميزة استخدامه الحياة اليومية بنكهة أحياء بيروت، وإحيائها في قصائده، حيث:
«يَوْمًا مَا
سأعُودُ طِفْلاً يَرْضَعُ ثَدْيَ أمِّهِ
أسرقُ حَبَّةَ الشِّكْلسْ مِنْ دُكَّانٍ قَريبٍ
أتَبَوَّل ُفي الطَّرِيقِ، أرْوِي النَّبَاتَاتِ
أمْشِي كالمَعْتُوهِ
وَأجْمَعُ الضَّفَادِعَ في قَنِّينَةِ مَاءٍ
أفْتَحُ دُكَّاناً في غُرْفَتي بِعَشَرَةِ آلافِ لِيرَة
يَوْماً مَا
سأنزعُ الإطَارَ المَطَّاطِيَ عَنْ دُولابِ دَرَّاجَتي
وَأمْشِي على «الطَّارَةِ»، وَأنْتَظِرُ جَارَتَنَا
كي تَصْرُخَ مِنَ الشُّبَّاكِ
يَا ابْن الكَلبْ طَوَشتنا».
وفي مجموعته العابثة بصيغ ما اعتيد عليه من شعرٍ، يميّز وهبة صياغة قصائده بأسلوب السطر القصير الواضح جملةً والغامض بارتباطات السطور كما يجري في الكتابة السوريالية الآلية القائمة على استخدام تراشقِ ما يجري في الأحلام، بلغته السلسة الفصيحة، الحيّة بطعم الحياة اليومية المطعّمة بنكهة مدينته بيروت، في شوارعِها وأزقّتها الخلفية وغرفها السريةِ وباراتها وشتائمها المحبّبة.
وكذلك مع تركيب جملته الشعرية بأسلوب التفتّق الذي لا ينتهي، ومدّ التوالد المفتوح إلى القصيدة ككل، حيث لا يلتزم وهبة بالقفلات التي تعيد نهايات القصيدة إلى بدايتها، كما تفعل قصائد شعراء النثر المميَّزة بإحداث الدهشة في قفلات التضاد وقلب معقولية الانسياب إلى عذوبة لا معقولية الصّدمات المحفّزة لإدراك القارئ. بل يقوم بترك هذا إلى توليد الإدهاش بالسطور نفسها والتخلّي عن القفلة بما يترك للقارئ دهشةَ القصيدة المعلّقة بفراغها المليء، وبقلبها للمفاهيم من دون إشارةٍ، حيث تقوم الجمل الشعرية المتراكبة نفسُها بذلك، كما نرى في المقطع السابع من قصيدة «على باب سّرتك»:
«القَلْبُ حِينَ يَنْفَطِرُ مِنَ الحُبِّ
التَّابُوتُ حِينَ يَحْتِضِنُ مَيْتاً
السَّوَادُ الأعْظَمُ حِينَ يُغَطِّي جُدْرَانَ البَلْدَةِ أيَّامَ عَاشُورَاءَ
الرِّسَالَةُ حِينَ تُغَادِرُنَا بَعْدَ أن نَضْغَطَ زِرَّ الإرْسَالِ
التَّفَاصِيلُ المَنْسِيَّةُ حِينَ تَعُودُ بِقدرة قادرٍ
المَوَدَّةُ وَالرَّحْمَةُ لذوي القُرْبَى حِينَ نَمُوتُ
الشِّفَاءُ العَاجِلُ لِلْمَرْضَى حِينَ نَبْتَهِلُ بِالدُّعَاءِ
الرَّصَاصَةُ الطَّائِشَةُ حِينَ تَخترق ْصدرَ عاشقٍ أبله
الحَسْنَاوَاتُ حِينَ يُلَطِّفْنَ الأجْوَاءَ بِابْتِسَامَاتِهِنَّ المَاكِرَة».
كما لو أن القارئ في حلمٍ تتراكب فيه هذه الصور، ويفيق محاولاً استجماعَ ما يهرب منها خارج الذاكرة، ومحاولاً ربطَ ما لم يستطع الهرب؛ وتفسيرَه بما مرّ عليه من أحداث الأمس، وما يشير له داخله المتصل مع الكون بما سيمرّ من أحداثٍ، حيث لا ماضي ولا حاضر ولا مستقبل؛ وكما لو كانت القصيدة تشير إلى الشعر من غير أن تتذكَّرَ فتَذْكُرَ الشعر.
في مجموعته العابثة الجريئة الساخرة المفتوحة على دهشة القارئ بقدْر انفتاحها على خصوصيتها بقصيدة اللقطة وقصيدة اللقطات المتراكبة على نسيان مفاتيح قفلها؛ يقود وهبة قارئه إلى التساؤل حول الشِّعر في نهايات واقعٍ يُسفر عن تغيّر نظرة الإنسان إلى وجوده، وتموضعه في كونٍ بدأ الإفصاح عن ذاته بغموض أكبر، كما لو انه يقول لنا: الشّعر هو الكون، الكون هو الشعر، الكون والشّعر هما أنتم.

محمود وهبة: «ليس حباً بل دعابة»
دار النهضة العربية، بيروت 2023
83 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية