ميشال ويلباك: الكاتب في سوق البورنوغرافيا

حجم الخط
4

عاد ميشال ويلباك إلى الظهور، وبات الصورة الأكثر تداولاً على شاشات التلفزيون، في فرنسا، في الأيام الأخيرة. لا حديث سوى عنه. بدا الرجل في ملمح أفضل مما كان عليه في السابق، صار أخيراً يبتسم ولا ينزعج من السخرية. تخلص من وجهه المتجهم وبات يتكلم بحميمية مع محاوريه، لكن أن يظهر هذا الكاتب على الشاشة فالأمر ليس يتعلق فقط بعملية ترويج، فهو كلما تكلم خلف وراءه حرائق. جاء هذه المرة للحديث عن كتابه الأخير «بضعة أشهر من حياتي»، وهو كتيب أقرب إلى المانيفستو، ود فيه الرد على قضيتين اثنتين شغلتا الرأي العام في الأسابيع الماضية. الأولى تتعلق بتصريحاته (في حوار مع ميشال أونفري) قال فيها إن فرنسا مقبلة على حرب أهلية بسبب تضاعف أعداد المسلمين. قال إن المسلمين ليسوا فرنسيين مثل غيرهم، وتزايدهم قد يؤدي إلى أعمال عنف ضد المساجد.
هذه التصريحات أثارت حفيظة عميد مسجد باريس الكبير الذي رفع دعوى قضائية ضد الكاتب، ثم سحبها، بعدما تراجع ويلباك عن كلامه. أما القضية الثانية فتتعلق بمشاركته في فيلم إباحي. نعم ميشال ويلباك، أحد أهم كتاب فرنسا في القرن الجديد، شارك في فيلم إباحي، وانتشرت ومضة هذا الفيلم على النت، حيث يظهر ويلباك مع امرأة في وضعية حميمة في السرير، ثم تراجع عما فعل، ووصلت القضية إلى العدالة التي منحته الحق في معاينة الفيلم قبل عرضه والتدخل في مسح اللقطات التي لا تعجبه. مع أن الكاتب نفسه لم ينكر مشاركته في الفيلم، لكن الأزمة التي حصلت عقب تسريب لقطات منه جعلته يتراجع. هكذا إذن أصدر كتابه الأخير، كي يقول إنها المرة الأولى في حياته التي شعر فيها بأن الآخرين يعاملونه مثل حيوان في شريط وثائقي.
لن نعود إلى الأزمتين اللتين أحدثهما ميشال ويلباك فقد حكى عنهما في كتابه بإسهاب، وله الحق في النقد أو في البوح بما لا يُعجبه، ولكن تهمنا شخصية هذا الكاتب، الذي لا يكاد يغيب عن واجهة الجدل، سواء غاب عن البلاتوهات أو عاد إليها. تحول من مجرد كاتب إلى قضية إعلامية، ميشال ويلباك ليس مجرد نص، بل هو القادر ـ أيضاً ـ على إثارة القضايا التي تخفيها الصدور. ننسى الحديث معه في الأدب، ونجد أنفسنا نتحدث عن الأشياء كلها سوى عن الأدب. ميشال ويلباك يمثل الوجه الآخر من أدب في فرنسا، الأدب الجدلي. فصورة الكاتب ـ في الإجمال ـ تغيرت، لم يعد شخصاً يكتب وكفى، بل شخصا متورطا في قضايا الجماعة التي يحيا بينها، صار محور الاهتمامات بشكل يحسده عليه الساسة ونجوم الكرة والغناء.

وجد ميشال ويلباك في الإسلام مادة خصبة قصد إثارة الانتباه إليه، في العشرين سنة الماضية، لم يتوقف عن خرجاته في الحديث عن الإسلام، كما كتب في رواية «استسلام» تنبؤاته بأن يصير لفرنسا، في المستقبل، رئيس مسلم.

بين المعلم والتلميذ

عندما شرع ميشال ويلباك في الظهور، مع صدور أولى أعماله، لم يكن اسم فلوبير يفارق لسانه. كان فلوبير في مرتبة المعلم في الحياة السابقة لهذا الكاتب. فلوبير الذي توفي عام 1880 من دون أن يعرف الناس صورته. في زمن كانت فيه الصورة متاحة، فقد كان صاحب «مدام بوفاري» يرفض الجلوس قبالة آلة تصوير، وبعض الصور التي التقطها في حياته، إنما التقطها من أجل أصدقاء مقربين له، وهو يكرر رغبته بأن يصير نسياً منسياً عقب رحيله، لكن تلميذه ويلباك قام بالعكس. صارت نجوميته تتجاوز نجومية مشاهير الفن والسوشيال ميديا. ومحطات التلفزيون تتسابق في استضافته، اقتناعاً منها أن حضوره من شأنه أن يرفع من أعداد المشاهدين، وذلك ما يحصل فعلاً. فهذا الكاتب لا يجلس في بلاتوه من أجل الحديث في الأدب أو عن همومه كمثقف، بل يأتي للحديث في موضوعات أخرى، في السياسة والاقتصاد ومؤخراً في مناقشة الذكاء الاصطناعي. منذ أن أصدر ويلباك باكورته عام 1994 صار اسماً معروفاً في بلده. توالت إصداراته فصار واحداً من الكتاب الأكثر ترجمة في العالم، بل إن كتبه ترجمت أكثر مما ترجم الإنجيل. استطاع أن يكسب مكانة في أوساط القراء وكذلك في الأوساط النقدية. ليس بكاتب بيست سيلر وليس يكتب للنخبة فحسب، كان بوسعه أن يكتفي بذلك، لكنه خاض تجربة موازية، في «تجييش» الإعلام. لم يكتف بحضوره كاسم، بل صار صورة. مرات صورة للاستهلاك ومرات أخرى صورة للجدل. فويلباك من الكتاب القلائل الذين لا يظهرون أبداً في بدلة رسمية (أظن أن المرة الوحيدة التي ارتدى فيها ربطة عنق كانت في حفل زفافه). هكذا صنع لنفسه صورة إعلامية مختلفة عن صورة الكاتب الاعتيادية، كما استطاع أن يستقطب الميديا ويطوعها لصالحه، لكن ذلك لم يمنع من سقوط ويلباك في فخ أن يصير هو نفسه «سلعة» للأكل السريع، وهو الذي طالما انتقد، في رواياته، المجتمعات الاستهلاكية في الغرب.

طواف حول الإسلام

وجد ميشال ويلباك في الإسلام مادة خصبة قصد إثارة الانتباه إليه، في العشرين سنة الماضية، لم يتوقف عن خرجاته في الحديث عن الإسلام، كما كتب في رواية «استسلام» تنبؤاته بأن يصير لفرنسا، في المستقبل، رئيس مسلم. هذا الكاتب الذي انتقل من اليمين إلى اليسار، وصار نجم النخب اليسارية، التي لم تغفر له ماضيه في التقرب من اليمين، يستفيد من ردود فعل مسلمي فرنسا. يتعمد إثارتهم من أجل أن يؤجج الآراء ويزيد رصيده في سوق الصحافة، فإن يرفع مسجد باريس دعوى قضائية ضده، على إثر تصريحات في حوار، فقد خدمت القضية ويلباك أكثر مما أساءت إليه. ومن المحتمل أن يواصل خرجات من هذا النوع، التي تزيد من اهتمام الناس به، على الرغم من تفاوت إصداراته الروائية في السنين الأخيرة، فقد استطاع أن يغير من صورة الكاتب، أن يخرجه من مدرج جامعة أو من كرسي وهو جالس يلقي محاضرة، جعل من الكاتب شخصية عامة، ولم يحصل ذلك من غير أن يدفع تكلفة باهظة، لأن ويلباك خسر شريحة من القراء، التي ترى فيه شخصاً عدائياً، لكن ما يهمه أن لا يظل الكاتب قابعا في دكة الممارسات السلبية، مكتفياً بالكتابة وكفى، بل أن يصير الكاتب فاعلاً في البيئة التي يعيش فيها، ويتقبل الخسارات مثلما يفرح بالنجاحات، ولا ضرر في أن يدخل سوق البورنوغرافيا كما فعل هو ذلك.

روائي جزائري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية