للأسماء قدرة رهيبة على إخفاء جزء كبير من حقيقتنا، خاصة إذا ما تعلق الأمر بماض نجتهد بكل ما أوتينا من قوة كي ننساه، لكن من المستحيل أن تمحو الأسماء ما علق بالذاكرة، إذن يخلق الاسم الجديد صفات أخرى لكنه لا يلغي ماضيك وذكريات ارتبطت باسمك الحقيقي.
تقول بطلة رواية «نوبة الغريبة» للكاتب الجزائري محمد الأمين بن ربيع: «ناداني قاسم الدساس باسمي.. اتسعت عيناي حين سمعته، ما يزيد عن العشرين سنة لم أسمع أحدا يناديني بهذا الاسم أو يلفظه على الرغم من أنني كنت متعلقة به كثيرا».
هكذا هي الأسماء جزء قصي من الذاكرة، وجزء آخر من الحاضر، وكلاهما يوحد النظرة للمستقبل، تلك النظرة القوية التي اختصرتها بهجة في قولها: «كان يشعرني بالقوة كأنني كنت مكتفية بنفسي فلا أحتاج أحدا ليسندني».
فما الإشكالية التي تطرحها الأسماء في «نوبة الغريبة»؟
قد تبدو الرواية عن امرأة أو مغنية هربت من كل ما له علاقة بماضيها ومدينتها وأهلها بحثا عما يجعلها تثبت ذاتها من وجهة نظرها، لكن الرواية تتجاوز ذلك إلى الحديث عن تحولات وصمت فترة معينة من تاريخ الجزائر على لسان امرأة، ومن وجهة نظر مغنية تحكي حياتها كما عاشتها. امرأة منحتها الحياة اسمين وحياتين، «بركاهم» اسم يحمل ذاكرتها الأولى، و«بهجة» اسم اختلقه لها قاسم الدساس لتكون في البدء بهجته هو.
فهل عرفت بركاهم البهجة أم أن بهجة ما استطاعت يوما أن تنسى بركاهم؟
تقول بهجة عن ثامر ابن قاسم الدساس إن صوته «بلهجته البوسعادية أيقظ داخلي حنينا لبوسعادة، وجعلني أقرر الذهاب إلى هناك في أقرب فرصة». ومرة أخرى تقول: كي «أزور بيت آل خديم لأتفقد طفولتي الأولى وبراءتي التي تركتها معلقة على جدران ذلك البيت قبل أن أغادره.»
عاشت بهجة حياتين، حياة تبدو للجميع متسقة مع تلك الفترة من تاريخ الجزائر، وحياة داخلية تعيشها وحدها، بينها وبين نفسها، تذكرها دائماً أنها بركاهم القادمة من بوسعادة، هذه المدينة الزاخرة بالفن، بالتراث، وبحكايات لم تحك بعد.
هنا الرواية تنطلق من مكان يتجسد في مدينة بوسعادة ومن امرأة تتجسد في بركاهم، يمشيان مع بعض في خط مستقيم.
تتحول بركاهم البوسعادية بفعل الظروف إلى بهجة المغنية، لكن تبقى بوسعادة كما هي، لن يطالها التغيير.
في «نوبة الغريبة» لا يكتب بن ربيع تاريخ تلك المنطقة روائيا أو يأتي على ذكر حقائق بعينها وأشخاص بذاتهم، لكنه يحاول قدر الإمكان أن يقبض على الوجوه والملامح التي تؤسس لهذه الرواية، ملامح قد تبدو قريبة من الواقع لو حاولنا أن نمعن النظر فيها، لكنها لا تشبه إلاّ تصورات الرواية نفسها، التي قد تلقي بظلالها على الواقع، لكنها أبداً لن تعيد طرحه.
تتناول «نوبة الغريبة» واقع الحياة في الجزائر في فترة الاستعمار ويليها فترة العشرية السوداء.
وبما أنها عن مغنية فهي لا تخلو من تلك النظرة السامية للفن الأصيل أصالة فترة مضت، لكنه لا ينفك يتحسر على كل الأشياء التي طالها التشويه بما فيها الفن نفسه. تقول الرواية على لسان بهجة: «حين كنت في بداياتي منتصف الثمانينات، كان للفن قيمته ولأهل الفن مقامهم أما اليوم فقد أضحت تلك الحفلات مجرّد تقليد».
وبالموازاة مع ما تحكيه بهجة، هناك الكثير ليرويه قاسم الدساس، سيكتشف القارئ مسار هذه الشخصية الروائية، حياتها، أفكارها، آراءها وأيضا نقاط تلاقيها وبركاهم، بركاهم التي حولها إلى بهجة.
ومن هنا تتساءل بهجة لماذا اختارها هي بالذات من دون النساء وغيّر حياتها جذريا، هل هو حب لأجل الحب، أم أنه كان يبحث عن شيء تركه خلفه في مدينته بوسعادة، أم أنه يبحث عن أمر يكون من صنيعته هو؟
تقول بهجة: «كان يمارس عليّ حبا عصيا على التصنيف، هو أشبه بالحب الأثيري الذي لا يعرف الإنسان فيه لم يحب هذا الإنسان، هل هو يحبه أو يعطف عليه؟ هل هو يحبه أو معجب به؟ هل يحبه لأنه يرى فيه إنسانا أحبه من قبل؟ أو يحبه لأنه لم ير قبله إنسانا مثله؟ هل يحبه لأنه يستحق الحب؟ هل يحبه لأنه هو نفسه يحتاج الحب ولم يجد من يحبه؟ هل يحبه لأنه يكفر عن خطيئة سابقة؟ أو هل يحبه ليعوّض حبا سابقا مات في قلبه؟».
في الرواية شخصية خولان، هذه المرأة التي دخلت إلى بيت ومدينة غريبة عنها كل الغربة، لكنها برغم ذلك استطاعت أن تترك بصمتها، فالمميز فيها هو طبيعة العلاقة التي كانت تربطها بضرّتها، أو قدرة هذه المرأة على الصبر، وكأن حياتها تقوم على فكرة التجاوز حتى أصبحت الحياة بالنسبة لها قائمة على هذا المبدأ بالذات، فلم تكن ملامح خولان «تنبئ بشيء على الإطلاق، كان وجهها من النوع المجرّد من الملامح، كأنها تضع قناعا عليه، حتى حين تنفعل أو تفرح كانت ملامحها لا تتغير»، كما وصفتها الرواية.
وفي الحقيقة ظهورها روائيا بهذه الأوصاف هو إنصاف للكثير من النساء، نساء ضحين بحياتهن لأجل الآخرين في صمت دون أن يكون لتضحيتهن توصيف معين، يتم من خلاله استحضارهن في قائمة من يذكرن دائماً على أساس أنهن القدوة، في حين الكثيرات كتبن التاريخ في صمت، لكن التاريخ غفل عن كتابة سيرهن.
قد يبدو للبعض أن «الغريبة « المقصودة في العنوان هي بركاهم الشخصية الرئيسية للرواية، بركاهم التي أصبحت بهجة قاسم الدساس، في حين أن كل شخصيات الرواية، كالزينية، روفيا، خولان، قاسم الدساس، تروي حكايتها وفق منطقها الخاص، حكايات تقول إن جميعهم غرباء يبحثون عن هوياتهم. الغربة في هذه الرواية حالة روحية أكثر من أي شيء آخر، لذا جاء العنوان مركبا من النوبة التي تعتبر مزيجاً بين الموسيقى العربية والأندلسية والغريبة التي تصف هؤلاء جميعا.
يشبه أبطال رواية «نوبة الغريبة» النبتة التي زرعت في غير أرضها وموسمها.
هل تزهر تلك النبتة أم أنها ستفقد هويتها وتصبح هجينة؟
تلك من بين أسئلة الهوية التي يطرحها هذا النص، الذي فيما يبدو أن جميع من كتبهم بن ربيع يهربون من أمر ما، يحاولون تعويضه بما يظنون أنه يمنع عنهم التفكير في الماضي، لكن الحاجة إلى ما افتقدوه تظل تلح عليهم.
تجعلنا الرواية نتساءل: هل بإمكان النجاح أن يمنع عن البعض ما اعتقدوا أنه لن يصلهم، وهل تنسي شهرة هؤلاء جذورهم وأصوله؟
وردت عبارة في كتاب «مدينة على المتوسط» للكاتب والباحث اللبناني خالد زيادة يقول فيها: «لابد أن الواقعة التي يمر بها التاريخ سريعا أو متباطئا تكثف جملة من التشابكات غير المنظورة أو غير المقروءة». هذه العبارة بما تحمله من تكثيف تختصر الكثير مما يراد قوله، ولعلها تنطبق تماما على فكرة رواية «نوبة الغريبة « وأحداثها المترامية الأطراف بين مكانين وهما مدينة بوسعادة والجزائر العاصمة، وزمانين أثناء فترة الاستعمار وأيام العشرية السوداء التي عاشتها الجزائر سنوات التسعينات.
إذن «نوبة الغريبة» رواية عن الخطيئة من وجهة نظر غرباء يتهربون من خطايا ظلت تلاحقهم، خطايا حاولوا جاهدين نسيانها، لكنها لم تنسَهم. تقول بهجة عن مدينتها بوسعادة: «سأمكث هناك وأعتزل الفنّ ثم أكتب وصيةً أطلب فيها أن أدفن بقرب أمي إذا متّ، لعلّ تلك الأرض ترضى أن تضمني ميتة بعد أن امتنعت عن ضمي حية.»
«نوبة الغريبة» رواية عن كل الأشياء التي نصمت عنها، لكنها تستمر بملاحقتنا طوال العمر، لا هي أصبحت قريبة ولا نحن نعدل عن كوننا غرباء. هي نوبة الغريبة بالفعل، لكن لن تختصرها بكل تأكيد، بل نطلع من خلالها على الفن، وتاريخ المدن حين تختصره مدينة اسمها بوسعادة، هذه المدينة التي عبر عنها محمد الأمين بن ربيع روائيا بقوله: «المدينة البعيدة الرابضة بين الجبال كأنثى مدلّلة ترفض أن تمنح نفسها لمن يريدها.»
محمد الأمين بن ربيع: «نوبة الغريبة»
دار ضمة الجزائر/ مسكيلياني الإمارات، 2022
192 صفحة.