عودة مُسلسلات الأجزاء لُعبة الاستثمار المكشوفة لاستغلال النجوم

كمال القاضي
حجم الخط
0

خلال السنوات القليلة الماضية مرت الدراما المصرية بعدة أطوار تحت تأثير الظروف الإنتاجية المًضطربة ورحلة البحث المُضنية عن جهات تمويل تضمن بقاء النوع الإبداعي التلفزيوني وتُنفذ خُطة الإنتاج والتوزيع بالأسلوب الملائم للتطور المُتلاحق في الشكل والمضمون.
ووفقاً لمعايير المُنافسة تخلت الدراما المصرية عن شكلها التقليدي الذي يُناسب جمهورها وغيرت من مقاييسها وطبيعتها باللجوء إلى إنتاج عدة أجزاء من العمل الإبداعي الواحد قياساً على نجاح بعض النماذج الاستثنائية التي كتبها الكاتب الراحل أسامة أنور عكاشة كمسلسل «ليالي الحلمية» على سبيل المثال.
لكن في ظل طغيان تيار مُسلسلات الأجزاء بعد ظهور أنماط الدراما التركية والهندية وتجاوب الجمهور العربي معها بشكل مُلفت بدأت عمليات التنفيذ والتقليد على قدم وساق في السوق المصرية وفرض الشكل الدرامي نفسه كنوع جديد ومتطور يحظى بالجاذبية الشديدة، وبناءً عليه توالت مُسلسلات الأجزاء بأشكال وموضوعات مُختلفة، فكان من بينها مُسلسل «الأبطال» للمخرج الراحل حُسام الدين مصطفى تلاه الجزء الثاني منه تحت عنوان «الفرسان» في محاولة لربط الأحداث التاريخية بعضها ببعض.
وبالفعل نجحت الدراما الدينية والتاريخية في تسجيل النجاح المطلوب بهذا التسلسل، فبعد مسلسل «الفرسان» قدم المخرج أحمد توفيق مع نور الشريف والشاعر عبد السلام أمين مسلسل «عمر ابن عبد العزيز» ومسلسل «الأمير المجهول» عن حياة هارون الرشيد وفترة حُكم الدولة العباسية مع التركيز الكامل على الحياة الشخصية لهارون الرشيد، وبهذا فتح نور الشريف الباب أمام كُتاب الدراما التاريخية ومُخرجيها وبالفعل حدثت طفرة قوية في هذا المجال، لاسيما أن جميع الاختبارات التسويقية لها أثبتت نجاحها وإقبال الجمهور عليها.
وهناك نماذج واضحة في هذا الخصوص يأتي على رأسها مُسلسل «لا إله إلا الله» الذي تم تصوير أربعة أجزاء منه بعدد كبير من كبار النجوم والنجمات وغنت تتر البداية والنهاية فيه المُطربة المُعتزلة ياسمين الخيام.
وقد انتقلت ظاهرة مُسلسلات الأجزاء من الأعمال الدينية والتاريخية إلى المُسلسلات الاجتماعية والكوميدية فكثرت الأنماط وزادت حتى وصلت إلى حد الإغراق، إذ تشبعت أسواق التوزيع في المنطقة العربية بالعديد من أصناف الدراما حسب الاحتياج والتوظيف وامتلأت الفضائيات بكافة الصور والموضوعات على اختلاف أشكالها وأنواعها فرأينا عناوين كثيرة لمُسلسلات مثل «الكبير والكبير قوي» و«الكبير 3» و«الكبير 4» و«الكبير 5» إلى آخره و«مُذكرات زوج» و«مُذكرات زوجة مفروسة» و«اللعبة 1» و«اللعبة 2» و«اللعبة 3» و«إلا أنا» الجزء الأول والجزء الثاني و«البيوت أسرار» الأول والثاني و«قوت القلوب» 1 و 2 و«في بيتنا روبوت» جزء أول وجزء ثاني. وهكذا تعددت الموضوعات والحلقات والأنماط بلا إضافات حقيقية بناءة يُمكن أن تُبرر للكُتاب والمخرجين إصرارهم على التكرار وعيوب المط والتطويل.
ولأن هذه النوعية الدرامية استنفدت أغراضها التجارية والجماهيرية، توقف العمل بها لفترة ما لحين استبيان اتجاه المؤشرات الاقتصادية والتأكد من فقدان صلاحية الأجزاء، وبالفعل تغيرت طريقة الكتابة وتحولت دفة الكُتاب والمُبدعين ناحية نوع آخر من الدراما القصيرة ذات الخمس عشرة والسبع حلقات.
وقد ساعد في ذلك زخم الموسم الرمضاني الفائت والذي كان يتطلب التنوع والتكثيف، فضلاً عن أن هذا الاتجاه ساهم في تلبية حاجة المشاهدين ومنحهم فرصة المُفاضلة والاختيار بين الأنواع الإبداعية المُختلفة.
كما أنه ساهم أيضاً في توفير الميزانية الإنتاجية وأدى إلى تحسُن المستوى الفني، حيث ظهرت أعمال متميزة مثل مسلسل «تحت الوصاية» بطولة منى زكي و«الهرشة السابعة» لأمينة خليل و«وعود سخية» لحنان مطاوع، فكل هذه العينات كانت خاضعة لنظام إنتاجي خاص لم يزد عدد الحلقات الدرامية فيه عن 15 حلقة.
الغريب والمُدهش أنه بعد الاحتفاء بالنظام الإنتاجي القائم على تقليل النفقات والحلقات وتعدد الموضوعات والتأييد التام الذي حظي به ونجاح مُعظم المُسلسلات القصيرة عادت الدراما المصرية لسيرتها الأولى تحاول تكرار نظام الإنتاج التقليدي بالعمل على تشجيع كتابة الحلقات الطويلة والمُتجاوزة العشرين والثلاثين حلقة وما بعدها.
غير أن هناك اتجاها لإضافة أجزاء أخرى لبعض مُسلسلات الخمس عشرة حلقة التي حققت نجاحاً جماهيرياً وشعبياً كمسلسل «تحت الوصاية» ومسلسل «حرب» و«الهرشة السابعة» و«وعود سخية» وذلك لاستغلال نجاحها في زيادة مُعدلات الدخل وتوسيع دائرة الكسب ببيعها لعدد أكبر من المحطات الفضائية، فضلاً عن توفير الجهد والوقت في البحث عن موضوعات جديدة يكون لها ذات التأثير الإيجابي وهي عملية غير مؤكدة ومتروكة لظروف العمل ومستواه، ومن ثم فمن الأسهل والمضمون كتابة أجزاء ثانية وربما ثالثة ورابعة لما تم عرضه بالفعل واتفق الجمهور على جودته وهي ذاتها اللعبة المُتداولة والمعروفة لدى المُنتجين والمخرجين وخبراء التسويق الضالعين في إعادة بيع المُنتجات الفنية والدرامية أكثر من مرة بعناوين مُختلفة وتحت غطاء الجزء الأول والثاني وهلم جرا.. إلى أن يصل الجمهور إلى حد الإشباع الكامل من النوع الدرامي الواحد بمذاقات مُختلفة ومُصطنعة ليس لها نكهة العمل الأصلي!

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية