التراث الغنائي العتيق للجهات: موروث حضاري ووثيقة تاريخية تروي قصة الإنسان التونسي عبر العصور

روعة قاسم
حجم الخط
2

تونس ـ «القدس العربي»: ارتبط التراث الغنائي التونسي العتيق في مختلف الجهات بالعادات والتقاليد، وبالأحداث التاريخية التي عاشها التونسيون في حقب مختلفة، حتى أصبحت هذه الأغاني وثائق هامة يعتمدها المؤرخون للحديث عن هذه الحقبة وتلك، ويستشهدون بها في بحوثهم ونتاجاتهم. والتراث الغنائي الشعبي التونسي لمختلف جهات البلاد ثري إلى درجة تفوق الوصف، ففيه قصص الحب والغرام، والعادات والتقاليد وفيه الأنشطة الاقتصادية، وخصوصا الفلاحة، والأحداث السياسية والحروب ومقاومة الاستعمار وغيرها من الأغراض. ولكل جهة في تونس تراثها الخاص بها والذي يقطر إبداعا، وكأن من وضعوا هذا التراث هم من كبار المختصين في الشعر والتلحين، في حين أنهم في أغلب الأحيان أناس بسطاء محدودي الزاد العلمي والمعرفي عاشوا تجارب عبروا عنها بطريقتهم الخاصة. لكن الإحساس العميق الذي عبروا وضمنوه في هذه الأغاني التراثية، وصدق المشاعر المتدفقة منهم هو الذي جعل فنهم يعانق الروعة وينتشر في البلاد وخارجها.

كما بات كثير من فناني تونس يقبلون عليه ويقومون بتغيير بعض مفرداته ويعيدون توزيعه بعد أن اكتشفوا أنه طريقهم إلى النجاح، ومن خلاله ودون الحاجة إلى الذهاب إلى موروث الآخرين أمكنهم الانتشار داخليا وخارجيا وذلك بالنظر إلى عذوبة ما تم نظمه من قبل الأولين. فكم من فنان تونسي أبدع أغنية حققت انتشارا واسعا تبين لاحقا أنها تراث لجهة من الجهات تم نفض الغبار عنه من خلال من حفظوه عن ظهر قلب واستقر في ذاكرة التونسيين من خلالهم؟

الكاف العريقة

ولئن تميزت كل جهة تونسية بتراثها الغنائي، إلا أن تراث ولاية الكاف ومدينتها هو الذي نال الشهرة أكثر من غيره باعتبار أن الكاف حافظت على كونها مدينة الفن والفنانين بامتياز. فهي التي ازدهر فيها المسرح والغناء على حد سواء وأنجبت مطربين ومسرحيين تركوا آثارهم في الساحتين الفنيتين التونسية والعربية حتى بات إسم الكاف مرادفا للفن النابع من عمق جبالها العالية ونسيمها العليل والذي لم ينتظر قدوم الأندلسيين ولا غيرهم ليزهر وتتطور أغراضه على غرار ما حصل في مدن أخرى يدعي أهلها أنهم فنانون وأن موطنهم هو أرض للفنون.
ولعل السبب في هذا التميز لمدينة الكاف وجوارها هو تاريخها العريق، فهي سيرتا النوميدية التي يرغب البعض في افتكاك إسمها التاريخي ونسبته إلى غيرها، وفيها معقل أو مائدة القائد النوميدي يوغرطة وتحديدا بمنطقة قلعة سنان. وفي محيطها وتحديدا في مدينة دقة التونسية التاريخية دفن القائد النوميدي ماسينيسا ويوجد ضريحه إلى اليوم وحافظ عليه التونسيون رغم اتهامه بالتسبب في انهيار الدولة الأخرى التي قامت على التراب التونسي الحالي وهي جمهورية قرطاج.
فمنذ التاريخ الغابر وأهل الكاف أو سيرتا يبدعون غناء ولحنا وشعرا ومسرحا وينتشر إبداعهم في مشارق الأرض ومغاربها. فهو تراث غزير ومعين لا ينضب، فيه ما يكفي أبناء الوطن ومن يرغبون السطو على بعضه ونسبته إلى أنفسهم رغم أن السطو عادة ما تفضحه اللهجة والعبارات المستعملة والأحداث التي تخص هذه الجهة التونسية أو تلك دون سواها.

وحش السرا

ويبدو هذا التراث الغنائي الشعبي التونسي بحاجة إلى التدوين والحفظ حتى لا تتناساه الّأجيال ويبقى على الدوام ملهما للفنانين للإنتاج والإبداع من جهة، ووثيقة تاريخية يمكن الاستعانة بها للتدوين وللتأريخ لحقبة ما تخص هذه الجهة أو تلك من جهة أخرى. فهناك الكثير مما تم تدوينه وحفظه، وهناك الكثير أيضا مما تم إهماله من خلال الاقتصار على ترديده شفويا في الأفراح والمناسبات فتناسته الأجيال جيلا بعد جيل واندثر برحيل حفظته عن هذه الحياة. ومن بين الأغاني التراثية التي اشتهرت في تونس أغنية «وحش السرا…» التي تروي قصّة شاب من قمّودة، وهو الإسم القديم لربوع ولاية سيدي بوزيد الحالية، عشق فتاة من «فريقيا» وهو الإسم القديم لمنطقة الشمال الغربي التونسي. فمن خلال هذه الأغنية يبرز جليا الخيال الشّعري الشّعبي الذي يترجم بما يزيد عن الكفاية ما يختلج في وجدان النّاس البسطاء العاديين من مشاعر، والذي يترجمه عنهم أشخاص من بني قومهم يتميزون بسعة خيالهم وقدرتهم على استنباط الصّور الشّعرية وهو ما يجعل هذا الغناء يتحدَّى الزّمن ويبقى في الذّاكرة وتردده الألسن باستمرار وتكرره منتشية بكلماته وعذوبة ألحانه.
لقد كان الناس في الأزمنة القديمة في تونس العريقة يتنقلون حسب الفصول من جهة إلى أخرى، فهناك من يتنقلون خريفا وشتاء لجمع الزيتون بمدن الساحل وصفاقس والوسط، وهناك من يذهب صيفا لحصاد القمح بجهة فريقيا أي الشمال الغربي. يغادرون أوطانهم من أجل الرزق الذي يتوفر في كل موسم فلاحي بجهة مختلفة بحسب إنتاجها. ويقضي هؤلاء موسما بأكمله في هذه الربوع وتلك إلى أن ينتهي الجمع أو الحصاد وأثناء تواجدهم بعيدا عن الديار قد يفتنون بجمال هذه الفتاة أو تلك ويحصل العشق من الجانبين وينسى الشاب في موطن الحبيبة ذويه وديار بني قومه.
لكن هذا العشق يصطدم بألم الفراق مع عودة الشاب الباحث عن رزقه إلى دياره بعد انتهاء موسم الحصاد فيحل فصل الشّتاء وبرده القارس ويعود الحنين إلى موطن الحبيبة وإلى الأيام الخوالي والذكريات الجميلة في ذلك الربع من ربوع البلاد. فيبدع كلمات وألحانا شجية تعبر على ما يشعر به من حنين قاتل وحزن شديد وحسرة على البعد في مشهد شبيه بلوعة الشاعر الجاهلي الذي اعتادت قبيلة حبيبته الترحال فيبدع في نظم العبارات بكاء على الأطلال باللهجة المحكية التونسية الخاصة بتلك المنطقة وتقول الأغنية:
«وحش السّرا وبروده يا ولفتي وحش السّرا وبروده وحش السّرا وبروده، يا من عزم شرَّف على قمُّودة
لو كان جاء الغريب يوطن يا ولفتي لو كان جاء الغريب يوطن لوكان جاء الغريب يوطـّن صدري عل صدرك بالحرير مبطـّن
لو كان جاء الغريب موالف يا ولفتي لوكان جاء الغريب موالف لو كان جاء الغريب موالف صدري عل صدرك كي الحرير مخالف
وارحي الرّحى وارتاحي يا ولفتي وارحي الرّحى وارتاحي وارحي الرّحى وارتاحي غقب الليل اسلهبي وارَّاحي
وارحي الرّحى بالرنَّة يا ولفتي ارحي الرحى بالرنَّة وارحي الرحى بالرنَّة وعقب الليل نحِّي حرامك والخلة».

أغان متوارثة

الصحافية التونسية كوثر شايبي إبنة سيدي بوزيد قالت لـ «القدس العربي» إن الأغاني التراثية هي جزء من تراث سيدي بوزيد كما غيرها من المناطق التونسية. وأضافت انها تعلمت أداء العديد من هذه الأغاني التراثية عن جدتها وأنها متوارثة جيلا بعد جيل. وقالت إن كل أبناء وبنات القرية يحفظون هذا التراث عن ظهر قلب وبات جزءا من موروثهم وحياتهم اليومية.
وتضيف: «مثلا أغنية وحش السرا تحكي قصة التجارة البينية التي كانت منتشرة في القرون الماضية حيث كان يتم التبادل الاقتصادي بين المناطق سواء من خلال البضائع التي تنتجها هذه الجهة ولا تنتجها الأخرى أو من خلال تنقل العمال في المواسم الفلاحية للعمل بهذه الجهة أو تلك وذلك في عصر لم تكن فيه الدولة تقوم بدورها في توزيع الإنتاج بين جميع المناطق. وتروي هذه الأغنية التي تلاقي شهرة في تونس كيفية وقوع ابن سيدي بو زيد بعشق فتاة من منطقة أخرى أثناء تبادل السلع مع أبناء تلك المنطقة، فهو من قمودة أي سيدي بو زيد حاليا ويعشق فتاة من فريقيا أي ولاية باجة وما جاورها من الولايات وهي الأراضي المعروفة بإنتاج الزراعات الكبرى مثل القمح والشعير».
ولا تخلو اليوم أي مناسبة من المناسبات الهامة في تونس سواء الأعراس أو غيرها من هذه الأغاني القديمة التي لها خصوصيتها ورونقها وتنقل المستمع إلى هذا العالم الأخضر من البساتين والزياتين والتلال الساحرة بنسيمها العليل بعيدا عن رتابة المدن وحياتها العصرية المليئة بالضغوطات، فمع الأغاني التراثية يجد التونسيون والتونسيات راحة من نسق الحياة الحديثة وعودة إلى الجذور وعالم الأجداد بكل بساطته وجماليته.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية