بيروت- “القدس العربي”:
هزّت شمال لبنان، حادثة أودت بحياة شابين من بلدة بشرّي هما هيثم جميل الهندي طوق، ومالك طوق، في ظل علامات استفهام حول أبعادها وتوقيتها ومدى ارتباطها بافتعال فتنة طائفية بين بشرّي المارونية وبقاعصفرين السنية على خلفية الخلاف العقاري حول ملكية القرنة السوداء أو مدى ارتباطها بتوجيه رسالة سياسية إلى رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع على خلفية موقفه المتشدد في الانتخابات الرئاسية.
غير أن الاتصالات الفورية التي سُجّلت، ساهمت في احتواء الغضب الذي عمّ بشري، ولعبت القوات اللبنانية دوراً حاسماً في ضبط النفس والتعقّل ومنع شباب البلدة من القيام بأي ردات فعل، حرصاً على عدم الانجرار إلى أي فتنة بين المسيحيين والسنّة كي تبقى منطقة الشمال أرضاً للعيش المشترك، علماً أن بعض شبان بشري توجّهوا بمبادرة فردية بالسلاح إلى الجرود، حيث تواجهوا مع عناصر الجيش اللبناني، ما أدى إلى اطلاق نار تسبّب بوقوع جرحى بينهم منصور سكر، في وقت أوقفت استخبارات الجيش شباناً من منطقة الضنية يُشتبه بعلاقتهم بالحادثة.
ولفتت إشارة مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان إلى “طابور خامس يسعى إلى تسعير الفتنة والاصطياد بالماء العكر”، وهو أجرى اتصالاً هاتفياً برئيس “تيار الكرامة” النائب فيصل كرامي، تناول خلاله الحادثة التي شهدتها القرنة السوداء، ودعاه إلى “المساهمة في تهدئة الأمور وإلى الإصرار على استخدام لغة العقل وتحكيم الوجدان الوطني”.
وكانت أنباء تحدثت عن اتصالات حصلت سابقاً بين النائب كرامي، ومسؤول حزب الله في الشمال محمد صالح، الذي حثّ كرامي على فعل كل ما بوسعه بغية إعطاء ملكية القرنة السوداء لبلدية بقاعصفرين، ولو اضطره ذلك إلى الهيمنة عليها بكل الوسائل.
غير أن موقع “ليبانون 24” أورد نقلاً عن مصادر مطلعة، نفي حزب الله بشكل قاطع أي علاقة له بما حصل في القرنة السوداء، وأنه “اتخذ اجراءات احترازية لمنع تفلت الأمور وذلك لضبط أي احتكاك مع بيئته الحاضنة التي تقع على تماس في بعض الأماكن مع بشري”. ولفتت المصادر إلى “أن الحزب سيعمل على ضبط الوضع، تخوفاً من تدحرج الأمور لأنها قد تنعكس سلباً على الاستقرار في الكثير من المناطق اللبنانية، وهذا خط أحمر لا يجب تجاوزه”.
على خط آخر، اتصل النائب اللواء أشرف ريفي برئيس حزب القوات اللبنانية، وقال: “هذه الجريمة مشبوهة، وقد سبقها منذ أشهر قطع كابلات التزلج، لذلك نخشى من فتنة مدبّرة، ونؤكد لأهلنا في بشري، أن شهيدهم هو شهيد جميع اللبنانيين، ونحن معهم لتوقيف القاتل ومحاكمته”، وأضاف “أكدنا مسؤولية أجهزة الدولة في توقيف القاتل ومحاكمته، ومعالجة تداعيات الجريمة بحكمة. وأكدنا مع الدكتور جعجع، أن الأولوية لتحقيق العدالة، وكلنا ثقة بأن الهدف من الجريمة حصول فتنة بين منطقتَي بشري والضنية، وهو ما سنواجهه لأن أهالي الضنية وبشري جيران وأهل. كما أكدنا سويةً أننا لن نستبق التحقيق قبل جلاء الأمر من خلال تحقيق سريع موضوعي وشفاف”.
وتلقى جعجع اتصالات من مفتي الجمهورية والنائبين فؤاد مخزومي وعبد العزيز الصمد، الذين أبدوا استنكارهم الشديد وأسفهم لسقوط الضحايا، مقدمين التعازي لأهالي الضحايا خصوصاً، وأهالي بشري عموماً، وشددوا على “ضرورة أن تجرى التحقيقات بسرعة لكشف المجرمين وسوقهم إلى العدالة في أقرب وقت ممكن”.
وكانت الحادثة استدعت ردود فعل، وأشارت النائبة ستريدا جعجع إلى “أن الجريمة النكراء وقعت في وضح النهار، ولا يمكن أن يكون الحل إلا بإحقاق الحق وسوق المجرمين إلى العدالة”، داعية “أهالي المغدور وأهالي بشري إلى التحلي بالصبر والهدوء بانتظار انتهاء التحقيقات وجلاء الحقيقة”.
ورأى النائب وليم طوق “أن هذه الجريمة الشنيعة لم ينفذها مسلحون مجهولون، بل قناصون غادرون يتربصون في نطاق أرضنا في “قمة الشهداء” بقصد الاستيلاء عليها. كما أن هذه الجريمة الشائنة ما كانت لتحصل لولا تراخي السلطات القضائية في حسم تثبيت الحدود منذ أكثر من سنتين”. وقال إن “الدعوة إلى ضبط النفس لا تعني إطلاقاً التساهل أو التفريط بدم الشهيد بل تعني الالتزام بقيمنا الاخلاقية والوطنية، والتمسك بتحصيل حقوقنا بأيدينا في حال تقاعس السلطات والاجهزة المعنية”.
وتابع رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي الحادث عبر سلسلة اتصالات أبرزها مع قائد الجيش والمراجع الأمنية والقضائية المختصة. وشدّد على أن “هذا الحادث مدان وستتم ملاحقة مرتكبيه وتوقيفهم ليأخذ القانون مجراه وليكونوا عبرة لغيرهم”. ولفت خلال اتصال مع النائبة جعجع إلى “ضرورة تحلي الجميع بالحكمة وعدم الانجرار إلى أي ردّات فعل خصوصاً في هذا الظرف الدقيق الذي نعيشه”.
كذلك، اتصل رئيس مجلس النواب نبيه بري بالنائب فيصل كرامي ودعاه إلى “توخّي الحكمة في التعامل مع الحادثة الأليمة التي أودت بحياة الشاب هيثم طوق”، كما دعا من خلاله “أهالي بقاعصفرين والضنية إلى عدم الانجرار وراء الاحكام المسبقة والشائعات بانتظار جلاء الحقيقة الكاملة”.
وعلى خط احتواء الفتنة في مهدها، صدر بيان مشترك عن مفتي طرابلس والشمال الشيخ محمد إمام، ورئيس أساقفة أبرشية طرابلس المارونية المطران يوسف سويف جاء فيه “أن خسارة أرواح غالية وعزيزة من بلدة بشري في منطقة القرنة السوداء هو حدث محزن وأليم. وأن دار الفتوى والمطرانية المارونية يهيبون بالأهالي الذين يعيشون جنباً إلى جنب منذ مئات السنين في منطقتي بشري والضنية أن تزيدهم هذه الحادثة إصراراً على اللُحمة الوطنية ووعياً وقدرة على احتواء هذا الألم المشترك”.
وحذّر البيان المشترك “من الانجرار إلى أي فتنة طائفية أو مناطقية”، مشدداً في الوقت ذاته “على السرعة والضرورة القصوى للقبض على الفاعلين ومحاسبتهم، وأن يبذل الأهالي من المنطقتين كل جهدهم للمساعدة في كشف الجناة وتقديمهم إلى المحاكمة العادلة”.
من ناحيته، كتب رئيس “تيار المردة” سليمان فرنجية عبر تويتر: “كل التعاطف مع ذوي الضحايا في بشري وعسى دماؤهم قرباناً على مذبح وحدة الوطن. وإننا إذ ندعو إلى التحلي بالحكمة قطعاً للطريق على أي فتنة، نناشد السلطات الأمنية والقضائية العمل وبسرعة لكشف الحقيقة وإحقاق العدالة”.
بدوره، عبّر البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي عن ألمه لحادثة القرنة السوداء، وقال: “نعوّل على الجيش لضبط الأمن لصالح الجميع كما على اهالي بشري ضبط النفس”.