هل هناك «قطبة مخفية» في قرار بوريس جونسون الاستقالة من رئاسة الحكومة البريطانية وبعد ذلك تخليه عن منصبه كنائب في مجلس العموم البريطاني؟
هذا سؤال هام بالنسبة لمتابعي أخبار الدولة البريطانية السياسية والاقتصادية، وتتواجد نظريات ومواقف عديدة حول الإجابة عنه.
والنظرية الأكثر ترجيحاً في الإعلام البريطاني كون جونسون راوغ في قول الحقيقة بالكامل أمام مجلس العموم حول مشاركته في مناسبات احتفالية في موقعه الرئاسي في 10 داوننغ ستريت في وقت حظّرت خلاله الحكومة إقامة مثل هذه الحفلات في نهاية عام 2021 بسبب وباء كورونا وبأنه كان مقتصداً في توضيح هذا الموضوع في جلسات مجلس العموم لاحقاً مما اعتبره خصومه كذباً ومخادعة ورأى حلفاؤه بأنها كانت حجة واهية للتخلص منه ونيل منصبه الرئاسي بين خصومه.
ولو اقتصر الأمر على تبرير «لقاءات كورونا» لكان زعيم المحافظين السابق ورئيس الحكومة السابق جونسون الملقب «ساحر هوديني» أفلت من العقاب والاضطرار إلى التنازل عن منصبه، إلا ان خشيته من العقوبات والغرامات القانونية التابعة للموضوع المرتبطة بملاحقة الشرطة البريطانية له في هذا المجال، وإمكان تجميد عمله السياسي واذلاله أمام الشعب البريطاني أديا إلى اعتكافه أولاً في نهاية عام 2022 (الاستقالة من رئاسة الحكومة) ثم في مطلع صيف 2023 (الاستقالة من مجلس العموم) على مضض.
وبالنظر إلى كتاب صدر مؤخراً للصحافي سابقاً في شؤون القيادة البريطانية في «الفايننشال تايمز» سيباستيان باين بعنوان: «سقوط بوريس جونسون، القصة الكاملة» فالقضية أعمق من ذلك إذ تواجدت داخل مجموعة حزب المحافظين التي قادت عملية «بريكست» داعمة انفصال بريطانيا عن كتلة دول الاتحاد الأوروبي سعت منذ البداية للحلول في مكان جونسون في قيادة البلد، وبينها رئيس الحكومة الحالي ريتشي سوناك والوزير مايكل غوف، ووزراء ظن جونسون أنه عيّنهم في المناصب الهامة في وزاراته وبذلك أمّن تأييدهم له، ولكنهم انقلبوا ضده عندما شعروا بانه في موقف ضعيف عددياً بين نواب حزب المحافظين في مجلس العموم البريطاني رغم استمراره في موقعه القومي شعبياً لدى الكثير من مؤيدي الحزب في البلد عموماً، ولاحتفاظه بموقع قائد حزب المحافظين القادر على اجتذاب العدد الأكبر من المقاعد النيابية للحزب في الانتخابات الاشتراعية.
حسب المؤلف فإن السياسة التي اتبعها جونسون بالنسبة إلى الحرب الأوكرانية ـ الروسية، كانت متقلبة، فتارة كان يدعو إلى التسليح المكثف لأوكرانيا وأخرى يتحفظ في هذا المجال بعدما يناقش الموضوع في لقاءاته كرئيس حكومة مع قائد روسيا فلاديمير بوتين، ويدرك خطورة المواجهة العسكرية وربما النووية مع نظام موسكو. وهذا موقف ربما لم يعجب القيادة السياسية الأمريكية، ولم ينل ارتياح قيادات مصانع الأسلحة الثقيلة في أوروبا وأمريكا التي ربما تفضل استمرار الحروب في العالم من دون حسمها لجهة أو أخرى وعدم اعتماد التفاوض المثمر في شأن توقيفها والتوصل ربما إلى تفاهمات بين الجوانب المتحاربة ميدانياً، الذي كان جونسون يطرحه بسبب خبرته في السياسة الخارجية في العالم.
في الصفحة 80 إلى 83 يقول المؤلف: «في 24 كانون الثاني (يناير) 2022 أكد جونسون لحلفائه أن أي غزو روسي لأوكرانيا سيكون وحشياً وخطيراً ومؤلماً ودامياً وانه سيتطور سلباً بسرعة، (حسب تقارير بحوزته من وكالات الاستخبارات) لوجود مجموعات روسية عديدة يصعب ضبطها على الحدود الروسية ـ الأوكرانية. وتمنى التوصل إلى مفاوضات لتحقيق السلام بين الجانبين. وفي 25 كانون الثاني (يناير) 2022 (على القارئ ملاحظة التوقيت حسب قول مؤلف الكتاب) أعلنت الشرطة البريطانية بان تحقيقها الجرمي في مخالفة قوانين كورونا ـ كوفيد في مقر الحكومة سينطلق مجدداً ما بالطبع سيهدد شرعية تصاريح ومواقف حكومة جونسون.
غير ان جونسون أعلن في مجلس العموم بانه لن يتراجع في دعمه لأوكرانيا ودعم تدريب القوات العسكرية الأوكرانية وتوفير الصواريخ والأسلحة المتطورة لأوكرانيا ولكن من دون إنشاء منطقة حظر تحليق جوي فوق البلد الذي قد يؤدي إلى مواجهة مباشرة مع روسيا.
وجرى نقاش في حكومة جونسون حول نوعية الأسلحة التي سيتم إرسالها إلى أوكرانيا، إذا كانت دفاعية فقط أو هجومية أيضاً. وكان من المفترض ان يناقش جونسون هذا الموضوع مع بوتين في كانون الثاني (يناير) 2022 ولكن هذا النقاش ألغي وأقتحم جونسون في قضية «بارتي غيت» حول مخالفاته القرارات الأمنية وإقامته الحفلات في موقعه الرئاسي واضطراره لمخاطبة مجلس العموم حول هذا الموضوع» (ص 81 و82) بدلاً من مناقشة قضية أمنية دولية مصيرية.
ولكن جونسون، حسب الكتاب، لم يستسلم، فزار أوكرانيا كرئيس حكومة في شباط (فبراير) 2022 وأعاد تأكيده على دعمه استقلالها والاعتراف الثابت بحدودها وحظي جونسون بتأييد شعبي أوكراني كبير، ولكن مصيره كان قد حُسم سلباً من جانب قيادات «الناتو» وشركات الأسلحة البريطانية والأمريكية والقادة الغربيين التابعين لها والذين يمثلونها ويتبعون املاءاتها ويؤثرون على مجلس العموم في لندن والإعلام البريطانيين.
بيد ان جونسون كعادته استمر في ممارسة ومتابعة مواقفه غير الخاضعة كلياً لمشيئة الجهات العالمية الأقوى منه، فزار موقع قيادة «الناتو» في بروكسل محذراً قياداتهم من ان الأزمة بلغت حداً يصعب كبحه، وداعياً لتفادي الأخطار المحدقة. وبالتالي، فإن جونسون كان يتجاوز دوراً رُسم له كرئيس لحكومة بريطانيا، ربما بسبب اعتقاده بأن معرفته في شؤون السياسة الخارجية تتخطى قرارات بعض حلفائه وظناً منه انه يفعل ما كان يفعله عراب أفكاره ومَثله الأعلى رئيس الوزراء البريطاني خلال الحرب العالمية الثانية ونستون تشرتشل، ومن بعده رؤساء حكومات بريطانية أقوياء كأدوارد هيث ومارغريت ثاتشر، من دون إدراكه ان الأمور في العالم وخصوصاً عالم القيادات الغربية، تغيرت وان المطلوب هو التبعية والانبطاح وليس التحاور والمشاورة أو المعارضة البناءة.
في الصفحة 91 من الكتاب يقول المؤلف إن الحرب الأوكرانية كان لها تأثيران أساسيان على رئاسة جونسون للحكومة، أولهما تصاعد دور الشؤون الدفاعية على توجهات جونسون الدبلوماسية واضطراره إلى لعب دور القائد السياسي ـ العسكري، ودفعه للتكيف العاطفي والمتردد في بعض الأحيان مع متطلبات القيادة العسكرية التي ربما لم تتناسب مع طبيعة شخصيته.
كما ان الغزو الروسي لأوكرانيا ورؤية الشعب البريطاني له شكّلا إضعافاً لمواقف جونسون، الذي اعتقد بان نظريات الحرب العالمية الثانية ودوافعها انتهتا.
ويشير المؤلف إلى أن مواقف جونسون بالنسبة إلى التكيف مع مواقف الرئيس الأمريكي جو بايدن ظهرت وكأنها متكاملة في البداية، ولكنها ذهبت في توجه مختلف لاحقاً عندما احتاج بايدن (كما احتاج قبله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورؤساء أمريكيون سابقون) إلى رئيس حكومة بريطاني يقول «نعم» لكل السياسات الأمريكية حتى لو لم يقتنع بها كلياً.
ومن هناك فصاعداً، وجد جونسون نفسه مضطراً للقيام بخطوات بريطانية داخلية خاطئة، بينها دعم عملية انتخاب ليز تراس لرئاسة الحكومة البريطانية بعد استقالته، حيث ارتكبت تراس أخطاء كبيرة في سياساتها الاقتصادية الداخلية واضطرت بدورها إلى الاستقالة وترك الساحة فارغة لريتشي سوناك.
وآنذاك كان وزير الخزانة، ريتشي سوناك يترصد إمكانيات وصوله إلى القيادة، بدعم من خصوم جونسون الكبار في حزب المحافظين، وعلى رأسهم مايكل غوف والساسة «البريكستيون» الطامحون إلى رئاسة الحكومة.
قضية «بارتي غيت» في بريطانيا كانت شبيهة إلى حد ما بقضية «ووترغيت» في أمريكا في عام 1973 عندما قررت الأجهزة المعادية للرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون الإطاحة به وإيصال نائبه جيرالد فورد إلى القيادة ما أتاح المجال أمام وزير الخارجية هنري كيسنجر التحكم بقرارات السياسة الخارجية الأمريكية في العقود اللاحقة.
يقول المؤلف انه أجرى مقابلات مع وزراء سابقين وموظفين عملوا تحت قيادة بوريس جونسون خلال تموز (يوليو) وآب (أغسطس) 2021 حول إمكانية سقوط بوريس وإذا سقط فهل سيعود؟ ومعظمهم قال إن جونسون أسقط نفسه بنفسه بسبب شخصيته الصريحة والمتهورة في اتخاذ بعض القرارات، ولكن أكثريتهم أكدوا بانه قائد المحافظين الأكثر قابلية على إعادة تمثيل كبير لحزب المحافظين في مجلس العموم وان ريتشي سوناك لا يمكنه مجاراته في هذا المجال.
واختلفت الآراء حول إذا كان سوناك ضالعاً في ما قد تسمى «مؤامرة» للإطاحة بجونسون، ولكن الكاتب أكد ان بوريس حاول استمالة سوناك، بعد فشل ليز تراس في رئاسة الحكومة، وعرضَ عليه ان يتعاونا سوياً، كما تعاون توني بلير وغوردون براون في بداية حكم حزب العمال في بريطانيا بعد سقوط نظام مارغريت ثاتشر ومن بعدها جون ميجور في قيادة البلد، ولكن سوناك رفض هذا العرض.
كما أن جونسون فشل في الحصول على تأييد مئة أو أكثر من نواب حزب المحافظين لمواجهة سوناك في منازلة على قيادة الحزب بالانتخاب والعودة إلى رئاسة الحكومة لكونه تأخر في القيام بهذه المبادرة فيما حظي سوناك بتأييد 144 نائباً محافظاً بينهم عدد كبير من الطامحين لاحقاً إلى الحلول مكان سوناك، وعلى رأسهم مايكل غوف، الذي يعتبره جونسون خصمه الدائم. إحدى مشاكل جونسون (حسب المؤلف) انه كان يثق ببعض الذين يعينهم في وزارات هامة في حكوماته، ممن لم يمتلكوا القدرات والمؤهلات على إدارة شؤون وزاراتهم واضطراره إلى التخلي عنهم لاحقاً. وبعض هؤلاء انقلبوا ضده عندما كان يواجه الصعوبات في قيادته للبلد (ص 258). كما أن جونسون كان يجد صعوبة في طرد بعض معاونيه وبعض الوزراء الذين كان قد عيّنهم في مناصب لم يكونوا يمتلكون الكفاءة للقيام بها لأنه لم يكن يحب المواجهة مع خصومه الداخليين في حرب المحافظين (ص 259).
المشكلة (برأي المؤلف) أن جونسون اعتاد ومنذ أن كان تلميذاً في الجامعة، على النجاح في مواجهة أي مشاكل أو خصومات قد يتعرض لها بحنكته وقدرته الخطابية. ولكن في هذه المناسبة كانت القضية أكبر من قضية قيادة مجلس الطلبة في جامعة أكسفورد بل كانت في قيادة بريطانيا العظمى وقرارات الحرب والسلم والتنسيق مع الحلفاء في الخارج.
لقد استمر في منصبه الرئاسي الحكومي ثلاث سنوات، فأثرت قراراته على خيارات الأجيال الحالية والقادمة. وقد يندم كثيرون على اعتكافه السياسة، ولكن السؤال يبقى: هل سيعتكف بوريس نهائياً أو سيعود إلى السياسة يوماً ما، كما فعل في الماضي؟
Sebastian Payne:
«The Fall of Boris Johnson»
Pan Books, McMillan, London 2023
203 Pages.