معرض كوريغرافيا الخزف للفنان التشكيلي التونسي صامد مرزوق: حين يصبح الطين أداة للانفتاح على مختلف العوالم الفنية

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي»: لم يكن من باب الصدفة أن تحتضن مدينة نابل التونسية، وتحديدا دار ثقافتها، معرضا شد إليه الانتباه للفنان التشكيلي التونسي صامد مرزوق عنوانه «كوريغرافيا الخزف» ويتواصل حتى نهاية هذا الشهر. فنابل المدينة السياحية الجميلة والهادئة والواقعة في الشمال الشرقي للبلاد التونسية، وإلى جانب مدينة المكنين وقرية قلالة بجزيرة جربة وسجنان ومكثر، هي مدينة الخزف بامتياز، وتشتهر بالصناعات التقليدية في هذا المجال وذلك منذ عهود سحيقة سابقة حتى للعصر القرطاجي.

وبالتالي لا يوجد أفضل من أهل نابل لتقييم هذا الفن الراقي الذي قدمه صامد مرزوق في معرضه الأول الذي عبق سحرا وجمالا بشهادة أغلب الحاضرين من زوار هذا المعرض. قدم مرزوق فنا جديدا خارجا عن المألوف جمع بين فنون متعددة حتى اعتبره البعض انفتاحا بكل ما للكلمة من معنى على مختلف العوالم الفنية وتجسيدا لقدرة استثنائية على الخلق والإبداع.
هو يراقص عجائن طين عصية على التطويع فيحولها بأنامله إلى تحف فنية يحتار في أمرها الناظر المتجول في أروقة المعرض ويتساءل هل هو في حضرة فنان تشكيلي أم مبدع خزفي أم نحات من عصور التاريخ الغابر؟ إنه التجديد الفني في أرقى مظاهره يتجلى في كوريغرافيا الخزف وفي تحف صامد مرزوق التي يبدو أنها ستحقق ثورة في عالم النحت وفي مجال صناعة الخزف وسيحتار المختصون في تصنيفها.
ويضم المعرض 22 قطعة خزفية أحجامها تتراوح بين 70 إلى 110 سنتمترات، لكل منها حكاية وقصة كما تقول الصحافية المختصة في الشأن الثقافي مفيدة خليل لـ«القدس العربي» مشبهة هذه التحف بالرقصات على إيقاع التانغو. وقالت إن صامد مرزوق تلتقط أنامله التفاصيل وتحولها إلى إلياذة خزفية. وإن الفنان الخزفي يوثق كل لحظة فرح أو ترح من خلال الطين ليوقف الزمن في لحظة صمت وتجلي.
وصامد مرزوق هو فنان تونسي بدأ مسيرته الفنية بالأعمال الخزفية التي كانت ضمن تكوينه الأكاديمي ومشاريع تخرّجه في مستوى ختم دروس الإجازة الأساسية في اختصاص الخزف. فأول عمل أنجزه هو «وسط مائي ياباني» وظفت فيه على وجه الخصوص تقنيات الراكو. وثاني عمل له اسمه «اللحظة المنحوتة» الذي طوّع فيه الطين المتحجر والعصي على التطويع لسرعة تيبّسه للتعبير عن اقتناص لحظات الزمن الهاربة في تحريك الطين.

تعبير عن الهوية

وفي حديثه لـ «القدس العربي» يعتبر صامد مرزوق بأنه اتخذ من شرائط الرقص الرياضي صورة لحركة الزمن في المادة، وتابع تطوير تجربته مع عجائن الطين وطلاءاتها ووسائل وأساليب معالجاتها الحرارية. كما أكد أنه كان يشارك بتلك الأعمال في عديد المعارض الجماعية مع فنانين تشكيليين تونسيين وأجانب كلما سمحت له الظروف، وقد ساعده في تلك المرحلة وشجعه، احتكاكه بفنانين ذوي شهرة وخبرة في مجال الخزف والرسم والنحت والسينما.
وعن سؤال «القدس العربي» حول خصوصية المنحوتات والأشكال التي يقوم بنحتها وعن ماذا تعبر، أجاب مرزوق قائلا: «لكل عمل فني خصوصياته مهما كان تماثل تلك الأعمال أو شبهُها بأعمال أخرى لفنانين آخرين. وما لم يكن لفنِّ الفنانٍ خصوصية، فإنّ فنه يخرج عن دوائر الفن. وأنا في توجهي الفني ساع إلى أن تتّسم أعمالي بمياسم الجِدّة في الشكل والجدّية في المضمون كأوّل شرط من شروط الفنون. كل منحوتة خزفية، كل عمل فني هو ـ بالضرورة ـ وجهة نظر الفنان في الموضوع الذي اختاره للتعبير عنه.
وبذلك ففي كل عمل فني أو غير فني ملامح من رؤية صاحبه في الحياة. وسواءً أكان صاحب ذاك العمل واعيا أو غير واع، فإن العمل يختزن جانبا من هوية صاحبه ومن مواقعه الفنية والفكرية والاجتماعية، ومسوغات مواقفه السياسية والاقتصادية. وقد حرصَت أن تكون تعبيرات أعمالي التشكيلية الفنية، تعبيرات واقعية ذات توجّه إنساني شمولي كوني بكل ما تعنيه الموضوعية من دلائل اجتماعية ـ تاريخية أصيلة. أمّا ما تعبر عنه أعمالي فإن استجلاءه موكول لنقاد الفن يُطلعون عليه جمهور الفنون التشكيلية البصرية ويحاورونني به لعل فيه ما يؤثر أو يثير في تشكيل الرأي العام كواحد من وظائف الفنون الملتزمة الهادفة المعاصرة».

حركات راقصة

واعتبر محدثنا أنه كانت له في سابق نشاطه الفني معروضات فردية ومشتركة، أَمّا هذا المعرض الشخصي المنتظم في نابل هو عمله الأول. وقد اختار له عنوان «كوريغرافيا خزفية» وهو كما يدلّ عنوانه إنجاز حركات فنية جماعية راقصة. ويؤكد الفنان أنه اتّخذ لكلٍ من قطعه الإحدى والعشرين تسمية من تسميات حركات الرقص العالمي المعاصر اجتهد شخصيا في تعريبها لعدم توفر مرادف لمفاهيمها أو مصطلحاتها في لغتنا، وبالتالي فقد جعل منها دوال على مداليل ومفاهيم فنية ومضامين فكرية. وأكد مرزوق أنه أثناء إعداده لهذا المعرض تفطن إلى ما بين واقعه الخاص وتعابيره من جفاء وتباين غير أنه أبقاه وشدد عليه وعزز مواقعه في تشكيل الحركات وتلوينها لأنه وجد فيها تجسيدا لتفاؤل بقراءة الواقع المحلي والعالمي قراءة تراهن على انتظارات جماهير الثقافة من نصف الكأس المملوء.
صامد مرزوق ما زال في حال انتظار وترقب لما سيكون لهذا المعرض الأول من أثر وتفاعل في الساحة الفنية والثقافية المحلية ولربما العربية والعالمية. ذلك أن الفنون اليوم وعلى وجه العموم تنزع، حسب محدثنا، منزعا إنسانيا شموليا كونيا لمجرد انخراط الفنون المعاصرة في سياق التحرر الاجتماعي ـ التاريخي العالمي. ومن هذا المنظور يرى مرزوق أن المعاصرة في الفنون ليست مجرد التزامن والمعايشة والتواجد مع الغير والانتساب للعصر، بل أنها خيار فني يقطع مع تيار الكلاسيكية الاتباعية التقليدية القائمة على الأمر والنهي و(يتنكّب) تيار الحداثة باعتباره تعبيرا انفراديا تمرّديا ذاتيا ذوقيا عن الذات ودوائرها.
ويضيف النحات قائلا: «مواضيعي كانت وستكون في سياق بحوثي الجامعية منذ إعدادي أطروحة دكتوراه موضوعها التقاطعات التقنية والتفاعلات الجمالية في الخزف المعاصر في حوض البحر الأبيض المتوسط. ومثل ما هو الأمر في الحياة فإن التعدد والتنوع مطلوب في الفن. وبالفعل فإن القطعة الخزفية مستقلة بذاتها شكلا ومضمونا غير أنها بالإمكان أن تكون معزولة أو ضمن تشكيلة مّا من القطع وفق مقتضيات التعبير التي يمليها موضوع التشكيل».

ندرة الطينة الخزفية

وعن المواد المستعملة في أعماله اعتبر محدثنا أن كل العجائن الطينية في الجملة خزف، وكل مادة قابلة للتطويع والتشكيل صارت تندرج تحت هذه التسمية أو بالأحرى تحت تسمية سيراميك فهي مادة خزفية بالمفهوم المعاصر. وأكد أنه استعمل في قطع كوريغرافيا الخزف عجائن طين طبرقة وعجائن طين أبيض وعجائن طين متحجر.
ويؤكد مرزوق أن «التحديات التي تواجه الخزّاف ـ حرفيا كان أو فنانا ـ هي عديدة ومتنوعة ولا تحصى، ولعلّ أخفّها وأهونها هي ندرة الطينة الخزفية وسائر المواد الأولية وكلفتها الباهظة، وكذلك غلاء أسعار الأدوات والأجهزة والآلات التي يحتاجها الخزاف لإنجاز أعماله». ويعتبر أن مواد الطلاءات ومستلزمات استعمالها تصنيعا وإتجارا فهي من التحديات التي تواجه فنه، وذلك عدا الأفران التقليدية، لأن مستلزمات المعالجة الحرارية تعدّ من العوائق والعقبات التي تجهض الأعمال وتحبط المشاريع سواءً أكان المنجز مادة تجارية أو عملا فنيا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية