«ماريونيت» فيلم قصير يتاجر بمعجزات الأسياد وخرافة العفاريت

كمال القاضي
حجم الخط
0

أن تطرح في فيلم روائي قصير مفهوماً خاصاً لعالم الميتافيزيقيا أو ما وراء الطبيعة فتلك مغامرة غير محسوبة على جميع المستويات، حيث لا يوجد في تجربة من هذا النوع ما يُبشر بنجاحها، فهذه النوعية من الأفكار السينمائية مقصورة فقط على الأفلام الروائية الطويلة التي تسعى لخلق جو من الإثارة والتشويق استهدافاً للربح ومغازلة الجمهور الشغوف بغرائب الأشياء وعوالم الجن والعفاريت وغيرها من أساليب الجذب والتسلية لزوم التخلص من الروتين اليومي والرتابة والاعتياد والملل.
هذه هي دوافع الجمهور لمشاهدة أفلام الرعب أو ما يشابهها، وهي معادلة يعيها تماماً صُناع الأفلام التجارية المتمرسون على إضافة المكونات الخاصة والبهارات المطلوبة للتذوق والاستحسان وضمان نجاح الفكرة وتحقيق الغرض المادي.
في فيلم «ماريونيت» القصير للمُنتج والمخرج الشاب حسن البرديسي نجد إصراراً على إقحام الغيبيات في تفاصيل حياة الأبطال عايدة رياض وأحمد سلامة وبقية الممثلين الشبان، سامح بسيوني وعيد أبو الحمد وإحسان الترك ومحمود الدبيكي ورغده عتيق، فهؤلاء هم المعنيون بالقصة والحكاية المُستلهمة من كتاب «صوت الأسياد» الذي حصلت عليه إحدى البطلات عن طريق الصدفة وقامت ببيعه لتاجر الكُتب التراثية القديمة، فما كان من التاجر إلا القيام ببيعه مُجدداً لمن يُقدر قيمته ويدفع الثمن ومن ثم تبدأ دورة الكتاب الأثري من محل التاجر أو مركز البيع لتتحول فصوله إلى حكاية مُرعبة أبطالها هم الشخصيات التي حاولت قراءة المحتوى والبحث في الصفحات عن ما يُلبي رغبتها ويرضي فضولها.
ومع كل شخصية قرأت الكتاب المسحور تتجدد التفاصيل وتُنبئنا الأحداث بما هو غريب ومُثير، وبالطبع يأتي التأثير سلبياً ومُخيفاً كي تكتمل المأساة وتتحدد مصائر الشخصيات التعيسة التي قرأت وتصفحت واستغرقت في التفكير، كأنها دخلت بتأثير القوة الخفية عالم الهلاك ولم تستطع الخروج منه إلا بالموت أو الهوس أو سيطرة الأسياد من الجن على العقول والإرادة البشرية حسب الاعتقاد السائد، فتُسلبها تماماً ليُصبح جميع الضحايا من قراء الكتاب الملعون في قبضة الكائنات الأخرى الأرضية فتتخلق أسباب الجريمة وتبدو كل الأشياء غير منطقية وجميع الشخصيات أسيرة لا تملك القُدرة على إنقاذ حياتها أو تغيير واقعها المأسوي المُرعب.
لقد اعترف المنتج والمخرج حسن البرديسي ضمناً ومن خلال التركيبة التراجيدية الصعبة أنه تورط في اختياره للقصة ومحاولة تطويعها داخل الفيلم القصير «ماريونيت» إذ استعصى عليه توظيف الفكرة الخيالية الغيبية التي كتبها المؤلف محمد ضياء بالشكل المناسب فكانت النتيجة مزيداً من الغموض والتركيب والتعقيد بلا استخلاص حقيقي يُفيد المعنى أو يُبرر معاناة الأبطال والشخصيات الثانوية المُشاركة. فعلى سبيل المثال لم يوحي ظهور عايدة رياض بمعنى مُعين غير كونها شخصية عابرة تمت مشاركتها في الأحداث هي وأحمد سلامة لمجرد أنهما نجمان كبيران يتمتعان بالقبول الجماهيري ومن الممكن الاستفادة من وجودهما في الفيلم لإثبات الجدية وتعظيم الفكرة السينمائية وإقناع المُتلقي بها.
أما عن مساهمتهما الحقيقية في البناء الدرامي فهي لم تتحقق بالشكل المطلوب برغم وجود مساحات تسمح بتمديد دور كل منهما ولو على سبيل الاستثمار الأدبي، ولكن لأن التجربة ذاتها بدائية وينقصها الكثير من النضج فلم يُلاحظ فيها أي مُكتسب لوجود نجمين مُحترفين لا على مستوى الأداء التمثيلي ولا من ناحية الاستغلال الجماهيري للأسماء باعتبارهما الأكثر شهرة بين الشخصيات الأخرى الثانوية والمُسند إليها أدوار أساسية.
في ظل حالة الارتباك الواضحة في الكتابة والإخراج والأداء التمثيلي لا يُمكن تفسير ذلك إلا في ضوء الإقرار بمبدأ التسرع في تنفيذ التجربة بدون الاختمار الكامل للفكرة في رأس المؤلف محمد ضياء والمخرج حسن البرديسي برغم محاولات الاجتهاد المُضنية للوصول إلى أفضل النتائج في جميع مراحل الإعداد والتنفيذ والعمل على استخدام الأدوات الفنية والإبداعية استخداماً أمثل، حيث لم يخف على المُتلقي الواعي بالجهود المبذولة أن هناك حُسن نية لعمل فيلم جيد وجديد بمقاييس فنية مُختلفة ومحاولة لإيجاد لغة تعبيرية خاصة تلائم الموضوع الاستثنائي وتقوم بالأساس على التكثيف وإعمال العقل والحواس في استقبال الإشارات الإبداعية الخاطفة واستنتاج المعاني الضمنية من بين السطور.
وهذه الجزئية بالتحديد نجحت فيها الموسيقى التصويرية إلى حد كبير، فقد أحدثت تجاوباً سريعاً بين مشاعر المُشاهد أو المُتلقي وبين الرسائل التي حملتها إليه تلك الإشارات السريعة كأنها تنبيهات لما يُراد قوله أو إثباته أو تأكيده في ما يخص صلة الإنسان بالعالم الغيبي ومدى إدراكه المُمكن لما يدور فيه عبر الوسائط الافتراضية كالكُتب التراثية أو غيرها من وسائل تحضير الأرواح حسب الزعم والإدعاء وفتاوى الدجالين والمشعوذين وأنماط الإبداع السينمائي التي تدور في فلك السحر والخرافة وتسعى لاستغلال فضول نوعيات خاصة من الجمهور للبحث في أسرار الكون الغامضة وغير المعلومة، اللهم إلا ما يتراءى للبعض من خلال الصور الهُلامية في الإبداع التجريبي الذي تحركه أصابع البهلوانات بخيوط وعرائس الماريونيت.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية