القاهرة ـ «القدس العربي»: استضافت القاهرة، الخميس، مؤتمر دول جوار السودان، لبحث سبل إنهاء الصراع الحالي وتداعياته السلبية عليها.
وجاء المؤتمر، حسب مراقبين، كمحاولة لاستعادة القاهرة دورها الإقليمي، وردا على محاولات التهميش في الأزمة السودانية، بعد أيام من دعوة اللجنة الرباعية لدول المنظمة الحكومية للتنمية «إيغاد» المعنية بحل الأزمة في السودان، إلى عقد قمة إقليمية لبحث نشر قوات لحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات، بعد نحو 3 أشهر من القتال بين قوات «الدعم السريع» والجيش السوداني، وهو ما رفضه الأخير.
وأكدت مخرجات القمة على الاحترام الكامل لسيادة ووحدة السودان وسلامة أراضيه، وعدم التدخل في شؤونه الداخلية، والتعامل مع النزاع القائم باعتباره شأناً داخلياً، مشددة على أهمية عدم تدخل أي أطراف خارجية في الأزمة بما يعيق جهود احتواءها ويطيل من أمدها.
وأشارت إلى أهمية الحفاظ على الدولة السودانية ومقدراتها ومؤسساتها، ومنع تفككها وانتشار عوامل الفوضى، بما في ذلك الإرهاب والجريمة المنظمة في محيطها، لافتة إلى التداعيات بالغة الخطورة على أمن واستقرار دول الجوار والمنطقة.
وأعربت عن قلقها البالغ إزاء تدهور الأوضاع الإنسانية في السودان، منددة بالاعتداءات المتكررة على المدنيين والمرافق الصحية والخدمية.
واتفقت دول جوار السودان على تسهيل نفاذ المساعدات الإنسانية المقدمة للسودان عبر أراضيها بالتنسيق مع الوكالات والمنظمات الدولية المعنية.
وأكدت على أهمية الحل السياسي لوقف الصراع الدائر في السودان، وإطلاق حوار جامع للأطراف السودانية يهدف لبدء عملية سياسية شاملة تلبي طموحات وتطلعات الشعب السوداني
واتفقت على تشكيل آليه وزارية بشأن الأزمة السودانية على مستوى وزراء خارجية دول الجوار، تعقد اجتماعها الأول في جمهورية تشاد، لوضع خطة عمل تنفيذية تتضمن وضع حلول عملية وقابلة للتنفيذ لوقف الاقتتال والتوصل إلى حل شامل للأزمة السودانية عبر التواصل المباشر مع الأطراف السودانية المختلفة، بالتكامل مع الآليات القائمة، بما فيها الإيغاد والاتحاد الأفريقي.
وكلفت آلية الاتصال ببحث الإجراءات التنفيذية المطلوبة لمعالجة تداعيات الأزمة السودانية على مستقبل استقرار السودان ووحدته وسلامة أراضيه، والحفاظ على مؤسساته الوطنية ومنعها من الانهيار، ووضع الضمانات التي تكفل الحد من الآثار السلبية للأزمة على دول الجوار، ودراسة آلية إيصال المساعدات الإنسانية والإغاثية إلى الشعب السوداني.
وحملت كلمات عدد من المشاركين في القمة رفضا للتدخل الخارجي ونشر قوات في السودان، فيما يعد تلميحا لدعوة اللجنة الرباعية.
وقالت مصادر لـ«القدس العربي» إن مصر ستطرح في مبادرتها وقفا لإطلاق النار يمتد لثلاثة أشهر تطلق خلالها عملية سياسية شاملة لإنهاء الصراع وتحقيق تطلعات الشعب السوداني.
الرئيس عبد الفتاح السيسي قال في اجتماع الأمس، إن بلاده «ستبذل كل ما في وسعها لوقف نزيف الدم في السودان».
وبين أن «مؤتمر قمة دول جوار السودان تنعقد في لحظة تاريخية فارقة من عمر السودان الشقيق الذي يمر بأزمة عميقة لها تداعياتها السلبية على الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم وعلى دول جوار السودان بشكل خاص».
وأضاف: «نسعى لتوحيد رؤية ومواقف دول الجوار تجاه الأزمة السودانية واتخاذ قرارات ملزمة».
المساعدات الإنسانية
ودعا السيسي الأطراف السودانية إلى تسهيل وصول المساعدات الإنسانية وموظفي الإغاثة إلى المناطق الأكثر احتياجا، موضحا أن تداعيات الوضع الإنساني المتدهور في السودان تتطلب الوقف السريع للاقتتال.
وبين أن مبادرة بلاده لحل الأزمة تتضمن مشاركة القوى السودانية والمدنية لبدء عملية سياسية، داعيا إلى تشكيل آلية اتصال منبثقة عن هذا المؤتمر لوضع خطة عملية تنفيذية لوضع حل شامل للأزمة والتنسيق مع كافة الأطراف في السودان.
باحثة في مركز الأهرام: حضور رئيس الوزراء الأثيوبي يشير إلى أن المؤتمر تلقى دعما أمريكيا
وأضاف أن «دول جوار السودان تعد الأشد تأثرا بالأزمة والأكثر فهما ودراية بتعقيداتها، ما يتعين على دولنا توحيد رؤيتها ومواقفها تجاه الأزمة واتخاذ قرارات متناسقة وموحدة تسهم في حلها بالتشاور مع أطروحات المؤسسات الإقليمية الفاعلة وعلى رأسها الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية؛ حفاظا على مصالح ومقدرات شعوب دول الجوار».
ولفت إلى أنه فور اندلاع الأزمة في السودان، بادرت مصر باستقبال مئات الآلاف من الأشقاء السودانيين الذين انضموا إلى ما يقرب من خمسة ملايين مواطن سوداني يعيشون فوق الأراضي المصرية منذ سنين عدة.
دعم دول الجوار
وأضاف: قدمت الحكومة المصرية مساعدات إغاثية عاجلة تضمنت مواد غذائية وإعاشية، ومستلزمات طبية للأشقاء السودانيين المتضررين من النزاع داخل الأراضي السودانية.
وطالب كافة أطراف المجتمع الدولي بتنفيذ تعهداتها بدعم دول جوار السودان الأكثر تضررا من الأزمة، لافتا إلى أن مصر استقبلت مئات الآلاف من السودانيين النازحين الذين انضموا إلى 5 ملايين من السودانيين يقيمون بالفعل على أرض مصر.
وأكد أن مصر ستبذل ما في وسعها مع كافة الأطراف لوقف نزيف الدم في السودان، والمساعدة في تحقيق تطلعات الشعب السوداني بالعيش في وطنه بأمن وحرية وسلام وعدالة، وتسهيل مرور المساعدات إلى السودان عبر الأراضي المصرية بالتنسيق مع الوكالات العالمية والإغاثية.
أما رئيس جنوب السودان سلفا كير، فأوضح أن الخطوات التي يأخذها العديد من الأطراف المعنية بالأزمة السودانية يجب أن تصل إلى وقف إطلاق نار مستدام.
وأضاف: نحن نشهد أوضاعا حرجة، ونرى الدمار يؤثر على جميع المناحي في السودان، ولذلك تركز دولة جنوب السودان على إيجاد حلول لهذه الأزمة السودانية القائمة، ونرى أن دول الجوار والمنطقة بأكملها يجب أن يجتمعوا ويجدوا حلا لهذه المشكلة.
وزاد: الأولوية بالنسبة لنا هي إيجاد حلول أفريقية للمشكلات الأفريقية، وأن تكون هذه المبادرات ناجحة وقائمة على معرفة سياق الصراع، فخبراتنا مع الصراع السوداني تمكننا من إيجاد الحلول.
وتابع: يجب علينا جميعا أن نسعى نحو فهم سياق الأزمة السودانية وتاريخ السودان عند مناقشة وبحث سبل إنهاء الحرب، والأكثر أهمية أن نستخدم الكثير من الصفقات في مسعانا لإيجاد الحلول والسلام لدولة السودان، وأن نضع مصلحة الشعب السوادني أولا، فلا يجب تجاهل صوت الشعب السوداني عند بحث سبل إنهاء هذا الصراع بشكل مستدام، لذلك بطالب بتوسيع نطاق مبادرة الايجاد لتضمين ممثلين عن الشعب السوداني، ودول الجوار السوداني الذين يعانون أيضا من آثار الأزمة الإنسانية التي ولدها الصراع.
في حين قال الرئيس الإريتري، أسياس أفورقي، إن مبادرة قمة دول جوار السودان ستقود في نهاية المطاف إلى تأمين المناخ الملائم للشعب السوداني، وكل دول الجوار تساعد السودان لحل مشكلاته وأزماته دون تداخلات خارجية.
وتابع: «قمة دول جوار السودان فرصة لبدء عمل جماعي بهدف تأمين المناخ في السودان، لكي تنعم كل الدول المجاورة بالاستقلال والتعاون مع السودان» مشيرا إلى أنّ تأمين المناخ السوداني يعني منع أي تدخلات خارجية تحت أي مسمى سواء كانت مسميات إنسانية أو التدخلات العسكرية.
وأكد أهمية مبادرة قمة دول الجوار بالقول «هذه المبادرة طيبة وتعد بداية لمسيرة طويلة للغاية من أجل الانتقال من الحالة التي يعاني منها الشعب السوداني إلى بر الأمان، إذ أنّها ستحتاج إلى مجهود ووقت وإمكانيات» مشيرا إلى أهمية وجود آلية واضحة ذات مراجع عملية حتى يتمكن الشعب السوداني من الاستفادة من الإمكانيات المتوفرة لكل الدول المجاورة.
واعتبر أنّه لا يوجد مبرر للحرب في السودان، وأن المطلوب الآن إعطاء فرصة للشعب الذي أطاح بنظام بائد دمر السودان اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وأمنيا، مؤكدا أنّ هذه المبادرة طيبة ويجب أن يكون لها نفس طويل ورؤى واضحة وآليات فعالة وعملية: «تاريخ المنطقة أو الإقليم الذي نعيش فيه فريد من نوعه، حل المشكلات في هذه المنطقة يعتمد كثيرا على ما سينتج من هذه المبادرة لتأمين المناخ للشعب السوداني».
الدكتورة أماني الطويل، مديرة البرنامج الأفريقي في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، قالت إن هناك فرصا كبيرة لنجاح المبادرة المصرية.
وأضافت لـ «القدس العربي» إن هذه الفرص تتمثل في المجهود المصري الذي اتفقت عليه كل دول الجوار ما ظهر في حضور المؤتمر، إضافة الى أن الهدف ليس إيجاد حل على المستوى العسكري فقط، وإنما على المستويين السياسي والإنساني، سواء في داخل السودان أو خارجها فيما يتعلق بقضية للاجئين.
وزادت: ما يدلل على أن هذه المبادرة قابلة للنجاح حضور رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد، ما يشير إلى أن مؤتمر دول الجوار يلقى دعما أمريكيا.
واعتبرت أن ما أشار إليه أمين عام الجامعة العربية أحمد أبو الغيط، من ضرورة دعم مسار جدة الساعي لوقف إطلاق النار بشكل فوري ومستدام يسمح باستئناف العملية الانتقالية وهو المسار الذي تبنته الولايات المتحدة والسعودية خلال جلسة المباحثات التي عقدت في جدة وحديث الرئيس الإريتري، أسياس أفورقي عن ضرورة التصدي لأي تدخل خارجي في الأزمة السودانية وتوسيع مبادرة الإيغاد لتضم دول الجوار، يؤكد تلاقي كل القوى على ضرورة إيجاد حلا للأزمة.
انقسام إقليمي
وعن وجود انقسام إقليمي بشأن الأزمة السودانية، قالت الطويل: يمكننا القول إن الانقسام كان موجودا قبل انعقاد قمة دول الجوار، وإن دول شرق أفريقيا باتت لديها قناعة أن ما مارسته من محاولة الاستئثار بالأزمة السودانية وإبعاد باقية الأطراف منذ اندلاع الثورة السودانية لم يحد.
وعن إمكانية تطبيق مخرجات المؤتمر على أرض الواقع في السودان، قالت إن الأمر سيتعلق بطبيعة الصفقة السياسية التي تتضمنها المخرجات.
وعن تأثير موقف مصر الداعم للجيش السوداني، وقدرتها على التأثير على قوات الدعم قالت الطويل «ليس من الضرورة أن تتواصل مع قوات الدعم السريع بشكل مباشر، التواصل يمكن أن يأتي من خلال قوى إقليمية داعمة لقوات الدعم».
وجاء مؤتمر القاهرة بعد سلسلة محاولات دبلوماسية لوقف إطلاق النار، منها ما شهده الأسبوع الثاني من الصراع، من عقد الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية محادثات لوقف إطلاق النار في مدينة جدة السعودية، وانعقاد قمة إيغاد في إثيوبيا لبحث الأزمة السودانية.