قد نطرح بيننا وبين أنفسنا الكثير من الأسئلة حول ماهية الألم. هل بالضرورة كل من يكتب الألم عرفه، أم أن بعضهم يكتب عنه كشأن إنساني يحاول الاقتراب منه من خلال الكتابة؟
حين قرأت» ذات حافية» للكاتب السوري أنس الغوري، هذا الكتاب الذي أضاف له عنوانا ثانويا: «نصوص عارية إنسانيا»، أدركت أنه لا يمكن أن يكتب عن الألم إلاّ من تعرض له. تأكدت أيضاً أن الألم الإنساني موزع بالمقدار ذاته على البشر، تقول الآية الكريمة: «إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ»، ومعنى ذلك أنّ جميعنا خبر الألم في مرحلة من مراحل حياته، لكن، بشكل متفاوت، فمنا من عاش معه حتى أصبح يراه في كل شيء، خاصة عندما يصاحبه الظلم البشري. والظلم الذي يشعر به المتألم أقسى عليه من الألم الذي يأتي نتيجة ظروف الحياة. وهذا ما نلمسه في نصوص الغوري، نصوص حقيقية تحكي الألم دون أن تفقد صلتها بالأدب الجيد حين يكتبه الرافضون لكل أشكال الظلم.
يقول الصحافي والأديب الروسي يفغيني زامياتين: «الأدب الحقيقي لا يكتبه الموظفون الخانعون والجديرون بالثقة، بل المجانين والنُسّاك والهراطقة والحالمون والمتمردون والمُشككون».
هكذا هي كتابات الغوري، متمردة حينا، وساخطة حينا آخر، محبة مرّة وكارهة مرّات أخرى، لكنها في كل المرّات متألمة، يقول: «الألم لا نهاية له إلا نفسه»، ثم يعرّف الألم على أنه: «تربة نحملها في أرواحنا صليبا أبديا»، ثم يعود مرّة أخرى للقول إن: «خلف كل حقيقة كبيرة، أَلم عظِيمٌ».
لا تربط نصوصه الأفكار المشتركة، بقدر ما يربطها التعبير عن الألم بطريقة ساخرة، عارية، يقول: «البعد العاري للوُجودِ يكتشفه داخله!». يكتب الخاص، أي أنه يعبّر انطلاقا من ذاته، لكنه يخوض في العام دون هوادة، وهنا تبرز قوّته في الكتابة، أي أنه لا يكتب ككلّ متألم، بل يكتب حين يكتب المبدع المتألم، الذي تمر الحياة أمامه دون أن تلقي له بالا، يكتب ليقول أنا هنا، أنا أرى، أنا موجود.
فالذي يقرأ «ذات حافية»، يكاد يجزم أنه يسرد سيرته مجزأة في نص تلو الآخر، لكن الذي يتأمل تلك النصوص يسهل عليه أن يعرف أن المؤلف يعري التعاملات البشرية لبعض النفوس، في نصوص تفضح أكثر من كونها تصف وجعا ما.
عبّر بطريقة مدهشة عمن ينتهجون الصدّ طريقة لإبعاد كل من يتوسمون بطريقة ما أنه في حاجتهم، يقول: «تجد كلماتك معلقة في فضاء زمني لا محسوب».
اختصر الغوري الألم الذي يتجسد في مشاهد الحياة اليومية، وذلك من خلال نص مكثف.
ومن جملة الأشياء التي ذكرها، وصفه لتبرّج الفتيات الذي يختصر رؤية البعض للجمال على أيامنا هذه، جمال بعيد كل البعد عن الجمال المريح للعين، يقول: «تبرّج الفتيات الفائض عن المتعة الجمالية من خلال طلاءات الوجوه التي تشبه طلاءات حيّنا العشوائي، تجرح عيني».
والجمال مرتبط كذلك بالأناقة التي ترتكز على البساطة، وقد شرح ذلك في قوله: «عرض الأزياء كل صباح ما هو إلا مشهد مفزع ووأد للبساطة والجمال الصادق».
أما حديثه عن الأزمة السورية انطلاقا من معاناته الشخصية وكل ما تعرّض له، فإنه دون شك السبب الأصيل الذي دعاه للكتابة، وقبلها سبّب له الألم. فكما ذكرت سابقا انطلق من الخاص ليعبّر عن العام، والعام في نصه هو الإنسان، السوري، اللاجئ الذي فقد وطنه، وكل من وجد نفسه عرضة لكل أشكال الحرمان، يقول: «أنا المبصوق من لغة العيش، المقبول في كتاب الأعداد»!.
عبّر عن الوجع السوري في عبارة تكاد وحدها تختصر العجز الذي نشعر به أمام مآسي الغير، يقول: «كل الحروف قصيرة القامة على الفجيعة السورية، يتوجب خلق أبجدية جديدة، بِكْر، تليق بفجيعتهم.»
ومرة ثانية يقول: «انظروا بعيونهم فقط، عيونهم التي فرّ منها الدمع! اقرأوا ما بعيونهم من فجائع!».
يعود مرة أخرى ليخاطب أبناء الشرق جميعا
«يا أبناء الشرق،
لنهدأ؛
لقد مرّت الحياة».
يجيد الغوري الانتقال بين العام والخاص بسلاسة مَنْ خَبِر الألم، وبراعة من أجاد الحديث عن ذلك أدبيا. يقول:
«الحرب لم تكن في بلدي فقط! بل داخلي حروب أشد ضروساً». فمرّة يخاطب والده: «يا أبي حينما منحتني الحياةَ بلا رحمة، فاتك أن تعلمني العيش». ومرّة أخرى يخاطب نفسه: «تمنيتُ، ورغبتُ، وسعيتُ لارتكاب الحياة بكليتها، إلا أن الأخيرة كانت تحتضر عندما وصلت.»
ويتساءل: «أنا، ‘االلا أحد، الذي أجهلني. كم أنا يلزمني حتى أعرفني!»، ليجيب في نص آخر: «الآن، أنا في مآل أضعت به أناي الحقيقية.»
تبين هذه العبارات المجتزأة من نصوصه بأن الذات الحافية، التي عبر عنها العنوان، فقدت بوصلة الأمل، لكنها لم تفقد بوصلة الحياة، والدليل أنه اتخذ الكتابة وسيلة مقاومة. فالكتابة هي سلاح المبدع، وقوته في مواجهة كل شيء.
ما كتبه الغوري يحدد طريقة نظرتنا للأشياء حولنا، وكأننا نعيد اكتشاف هذا الإنسان المادي، العاري أمام مطامعه، المكشوف أمام جشعه، في زمن طغت فيه المادة بشكل كبير على التعاملات الإنسانية، حتى صارت: «تذبح المودة بنعومة على وسادة المادة»، بتعبيره.
لذا فهو يرى أن «إنسانيتنا باطلة الأباطيل، وثقافتنا استعراضية! وكأنّ ما بعالمنا من خراب روحي وعيش جحيمي لا يكفي، إذ إنَّنا نزيد من تشظيه بسلوكنا اللاإنساني».
ولأن القراءة شأنها شأن الحب جزء من ذات الغوري، الذي يعتبر أن: «أفضل إرث وأثر ترك للإنسان، إيصاله لمرحلة الشّغف بالقراءة»، فهو لا يمكن أن يتخيل الوجود دون الكتب. يقول: «أقرأ بتطرّف، بجنون حقيقي دون مراعاة لأي ضوابط أو منهجية محددة. أقرأ كل ما تلمسه يداي ومَا تقع عليه عيناي».
وحدها الكتب تشكل بطريقة ما ذات المنعزل الذي يعتبر القراءة وسيلة للحياة والنفاذ لعالم يعد بالأفضل، عالما نعيد فيه ترميم ذواتنا، وفي الوقت ذاته يعتبر القراءة مهربا ووسيلة خلاص من كل الأمور التي تلحقه في عزلته مع الكتب. يقول: «في فضاء عزلتي، أتماهى مع الأغلفة، أنحل في بطونها، رسائلها وأفكارها. الحلول في كلّ ما يمت للكتب بصلة.»
قد يلجأ المتألم إلى العزلة كمنفذ لمواصلة الحياة، لكنه يفقد ذاته تدريجيا في الأشياء التي يفكر فيها، وينصب جل تفكيره حولها، وكأنه يتماهى مع العزلة متناسيا ذاته، وهذا ما أكده جورج باتاي في كتابه «الأدب والشر» حين قال: «يفقد الكائن المنعزل ذاته في شيء آخر بخلاف ذاته».
تقول نعيمة بنعبد العالي في كتابها «في البدء كانت الحيلة» أن «التفكيك يكمن في فن الكتابة»، والذي يقرأ كتاب «ذات حافية» سيتأكد له ذلك دون شك، ففي هذه النصوص نلمس تلك الروح السردية التي تشكل فن الكتابة حين يعتمد على التفكيك، فلم يلجأ الكاتب لترتيب أفكاره وفقا لما يقتضيه السرد، بقدر ما لجأ للتفكيك وفقا لما يقتضيه الألم. ذلك أن ما كتبه يشبه السيرة، لكنه ليس سيرة بالمفهوم المتعارف عليه للسيرة، بقدر ما هو سيرة الألم البشري، ألم من صنيعة الإنسان في حق أخيه الإنسان، لذا فهو يريد القول إن: «الحياة الإنسانية الحالية غير مثالية» بتعبير جورج باتاي.
لكن الغوري لا ينظر تماما إلى الحياة نظرة متشائمة لا وجهة للضوء فيها، بل يؤمن بالحب الذي يوسع وقت الحياة، يقول: «حتى لا نكون جاحدين ومجحفين، ثمة ضوء، أمثلة حية مترجمة واقعياً عن الإنسان السامي بكل خصاله، لكنهم قلةٌ، أقلاءُ جدا، بَيْد أنهم يبذرُون الحب في أرض اليباب، سُعاة سلام، ينشرون المعرفة، ويشيعون النور بصبر أنبياء.»
أنس الغوري: «ذات حافية»
دار فضاءات للنشر والتوزيع، عمّان 2022
179 صفحة.