تونس ـ «القدس العربي»: ما تزال الأوضاع في تونس تراوح مكانها بين أزمة سياسية ومجتمعية معقدة ووضع اقتصادي صعب. فرغم تحسن عديد المؤشرات الاقتصادية بسبب عائدات تحويل المهاجرين أو القروض التي حصلت عليها تونس مؤخرا، إلا أن غياب سياسات دولة واضحة في القطاعات الحيوية الحياتية مثل الصحة والتعليم والبحث العلمي والنقل والزراعة وغيرها، مع تفشي ظاهرة «القطاعية» والفئوية التي تحرّك الفاعلين السياسيين والاجتماعيين، علاوة على تصاعد المخاوف على الحريات، كل ذلك يلقي بثقله على الوضع العام في البلاد.
وفي خضم هذا الوضع المعقد جاء الاتفاق المبدئي الإطاري الحاصل مع الجانب الأوروبي، والذي يبدو بحاجة إلى اتفاقيات تفصيلية حتى يحصل التقييم الجيد لهذه التفاهمات الغامضة التي انطلقت بجهود قادتها رئيس الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، ليثير جدلا أوسع حول ما يحمله من نقاط وعناوين تبدو للبعض إيجابية في حين يتخوف البعض الآخر من بعض بنوده. لكن الأهم في هذه التفاهمات يبقى التأكيد على أهمية مشروع الربط الكهربائي الإستراتيجي بين القارتين العجوز والسمراء من خلال تونس وإيطاليا والذي نالت من أجله تونس هبة مالية من الاتحاد الأوروبي في وقت سابق وانطلقت الدراسات بشأنه.
كما أن هذه التفاهمات المبدئية لم تشترط حصول تونس على قرض من صندوق النقد الدولي لتقديم الدعم لها مثلما تفعل أغلب المؤسسات المالية الإقليمية والدولية وبعض الدول. حيث يتم ربط مساعدة الخضراء للخروج من أزمتها، باستمرار، بموافقة صندوق النقد الدولي على إقراضها بصورة نهائية من قبل مجلس إدارته وذلك بعد أن وافق خبراؤه بصورة مبدئية.
وتعد مذكرة التفاهم الأخيرة الموقعة بين تونس والاتحاد الأوروبي – من ناحية الطبيعة والشكل – اتفاقا مبدئيا وليس فيها التزام قانوني واضح، فهي إعلان نوايا وليست اتفاقا حسب ما ترى أستاذة القانون في الجامعة التونسية سلسبيل القليبي في حديثها لـ«القدس العربي». أما فيما يتعلق بمضمون النص فتعتبر محدثتنا بأنه يتضمن إيجابيات مثل وجود إقرار لدعم تونس في الانتقال الطاقي والرقمنة وغير ذلك. ولكن حسب القليبي، ليس هذا ما تحتاجه تونس اليوم، لأنه في الوقت الراهن الأهم بالنسبة لها هو ارجاع ثقة المجتمع الدولي بها كدولة قادرة على قبول الاستثمارات لإعادة عجلة الاقتصاد وإحداث مواطن الشغل. صحيح أن الجغرافيا تلعب لصالح تونس، باعتبارها بوابة الأفارقة إلى قلب أوروبا والتي تتوسط مع إيطاليا حوضي البحر الأبيض المتوسط وتطل عليهما معا، وتشرف على مضيق صقلية الذي تمر منه أهم حركات الملاحة الدولية ويرابط قبالته الأسطول السادس الأمريكي، وصحيح أيضا أن ملف الهجرة هو ورقة ضغط مهمة بيد التونسيين، لكن أوروبا تدرك جيدا حاجة تونس إلى السيولة المالية وأنها أمام فرصة تاريخية لفرض إملاءاتها في ملف الهجرة وفي ملفات أخرى. ويبدو المفاوض الأوروبي أكثر خبرة ودربة واستغلالا لورقات ضغطه من المفاوض التونسي حديث العهد بممارسة السلطة وبهذا الوضع الاقتصادي الاستثنائي الذي لم تعرف له تونس مثيلا في تاريخها الحديث.
لذلك يخشى الكثيرون في تونس أن يستغل الجانب الأوروبي الظرف وعدم خبرة الجانب التونسي ويحقق مبتغاه بتحميل تونس المسؤولية عن ملف هجرة لا ناقة ولا جمل لها فيه، فلا هي جارة لبلدان أفريقيا جنوب الصحراء، على غرار الجزائر وليبيا، ولا هي مسؤولة عن الحروب في هذه البلدان ولا عن استنزاف ثرواتها وتفقير شعوبها وإجبارها على الهجرة والرحيل. كل ما في الأمر أن الخضراء في تماس مع القارة العجوز، تتداخل مياهها الإقليمية وجزرها مع هذه القارة من خلال إيطاليا وهو ما جعلها قبلة للراغبين في الهجرة السرية من أبناء قارتها وغيرهم.
قلق تونسي
وترى القليبي أن النقطة الأهم وهي المركزية في التفاهمات الأخيرة بين تونس والأوروبيين هي قضية الهجرة بوجهيها، لأن هناك هجرة مواطني بلدان أفريقيا جنوب الصحراء إلى تونس كوطن عبور، وهجرة التونسيين لأوروبا. واعتبرت محدثتنا ان هذه النقطة ظلت غامضة وسيقع اكتمال مضامينها في روما. وقالت ان إعلان النوايا الأوروبي التونسي فيه ما يبعث على القلق باعتبار انه يتضمن إقرارا بأن تونس تلتزم بقبول كل من يقع ترحيلهم من تونسيين مهاجرين بطريقة غير نظامية في فضاء شنغن، وهي نقطة سلبية جدا بالنسبة للتونسيين حتى وان خرجوا بطريقة غير قانونية.
والنقطة الثانية ان تونس تلتزم بإرجاع الأفارقة لدولهم الأصلية وهذه المسألة سلبية لأنها ترمي على عاتق تونس التزاما ليس لديها إمكانيات مادية ولوجستية لتحقيقه، وعلى المستوى القانوني ليست هناك اتفاقيات مع الدول الأفريقية المصدّرة للمهاجرين تسمح بالترحيل. وهذا سيترتب عليه ان هؤلاء المهاجرين سيظلون عالقين في تونس. وقالت: «يجب على تونس ان ترفض الهجرة الانتقائية، فدول شمال المتوسط تقبل المهاجرين أصحاب الشهائد والكفاءات الذين أنفقت عليهم تونس أموالا طائلة لتكوينهم، ولا تقبل المهاجرين دون شهائد ومهارات وكفاءات» وهذا يعني حسب محدثتنا أن دول شمال المتوسط تواصل استغلال دول الجنوب من خلال استقطاب الثروات البشرية وذلك عندما تأخذ النخب وترفض المهاجرين الذين ليس لديهم تكوين ولم يكتسبوا مهارات.
تحسن المؤشرات
ورغم تحقيق الاقتصاد التونسي لأرقام مشجعة في الآونة الأخيرة بفضل جهود أبنائها في الداخل والتحويلات المالية الهامة للمغتربين خارج الديار، إلا أن التطور الحاصل في الصادرات الصناعية وزيت الزيتون وكثير من المواد الفلاحية وكذلك الفوسفات، تصطدم بمعضلة ارتفاع حجم الواردات. فتونس التي كانت تحقق مع بداية الألفية اكتفاءها الذاتي من المحروقات تستورد اليوم كميات كبيرة من النفط والغاز دمرت ميزانها التجاري بسبب ارتفاع الاستهلاك وعدم تطوير آبارها في السنوات الأخيرة وعدم التنقيب عن احتياطيات جديدة، والأهم هو تأخرها في تسريع وتيرة استغلال الطاقات البديلة التي كانت سباقة في الدخول إلى عصرها. كما أن ارتفاع أسعار الغذاء في العالم وخصوصا مادة القمح زاد من معاناة الميزان التجاري للتونسيين، وزاد عدم نزول الأمطار في عرقلة التدابير التي تم اتخاذها لتطوير إنتاج البلد من الحبوب وخصوصا القمح اللين.
ويتساءل الكثيرون من الذي يعيق النمو في تونس من خلال تعطيل مشاريع الطاقات البديلة التي ستوقف نزيف توريد النفط والغاز الذي يستأثر بنصيب الأسد من نفقات الدولة، ويعيق عودة إنتاج الفوسفات إلى النسق الطبيعي الذي كان عليه قبل الثورة، ومن يعيق سن القوانين الجديدة المحفزة للمغتربين بالخارج والأجانب على الاستثمار؟ فحتى البرلمان الجديد الذي تحدث نوابه أثناء حملاتهم عن عزمهم التسريع في النظر بالقوانين ذات الصبغة الاقتصادية مثل قانون الصرف لم يفوا بوعودهم وبقيت دار لقمان على حالها.
معارضة مهمشة
وفي خضم كل ذلك يتواصل الجفاء بين المعارضة ورئيس الجمهورية قيس سعيد، ولا يوجد أي شكل من أشكال التواصل بين الطرفين. فحتى البرلمان الذي كان من المفروض أنه ملتقى الطرفين قاطعت انتخاباته في وقت سابق أغلب أطياف المعارضة التي يقبع عدد من رموزها في السجن. وحتى مبادرة المنظمات الوطنية وعلى رأسها الاتحاد العام التونسي للشغل تجاهلها رئيس الجمهورية وباتت في عداد الماضي برأي البعض ولا يتصور أن ساكن قرطاج سيعيرها أي اهتمام.
خوف على الحريات
وفيما يتعلق بملف الحريات الذي يثير الكثير من الجدل في تونس وخارجها، ترى سلسبيل القليبي أن وضع الحريات اليوم في تونس يبعث على القلق رغم وجود نصوص قانونية ضامنة لها. وتضيف: «لقد كان دستور 25 تموز/يوليو 2022 تقريبا في نفس مستوى دستور 2014 شاف وواف وأتى على الحقوق والحريات بجميع أصنافها سواء المدنية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية أو التضامنية. كما انه في الدستور الجديد تم اعتماد نفس المادة الجامعة التي كانت في دستور 2014 وكانت هذه المادة تحت رقم 49 وأصبحت تحت رقم 55 في الدستور الجديد. هذه المادة تقيد المشّرع وتقيد جميع السلط فيما يتعلق بسلطتهم في الحد من الحقوق والحريات.
وفيما يتعلق بجواز الحد من الحقوق والحريات فقد جاءت المادة 55 وقيدت إمكانية الحد من الحريات بجملة من الشروط منها ان القيد لا يتم إلا بقانون، وهو ما يعني أن السلطة التنفيذية لا تستطيع التدخل بطريقة أصلية لفرض قيود على الحقوق والحريات. ويجب ان تكون ضرورية في دولة ديمقراطية، ويجب ان تكون قيودا تبررها المصلحة العامة والأمن العام والصحة العامة، وإلى غير ذلك، والقيود يجب ان تكون متناسبة مع موجباتها. كما أقر النص الدستوري المشار إليه أن جميع الهيئات القضائية مسؤولة عن حماية الحقوق والحريات من أي انتهاك».
وتعتبر محدثتنا بأنه من الناحية الدستورية ليس هناك تراجع عن الحقوق والحريات التي ترسخت في تونس، لكن عندما يتعلق الأمر بسلسلة من النصوص القانونية التي تمّ إقرارها قبل انتخاب البرلمان الجديد، أي تم اتخاذها بمقتضى مراسيم، تحصل الخشية على الحقوق والحريات. فهذه النصوص تضمنت انتهاكا للحقوق والحريات دون مراعاة ضوابط الفصل 55 من الدستور وهي قيود ليس ثابتا انها ضرورية في دولة ديمقراطية وبالتالي فهي تتعارض مع الدستور.
معضلة
المحكمة الدستورية
وتضيف القليبي: «المشكل اليوم انه عندما يكون الوضع يبعث على الانشغال على مستوى النصوص القانونية، وأيضا على المستوى المؤسساتي، باعتبار أنه لا توجد إلى اليوم محكمة دستورية يكون من بين مشمولاتها مراقبة المشّرع فيما يتعلق باحترام الدستور، وعندما يقول الدستور بأن جميع الهيئات القضائية مسؤولة عن حماية الحقوق والحريات من أي انتهاك بما فيها انتهاكات المشّرع، وعندما ينصّ الفصل 55 من الدستور على عدم جواز وضع قيود على الحقوق والحريات إلا بقانون تفرضه موجبات الدولة الديمقراطية، يعني أنه يجب تركيز هيئة تقوم بمراقبة البرلمان للتثبت بأنه احترم فعلا موجبات التناسب. ولكن الهيئة الدستورية غير موجودة، وبالتالي هناك إشكالية فيما يتعلق بالحقوق والحريات بغياب المحكمة الدستورية».
وأشارت إلى ان هناك إشكالية أخرى تتعلق بوجود مجلس أعلى للقضاء وقتي، إذ لم يقع تركيز مجلس القضاء الأعلى الدائم مثلما ضبطه دستور 25 تموز/يوليو 2022 وتضيف: «ما زلنا مع هيئة مؤقتة والهيئة المؤقتة لها من الهشاشة ما يجعلها غير ضامنة لاستقلال القضاء». وتضيف: «وللتأكيد ولرفع اللبس نقول إن استقلال القضاء ليس امتيازا للقضاة على الإطلاق بل حقا للمتقاضي وللمواطن والفرد. فالمواطن لا يمكن أن يشعر بالاطمئنان للسلطة عندما يكون أمام قضاء موظّف من قبل السلطة وتابع. ويمكن التأكيد على أن استقلال القضاء هو حق للمتقاضي وهو اليوم غير قائم لأسباب عدة لعل أهمها أن المجلس الأعلى للقضاء الذي هو الضامن لاستقلال القضاء هو اليوم هيئة مؤقتة.
غياب عقيدة
تحترم الحريات
واعتبرت القليبي أن غياب عقيدة في المجتمع متعلقة بالتمسك بالحقوق والحريات هو من أخطر تبعات العشر سنوات المنقضية، وقالت إن هناك انطباعا عند عديد الفئات بأن الديمقراطية لم تجلب إلا المتاعب والاشكاليات وعدم الاستقرار والتفكير المسترسل. وأضافت: «وبالتالي قبل 2021 كانت هناك امكانية لتجنيد المجتمع المدني في عديد القضايا للتصدي للسلطة للمطالبة بمزيد الحقوق والحريات وحمايتها واحترامها، ولكن اليوم هناك خطاب متواتر على غاية من الخطورة قوامه ان هناك فئات مجتمعية لا تكترث لحرية التعبير ما عدا النخبة المتبقية التي ظلت مجنّدة للدفع عن الحقوق والحريات، لكن عامة الناس لا تأبه لهذه المسألة. وهذا النقاش هو أخطر شيء لأنه يمكن ان تكون السلطة مستبدة مع نزعة لانتهاك الحقوق والحريات ولكن عندما تجد مجتمعا صامدا يؤمن بالحقوق لا تستطيع المضي قدما، بينما حين تجد مجتمعا مستسلما فإنها تجد الطريق معبدة للمضي تدريجيا في الاستبداد».
وقالت القليبي إن هذا الوضع يبعث على الانشغال ويدعو لليقظة والانتباه وترشيد الخطاب السياسي سواء كان من السلطة أو المعارضة، كما يفرض الدعوة إلى أن يكون خطاب الدولة في صف الحقوق والحريات. فالفصول المتعلقة بالحقوق والحريات تنصّ على ان الدولة هي الضامنة للحقوق والحريات، يعني هي مسؤولية الدولة. وأضافت: «لكننا لا نجد خطابا قويا للدولة للدفاع عن الحقوق والحريات وهو ما يجعل الانتهاكات قائمة، وهي من صنفين، أما انتهاكات في العلاقات العمودية أي العلاقة مع السلطة، أو انتهاكات أفقية وتتمثل في اعتداء الناس على حقوق بعضهم البعض».