قد يصعب على أي ناقد مراجعة كتاب يعرف مؤلفه ومعظم الشخصيات المذكورة فيه معرفة وثيقة، وان يقرر المنهج الذي سيعتمده في هذه المراجعة مع الاحتفاظ بالموضوعية.
وهذا أمر ينطبق على ما سيرد في السطور التالية وحول ما سيتم عرضه في التقييم النقدي لكتاب المستشار المالي اللبناني ـ البريطاني جورج كنعان، المدير الحالي لـ«جمعية المصرفيين العرب في بريطانيا» الذي عمل في تسعينيات القرن الماضي مديراً مالياً لاستثمارات الأمير السعودي خالد بن سلطان في بريطانيا والسعودية وأماكن أخرى من العالم.
عنوان الكتاب هو: «ما فوق قمم لبنان، أوديسة الانتقال من قرية لبنانية إلى جامعة هارفارد ثم إلى العمل المصرفي وتالياً إلى بلاط أمير سعودي».
ويحكي الكتاب مراحل حياة كنعان منذ ولادته ودراسته الابتدائية والثانوية في بلدة سوق الغرب اللبنانية ومن بعدها في الجامعة الأمريكية في بيروت (قسم الهندسة) ثم في جامعات أمريكا وعمله كمسؤول في مصارف أمريكية مرموقة في أثينا والرياض ولندن قبل قراره الالتحاق بالأمير خالد بن سلطان، قائد القوات العربية المشتركة المتحالفة مع القوات العسكرية الأمريكية والبريطانية في إخراج الجيش العراقي في عملية «عاصفة الصحراء» في عام 1991.
التحق كنعان بالبلاط الأميري السعودي للأمير خالد في عام 1990 وتمنى عليه (آنذاك) الأمير بعدم التدخل في شأنين هامين في نشاطاته، أولهما استثماراته في مصر وثانيهما قضايا جريدة «الحياة» التي يمتلكها. ولكن الأمير بدّل رأيه لاحقاً ودفعه إلى قيادة عملية القيام بإصلاحات في الوضع المالي لصحيفة «الحياة». وكعادته، لم يكن كنعان متحفظاً في مشورته بالنسبة لتلك الإصلاحات المنشودة، فاقترح في البداية إقفال الصحيفة لكونها تشكل هدراً كبيراً في أموال الأمير من دون تحقيق المردودات المالية ولأنها أغضبت عدداً من كبار قادة السعودية في تلك المرحلة وفي طليعتهم عمه الأمير سلمان بن عبد العزيز الذي كان يملك مؤسسة صحافية في العاصمة البريطانية تصدر صحيفة «الشرق الأوسط» ومجلة «المجلة» وعدداً من الإصدارات الأخرى ولأن الأمير سلمان (الذي هو الآن ملك السعودية) اعتبر بأن صحيفة «الحياة» تمثل مشروعاً منافساً لمشروعه الصحافي وتحدياً لمواقفه السياسية.
ويبدو في كتاب جورج كنعان أن الأمير خالد بن سلطان كان يطمح إلى مناصب عليا جداً في المملكة السعودية إذ أنه رفض نصيحة المؤلف بعدم نشر كتاب بعنوان «عاصفة الصحراء» عن دوره القيادي في إخراج الجيش العراقي من الكويت عام 1991 إلى جانب الجنرال الأمريكي نورمان شوارتزكوف والجنرال البريطاني بيتر دولابيليير. وكان رأي كنعان أن نشر مثل هذا الكتاب قد يُعتبر تحدياً للملك السعودي فهد وولي عهده الأمير عبد الله قائد الحرس الوطني السعودي وحتى لوالده الأمير سلطان، إذ ان الانتصار في معركة «الخفجي» والنجاح في منع الجيش العراقي من التقدم لم يعد فقط إلى الجيش السعودي الذي كان تحت قيادة الأمير خالد. ولكن الأمير خالد فضّل المضي في نشر الكتاب بمعاونة الكاتب البريطاني الراحل باتريك سيل، وبالتالي أغضب أكثر ثلاثة قادة نفوذاً في السعودية في تلك المرحلة (حسب قول كنعان) وهم الأمير عبد الله الذي كان ولياً للعهد وقائداً للحرس الوطني والملك فهد ووالده الأمير سلطان.
بيد أن كنعان يظهر في الكتاب مندفعاً في التزامه إنقاذ الأمير خالد من الصعوبات المالية والسياسية التي (برأي المؤلف) وضع الأمير نفسه فيها، ولكن المستشار المالي يبدو في الوقت نفسه شامتاً إزاء الشلة المستفيدة من أموال الأمير التي أحاطت به، إن كان في جريدة «الحياة» أو في مشاريعه الاستثمارية الأخرى، وخصوصاً في مصر، حيث دفعه رجال أعمال مصريون إلى الاستثمار في مشاريع فاشلة مكلفة واقتنصوا منه الأموال الضخمة، كما فعل الأمر ذاته رجال أعمال أمريكيون في مشاريع استثمر فيها الأمير خالد في الولايات المتحدة استثمارات كبيرة فاقت مردوداتها.
ومن الأمور اللافتة جداً في الكتاب قول المؤلف إن الأمير سلطان بن عبد العزيز (والد الأمير خالد) كان يحبذ الدور الاستشاري المالي لجورج كنعان وللعرّاب الذي أدخل جورج إلى البلاط المالي للأمير وهو رجل الأعمال السوري ـ البريطاني وفيق السعيد. بحيث كان السعيد، الرجل المقرب من الأمير سلطان، يؤكد لكنعان بأن الأمير سلطان يريد تنظيماً عقلانياً ومنطقياً لاستثمارات نجله خالد وعدم استفادة الطامعين بأمواله منه ومن الأموال التي كان يشرف عليها ويملكها. علماً أن كنعان يؤكد بان الأمير خالد لم يكن يكترث للأموال، بل كان همه الرئيسي دعم وخلافة «الجناح السلطاني» في القيادة السعودية وربما الوصول يوماً ما إلى منصب والده وحتى عمه. وبالتالي، فإن ذلك الطموح فسر اهتمامه بتقديم نفسه كقيادي سعودي كبير في الصحافة والنشر. غير ان هذا الأمر أكسبه عداوات لدى بعض قيادات السعودية العليا التي لم تكن تحبذ القياديين الذين يعتبرون الظهور الإعلامي الوسيلة الأفضل للقيادة. وبين كبار المتأثرين سلباً بمواقف الأمير خالد الإعلامية، كان ولي العهد الأمير عبد الله بن عبد العزيز قائد «الحرس الوطني» الذي رجح كفة السعودية في معركة «الخفجي» والذي عندما وصل إلى العرش الملكي قرر تقليص سلطة الأمير خالد ودوره في المملكة.
وبرغم ان نفوذ والده الأمير سلطان أعاده إلى الواجهة في وزارة الدفاع عام 2009 فإن نتائج الحرب السعودية ـ اليمنية في تلك المرحلة لم تُسهم في صعود الأمير خالد إلى المناصب التي طمح في الوصول إليها. وزاد الطين بلة وفاة والده وعرابه الأساسي الأمير سلطان وتقلص دور الأمراء «السلطانيين» في القيادة السعودية بعد عام 2011.
يُعزي كنعان خلافه مع الأمير خالد بن سلطان إلى نميمة بعض كبار أرباب جريدة «الحياة» الذين شعروا بخطورة وجوده كمستشار مالي إلى جانب الأمير خالد يقترح بشكل شبه متواصل إقفال الصحيفة وطرد موظفيها لكونها لا تفيد الأمير مالياً ولا سياسياً.
هذا أمر ربما يكون قد وقع، وقد يكون كنعان قد بالغ في التركيز عليه. ولكن المعرفة باندفاع وحماس جورج كنعان للحلول السريعة تشير إلى انه ربما تسرع في بعض اقتراحاته إلى الأمير خالد بشأن جريدة «الحياة» وإقفالها فيما كان يعمل فيها عدد من كبار الصحافيين العرب يعيشون في بريطانيا نتيجة لهجرتهم إلى العاصمة البريطانية مع عائلاتهم. فالحلول المالية للشؤون الإنسانية كما يعرف كنعان ليست دائماً الأفضل. وبالتالي، فإن كنعان اكتسب عداوات كان بغنى عنها.
كما ان اقتراحات كنعان بضم صحيفة «الحياة» إلى مجموعة صحافية ـ إذاعية بينها «المؤسسة اللبنانية للإرسال» (LBC) وبإشراف عرّاب مؤسسات الإعلانات في العالم العربي أنطوان شويري، لم يكن اقتراحاً من الممكن قبوله بسهولة من المجموعة المؤيدة للمقاومة الفلسطينية والقومية العربية في «الحياة» وفي بعض أوساط العالم العربي، لأن المجموعة التي اقترحها كنعان (LBC وشويري وغيرها) كانت مقربة من «القوات اللبنانية» خصمها في لبنان التي كانت تتحفظ جهات عربية عديدة نحوها. وهذا ربما فسر تحفظ الأمير خالد في توريط نفسه معها مع أنه كان إيجابياً جداً في تنفيذ مقترحات كنعان في زيارة لبنان والمكوث في فندق البستان في بيت مري ومقابلة السياسيين والصحافيين الكبار اللبنانيين ودفعهم إلى فتح النوافذ معه ومع السعودية عموماً.
وربما كان كنعان، حسب ما ورد في الفصول الأخيرة من الكتاب، وعندما يتحدث عن ندمه حول بعض الأمور يقول إنه كان ربما يتمنى أن يساهم الأمير خالد في وصوله (أي كنعان) إلى مناصب عليا في لبنان والعالم العربي بفضل نفوذه الكبير وأمواله الضخمة، وهذا أمر طبيعي لأي شخص طموح.
غير أن طموح كنعان الكبير وصراحته كإنسان في التعامل مع الأمير خالد في مجال نصائحه إليه في السنة الثالثة من عمله معه، وخلافات كنعان غير المبررة (ربما) مع حاسديه، الذين حرصوا على بقائهم في مناصبهم وقلقوا لنفوذه الكبير، هذه الأمور فجرت علاقة المؤلف بالأمير ووجهتها نحو السلبية وأدت إلى انتهاء العلاقة بينهما عبر التوقيع على انتهاء العمل والتعويضات عن طريق محامي الجانبين.
أما الحياة العائلية لجورج كنعان فانتهت مع زوجته الأمريكية كاثرين بطريقة مشابهة لانتهاء علاقته مع الأمير خالد بن سلطان، فهو مرتبط حالياً بعلاقة زوجية حميمة مع زوجته سلاف العبدالله التي تزوجها في عام 2003 ولكن مما يظهر وراء السطور فإن كنعان ما زال على علاقة صداقة طبيعية بزوجته الأمريكية السابقة كاثرين أم أولاده الثلاثة (شابان وصبية) الذين لا يملك علاقة عائلية متواصلة معهم (كما يتمنى) بسبب وجودهم في الغربة جغرافياً بينما هو يتنقل بين لبنان ولندن.
لا شك بأن جورج كنعان مهندس ورجل أعمال يمكن القول انه يختلف عن غيره ولكنه ككثير من صاحبي المواهب بين اللبنانيين والعرب يسجل أهدافاً في مرماه في كثير من الخطوات التي يتخذها بسبب توقه إلى العودة والاستقرار والعمل في لبنان، البلد الذي يراه في حالة من التدهور السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
جورج كنعان: «ما فوق قمم لبنان»
Nomad Publishing، لندن 2022
216 صفحة.