تركيا ومصر تبحثان عن الاستفادة من الفرص الضائعة

محمود علوش
حجم الخط
0

سيتعين على البلدين تعويض تجربة عقد من الاضطرابات وتحويلها إلى فرصة للانطلاق في تطوير العلاقات الجديدة لتشمل كافة المجالات من الاقتصاد والتجارة إلى التعاون الجيوسياسي.

تستعد تركيا ومصر لتدشين حقبة جديدة من العلاقات من خلال التحضير لعقد أول قمة بين الرئيسين رجب طيب اردوغان وعبد الفتاح السيسي منذ أن قرر البلدان في الرابع من تموز/يوليو الجاري إعادة تبادل السفراء بعد أزمة بينهما امتدت لنحو عشر سنوات. وكشف السفير التركي في القاهرة صالح موتلو شن مؤخراً عن اتفاق بين البلدين على زيارة سيُجريها السيسي إلى تركيا، لكنّه لم يُحدد موعدا لها. كما أن القاهرة لم تؤكد أو تنف تصريحات سفير تركيا لديها بخصوص الزيارة المحتملة. وكانت تقارير إعلامية توقّعت أن تُجرى الزيارة في السابع والعشرين من الشهر الجاري، لكنّها لم تحدث. كان السيسي في ذلك اليوم يُشارك في القمة الروسية الأفريقية التي عُقدت في مدينة سانت بطرسبرغ الروسية، والتي كانت مُجدولة منذ فترة، وهو ما يُضعف فرضية أن يكون هناك اتفاق أساساً على إجراء الزيارة في السابع والعشرين من تموز/يوليو ومن ثم تأجيلها أو إلغائها. مع ذلك، فإن قرار البلدين إعادة تبادل السفراء بعد نحو عامين من محادثات إصلاح العلاقات بينهما، يُشير إلى رغبتهما في طي كامل لصفحة الأزمة التي عصفت بينهما لما يقرب من عقد والتطلع إلى كيفية تعويض الفرص الضائعة والاستفادة من أخطاء الماضي.
وفي حال مضت خطط زيارة السيسي إلى تركيا وفق ما تأمله أنقرة، فإنها ستكون أحدث تحول في الشرق الأوسط الجديد، حيث تعمل القوى الإقليمية الفاعلة منذ عامين على إعادة تشكيل العلاقات فيما بينها بعد عقد من الاضطرابات الإقليمية الحادة والتركيز على معالجة التحديات المشتركة المستجدة التي تواجهها مثل الصعوبات الاقتصادية المتزايدة والحاجة إلى تنويع شراكاتها الإقليمية والدولية كوسيلة تحوط في شرق أوسط مُتغير لم تعد الولايات المتحدة راغبة في مواصلة انخراطها الفعال فيه. في حالة مصر وتركيا، فإن العلاقات الجديدة الناشئة بينهما سيكون لها تأثير عميق على الجغرافيا السياسية الإقليمية وقد تؤدي إلى انفراجة قوية في بعض الصراعات الإقليمية مثل ليبيا. وكانت الأزمة التي اندلعت بين البلدين في عام 2013 على خلفية إطاحة الجيش بحكم الرئيس الراحل محمد مرسي المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين أول أزمة بين قوتين إقليميتين مؤثرتين تسببت بها اضطرابات الربيع العربي بعد عام 2011. لقد كانت الظروف المضطربة التي مرت بها المنطقة العربية منذ تلك الفترة وصعود تيار الإسلام السياسي، الذي بدا أنه يحظى بتأييد شديد في أنقرة، واقعية لتأزيم العلاقة بين تركيا ومصر.

خصم إقليمي

مع مُضي عقد على الأزمة، تبيّن للسيسي واردوغان أن تكاليفها كانت باهظة للغاية على بلديهما بقدر أكبر من الفوائد. بالنسبة لأنقرة، لم يكن انهيار علاقاتها مع القاهرة مُجرد تحويلها إلى خصم إقليمي لها. لقد جرت الأزمة فيما بعد خصومات أخرى لتركيا في المنطقة ودفعت القوى المتضررة من تحوّلات الربيع العربي إلى الوحدة في مواجهة الطموحات الإقليمية لتركيا. كما دفعت القاهرة إلى الانخراط في تحالف إقليمي لإضعاف تركيا في الصراع على ثروات شرق البحر المتوسط. وبالنسبة للقاهرة، التي عادة ما تتسم سياستها الإقليمية بأنها أكثر اتزاناً من القوى الإقليمية الأخرى، وجدت نفسها في مواجهة مع خصم إقليمي تتداخل معه المصالح في كثير من المجالات من الاقتصاد والتجارة إلى الصراع الجيوسياسي في شرق البحر المتوسط وصولاً إلى ليبيا. على غرار براغماتية القادة التي لعبت دوراً فعالاً في إحداث تحول كبير في علاقات كل من تركيا والسعودية والإمارات، فإنها ساعدت في نقل العلاقة بين أنقرة ومصر إلى مستوى جديد.
في الواقع، لم يكن بالإمكان الخروج من الحلقة المفرغة في العلاقات التركية المصرية لولا الانعطافة التي بدأتها تركيا في سياستها الإقليمية مطلع عام 2021. على عكس المرحلة التي أعقبت اضطرابات الربيع العربي، والتي لم تستطع فيها تركيا تبني مقاربة دقيقة للواقع العربي، حيث راهنت على أن هذه التحولات ستؤدي إلى تغيير وجه المنطقة العربية، وبأن القوى الرافضة لها غير قادرة على مواجهتها، وهو رهان اتضح أنه خاطئ منذ الإطاحة بحكم الإخوان المسلمين في مصر عام 2013 أضحت تركيا الآن أكثر قدرة على فهم الواقع العربي بشكل صحيح. علاوة على أن الصراعات التي شهدتها بعض دول الربيع العربي قضت على الآمال بالتحول الديمقراطي، فإن القوى المعارضة للربيع العربي مثل مصر وبعض دول الخليج الأكثر فعالية في التأثير الإقليمي مثل الإمارات والمملكة العربية السعودية، أظهرت قدرتها على إفشال صعود تيار الإسلام السياسي. مع أن اندفاعة تركيا الإقليمية خلال العقد الماضي حققت لها بعض المكاسب القوية مثل تعزيز حضورها في سوريا وليبيا وتعزيز شراكتها الاستراتيجية مع قطر، إلآّ أنها تسببت بتأزيم علاقاتها مع قوى إقليمية أكثر تأثيراً وحضورا في المنطقة. يُمكن لهذه العوامل أن تُفسر بوضوح كيف أن تركيا عادت لتبني نهج تصفير المشاكل مع جوارها الإقليمي الجنوبي والتركيز على أولوية استعادة علاقاتها مع مصر ودول الخليج العربي.
وكانت خطوات بناء الثقة التي شرعت فيها القاهرة وأنقرة على مدى العامين الماضيين من خلال المحادثات الاستكشافية والزيارات المتبادلة على مستوى وزراء الخارجية فضلاً عن لقاء الرئيسين على هامش مونديال قطر في الدوحة فعالة وأفضت مؤخراً إلى اتخاذ قرار مشترك بإعادة تبادل السفراء. ورغم أن العامل الإقليمي المضطرب خلال العقد الماضي لعب الدور الأكبر في تأجيج الأزمة بين البلدين بقدر أكبر من الخلافات الثنائية، إلآّ أن الأزمة حرمت بلدين يتمتعان بمزايا اقتصادية كبيرة ومكانة إقليمية مؤثرة من الاستفادة من الفرص المتاحة لتطوير علاقاتهما ومن التعاون في بعض القضايا الإقليمية الأكثر تأثيراً عليهما مثل الصراع في ليبيا والوضع في شرق البحر المتوسط. في حين أن الموقف بشأن احتضان تركيا لقادة جماعة الإخوان المسلمين المصرية بعد عام 2013 أصبح أقل تأثيراً في ديناميكية الخلافات التركية المصرية بعد أن شرعت أنقرة في تقييد نشاط الجماعة على أراضيها في السنوات الأخيرة، إلآّ أن الخلاف بينهما بشأن ليبيا والوجود العسكري التركي فيها لا يزال قائماً وإن تراجعت وتيرته في الآونة الأخيرة بفعل التهدئة والتقارب الجديد.

علاقات جديدة

وسيتعين على مصر وتركيا الآن تعويض تجربة عقد من الاضطرابات وتحويلها إلى فرصة للانطلاق بزخم قوي في تطوير العلاقات الجديدة لتشمل كافة المجالات من الاقتصاد والتجارة إلى التعاون الجيوسياسي في القضايا ذات الاهتمام المشترك. إذا كان هناك من درس واضح ينبغي استخلاصه من الأزمة التي طال أمدها أكثر من اللازم فيتمثل بالحاجة إلى تأسيس علاقات جديدة ترتكز على قاعدة المصالح المشتركة بقدر أكبر من غيرها والحد من تأثير العوامل الإقليمية على مشروع الشراكة المنتظرة. لحسن الحظ، فإن العوامل الإقليمية الراهنة تبدو مناسبة على نحو أكبر في المضي في تأسيس شراكة جديدة بين تركيا ومصر على عكس الحالة الإقليمية التي كانت سائدة في العقد الماضي. كما لعبت التهدئة الإقليمية دوراً إيجابياً في تدشين العهد الجديد في العلاقات. مع ذلك، فإن نجاح المرحلة الجديدة في العلاقات التركية المصرية يفرض على البلدين التأكيد على مبدأ أساسي وهو أن العلاقات الجيدة والتعاون الإقليمي ينبغي أن لا يتأثرا بأية عوامل إقليمية مهما تغيّرت. يُمكن القول إن أنقرة والقاهرة استفادتا جيداً من دروس العقد الماضي ومن حقيقة أن الأزمة بينهما أُثّرت سلباً عليهما وعلى مصالحهما الإقليمية وخلقت مجالاً لقوى أخرى لتوظيفها. اليونان وقبرص الجنوبية على سبيل المثال استفادتا بقدر كبير من الأزمة التركية المصرية لفرض أطروحاتهما في الصراع الجيوسياسي في شرق البحر المتوسط.
ولا تعني العلاقات الجديدة بين تركيا ومصر أن القاهرة ستتخلى عن علاقاتها باليونان وقبرص الجنوبية أو أن أنقرة تأمل منها أن تفعل ذلك، لكنّ الوضع الجديد سيجعل مصر تولي أهمية أكبر لمصالحها الوطنية في مقاربة علاقاتها مع كل من تركيا واليونان وقبرص الجنوبية، وهذا يُشكل بحد ذاته مكسباً لأنقرة التي تسعى لتفكيك التكتل الإقليمي المناهض لها في شرق المتوسط. وتؤكد التحولات في العلاقات التركية المصرية إقرار كل من القاهرة وأنقرة بمكانتهما المؤثرة في معادلة شرق المتوسط وبأن محاولات تهميش أي منهما لا تُساعد في تحويل صراع شرق المتوسط إلى فرصة للتعاون بين دول الحوض من أجل الاستفادة من الثروات البحرية. في وقت ستسعى فيه القاهرة إلى تبني نهج إيجابي في العلاقة مع كل من تركيا واليونان وقبرص الجنوبية، فإن مقاربتها الجديدة للوضع في شرق المتوسط سترتكز على الاستفادة من الفرص التي تخلقها العلاقات الجديدة مع تركيا لتعزيز تموضعها الجيوسياسي. في الواقع، ليست مصر وحدها من وصلت إلى قناعة بأهمية تركيا في مشاريع الطاقة في شرق المتوسط. إسرائيل كذلك وجدت في إصلاح علاقتها مع تركيا وسيلة لتعزيز مصالحهما الجيوسياسية في المنطقة.
ومع أن الخلافات بين تركيا وكل من اليونان وقبرص الجنوبية تاريخية وتتجاوز ملف شرق المتوسط، إلآّ أن تركيا تُقدم نفسها على أنها قوة استقرار إقليمي وبأن الإقرار بمصالحها هو السبيل لنقل منطقة البحر المتوسط إلى مرحلة الاستقرار المستدام. مع الحقبة الجديدة في العلاقات التركية المصرية، فإن الهامش المتاح أمام اليونان وقبرص الجنوبية لمحاولة إضعاف تركيا في معادلة شرق المتوسط أصبحت محدودة. إلى جانب شرق المتوسط، يبرز ملف ليبيا كأحد القضايا الإقليمية الأساسية التي سيتعين على تركيا ومصر التعاون فيها. ومن المعلوم أن البلدين تبنيا سياسات متعارضة في الملف الليبي في السنوات الأخيرة، لكنّ حقيقة أنهما يجتمعان على تحقيق الاستقرار وإعادة توحيد مؤسسات الدولة الليبية، تُشكل أرضية مهمة لهذا التعاون. بالنظر إلى التأثير الكبير لأنقرة والقاهرة على طرفي الصراع في ليبيا، فإن مواءمة السياسات التركية والمصرية في الملف الليبي في الفترة المقبلة سيكون له أثر إيجابي على جهود إنجاح عملية التحول السياسي في ليبيا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية