رياض سلامة يودّع مصرف لبنان بعد 30 عاما من نوم اللبنانيين على حرير الهدر والدعم

سعد الياس
حجم الخط
2

بيروت- “القدس العربي”: ودّع رياض سلامة مصرف لبنان، ظهر الثلاثاء، بعد 30 عاماً على تربّعه على رأس الحاكمية، والمسؤولية عن خزينة الدولة على مدى 4 عهود رئاسية، بدأت مع الياس الهراوي مروراً بإميل لحود فميشال سليمان وصولاً إلى ميشال عون، وما تخلل ذلك من شغور رئاسي ومن حكومات للرؤساء رفيق الحريري وسليم الحص وعمر كرامي وفؤاد السنيورة وسعد الحريري ونجيب ميقاتي وحسان دياب، والذين عبَروا جميعاً وبقي رياض سلامة على رأس الحاكمية، ولم ينافسه على البقاء على الكرسي سوى رئيس مجلس النواب نبيه بري المستمر منذ عام 1992 لغاية اليوم.

والتصق اسم رياض سلامة بالاستقرار النقدي وتثبيت سعر صرف الدولار على 1500 ليرة لبنانية، ما جعل اللبنانيين ينامون على حرير وبحبوحة من دون أن يدركوا أن تثبيت سعر الصرف والدعم للكهرباء وللأدوية وللمشتقات النفطية يتم من ودائعهم التي ائتمنوا المصارف عليها، فأودعتها المصارف لدى البنك المركزي مقابل فوائد مرتفعة لتطير هذه الودائع بفعل عجز الدولة ومزاريب الهدر والمحاصصة.

وبعد تكريم رياض سلامة كـ”نموذج لأفضل حكام المصارف المركزية” ونيله الأوسمة، يخرج من مصرف لبنان حالياً بعد تحميله منذ ثورة 17 تشرين الأول/أكتوبر وزر الأزمة المالية الخانقة وتدهور سعر الصرف، الذي نجح أخيراً في أن يستقر بحدود 90 ألف ليرة وما دون، وينتهي به الأمر ملاحقاً أمام القضاء اللبناني والفرنسي والألماني بتهم الاختلاس وغسيل الأموال حتى إثبات العكس، فيما يتحدث سلامة عن تحويله “كبش محرقة” وعن غسل المنظومة يديها منه.

وفي يومه الأخير كحاكم لمصرف لبنان، غادر سلامة وودّعه الموظفون بالتصفيق والتقاط الصور التذكارية، وتوجّه إليهم بالقول: “أنا بتشكركن لوجودكن ومتأثّر كتير، وعم بودّعكن، بس قلبي باقي معكن، ومصرف لبنان صمد وسيبقى صامداً بوجودكم وأعطى النتائج التي يجب أن يعطيها قبل الأزمة وحتى بقلب الأزمة كان هو العمود الفقري للبنان”، وختم “المؤسسات استمرارية وكفّوا متل ما عوّدتمونا خلال 30 سنة”.

وتسلّم المسؤولية من سلامة النائب الأول للحاكم وسيم منصوري رغم الاعتراض العلني بشأن مرجعيته السياسية المتمثلة بالرئيس نبيه بري، والدينية المتمثلة بنائب رئيس المجلس الأسمى الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب، إذ رأى فيه البعض نوعاً من “الدلع ومحاولة للتنصّل من أي مسؤولية، ولو لم تكن هناك موافقة ضمنية لما تسلّم منصوري هذه المسؤولية”.

وعقد منصوري مؤتمراً صحافياً، إلى جانب النواب الثلاثة الآخرين، قال فيه “نمد أيدينا لكل السلطات في البلد في محاولة لإعطاء حل، ونتعهد بالشفافية الكاملة في عملنا، ومصرّون على رفع السرية المصرفية، وأتمنى أن نتوافق على إخراج كل ما يتعّق بالسياسة النقدية من التجاذبات السياسية التي لا أدخل فيها من أجل إنصاف اللبناني والمودع”. وأبدى اقتناعه بأنه “لا يُمكن تغيير السياسات الموجودة ونؤكد على استقلالية مصرف لبنان، وأرسلنا كتباً إلى وزارة المالية وأصدرنا قراراً عن المركزي يقضي بأنه لا يجوز المس بالتوظيفات الإلزامية تحت أي مسمى أو ذريعة، وأقنعنا الحكومة أنه يجب وقف سياسة الدعم، ونتيجة لذلك بدأ الاقتصاد يتعافى نسبيًّا، ولكن بقيت حاجة الحكومة للدولار من مصرف لبنان مستمرة لأن الحل الوحيد يكمن في إصلاح المالية العامة، فالمسألة ليست نقدية والحل ليس في المركزي إنما في السياسة المالية للحكومة”، معتبراً أننا “أمام مفترق طرق، فالاستمرار في نهج السياسات السابقة في ظل إمكانات “المركزي” المحدودة يعني أنه لا بد من الانتقال إلى وقف تمويل الدولة بالكامل، ولن يتم التوقيع على أي صرف لتمويل الحكومة إطلاقاً خارج قناعاتي وخارج الإطار القانوني لذلك”. ورأى “أن وقف التمويل للحكومة لا يمكن أن يتم بشكلٍ مفاجئ، ويجب أن يحصل تعاون قانوني متكامل بين الحكومة ومجلس النواب و”المركزي” ضمن خطة متكاملة تكفل أن تُعاد الأموال”.

وأعلن منصوري “أن وقف تمويل الحكومة لم يعد خياراً، والتدرّج باتخاذ القرار يحتاج إلى قانون وسيسمح قانون اقراض الحكومة بدفع رواتب القطاع العام والتشريع المطلوب يسمح بتنشيط الإدارة وتأمين الأموال للدواء، وتحرير سعر الصرف وتوحيده يجب أن يتم بالتدرج حفاظاً على الاستقرار وهذا القرار يُتخذ بالتوافق مع الحكومة، وتواصلنا مع القوى الأمنية والقضاء للقضاء على التلاعب بسعر الصرف، وما يُعزّز الاستقرار النقدي هو القانون الذي ستطلب الحكومة إقراره”.

تزامناً، كان رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي يترأس جلسة لمجلس الوزراء لمناقشة موازنة 2023 التي لن تتضمن فراسن موازنة ولا ضرائب بحسب ما تسرّب بل تصحيح للرسوم والإيرادات. وشارك في الجلسة النائب الأول لحاكم مصرف لبنان فيما أبلغ ميقاتي الوزراء بأن هناك مشروع قانون يرمي للاقتراض بالعملة الأجنبية من مصرف لبنان تمويل القطاع العام.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية