بغداد ـ «القدس العربي»:استذكر مسؤولون أكراد ينحدرون من عائلة بارزاني في إقليم كردستان العراق، أمس، الذكرى السنوية الـ40 لما يعرف بـ»مجزرة البارزانيين» التي راح ضحيتها آلاف الأشخاص ممن ينتمون للعائلة ذاتها على يد قوات النظام السابق، مجددين مطالباتهم بتعويض أسرّ الضحايا، فيما دعوا إلى «وحدة الصفّ الكردي» والتمسك بالحقوق الدستورية لإقليم كردستان.
زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، مسعود بارزاني، ذكر في بيان صحافي، إنه «قبل أربعين عاماً، اعتقل نظام البعث – في حملة شعواء عديمة الضمير – ثمانية آلاف رجل بارزاني من الشباب وكبار السن، تتراوح أعمارهم بين تسع سنوات وتسعين سنة، وتم إبادتهم بطريقة وحشية في صحراء جنوب العراق»، عادّاً هذه «الجريمة» أنها «ضمن سلسلة المآسي والتضحيات التي تم تنظيمها لتدمير وتعنيف أبناء الشعب الكردستاني، من اختفاء اثني عشر ألف شاب من الفيليين، والأنفال في كرميان، والهجمات الكيميائية على حلبجة وأجزاء أخرى من كردستان حتى التعريب والتغيير الديمغرافي لأجزاء من كردستان».
مسؤولون أكراد يدعون لوحدّة الصف والتمسّك بالحقوق الدستورية للإقليم
وأضاف: «أربعون عاماً مرت على هذه الجريمة، لكننا ما زلنا – للأسف – نرى الشوفينية وسوء النّية ومحاولة إبادة الشعب الكردستاني وإيذائه في خيال وسلوك بعض الناس وبعض الأطراف، وهذه المشكلة بحدّ ذاتها هي المشكلة الرئيسة لشعبنا في مواجهة العقلية اللإنسانية التي هي سبب البؤس وعدم الاستقرار في العراق والمنطقة».
وعبّر عن «امتنانه لأبناء شعبنا، سيما أبناء سهل أربيل وحرير وسوران، الذين كانوا متعاطفين بشجاعة وبروح قومية مع البارزانيين وساعدوهم في الأوقات الصعبة» وشكر «أقارب ضحايا الأنفال، وخاصة الأمهات والنساء البارزانيات اللواتي عانين من آلام فقدان أحبائهن لسنوات عديدة وأصبحن مثالاً أعلى في المقاومة والأخلاق (الكردية)».
آلام ومشاق
كذلك، استذكر رئيس الإقليم، نيجيرفان بارزاني الحادثة قائلاً: «نستذكر اليوم بإجلال وإكبار الذكرى الأربعين لأنفلة وتغييب ثمانية آلاف يافع وشاب ورجل وشيخ بارزاني في المجمعات القسرية، وقعوا في الفترة الممتدة من نهاية تموز/ يوليو حتى منتصف آب/ أغسطس من العام 1983، ضحايا لجريمة وحشية وحملة اعتقالات تعسفية نفذتها السلطات العراقية آنذاك، والتي أخذتهم كي لا يعودوا أبداً. فتُركت آلاف من عوائل البارزانيين التي لا حول لها ولا قوة في مجمعات قوشتبة وبحركة وحرير وسوران ومناطق أخرى بلا آباء ولا إخوة، وبقيت آلاف السيدات البارزانيات الطاهرات بلا أزواج واضطررن لمواجهة مصير مجهول صعب وشاق لوحدهن يقاومن العشرات من صنوف المعاناة والحرمان ويصمدن في وجهها».
وأضاف: «أصبحت هؤلاء السيدات الأب المعيل لأولادهن، يكسبن لقمة العيش لهم ويربينهم، وتعرضن للكثير من الآلام والمشاق. صمدن في وجه الحرمان والفقر والوحدة، وبروحية تحدّ عالية واجهن الحياة واستطعن بجدارة تنشئة جيل وطني حام للحمى. أقبّل أيدي هؤلاء الأمهات الرحيمات المخلصات واحدة واحدة».
واعتبر أن «أنفلة البارزانيين، وكسائر الجرائم التي ارتكبت بحق شعب كردستان، لم تؤد إلى تراجع قوة وحماسة شعبنا في مقارعة الظلم والدكتاتورية بل على العكس زادت من قوة روح التصدي والمواجهة وإرادة النصر والحرية عند كل شعب كردستان ليواصل النضال بإيمان أكثر رسوخاً».
وأشار إلى أنه «في هذه الذكرى نحيي ضحايا الأنفال وشهداء كردستان كافة، وننحني إجلالاً لأرواحهم الطاهرة الزكية. نحيي ونشكر ونعبر عن امتناننا لكل الكرماء في أربيل وأطرافها، وفي حرير وباطاس وسوران وأينما كانوا، الذين انبروا لمساعدة عوائل المؤنفلين البارزانيين وآووهم. وفي هذه الذكرى أيضاً وبينما يمر إقليم كردستان بأوضاع حرجة حساسة، نشدد على وحدة الصف والوئام والتلاحم بين كل أطراف ومكونات كردستان، فهذا هو السبيل الوحيد المؤدي إلى عزتنا وانتصارنا».
حملة عنصرية
في السياق أيضاً، أصدر رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني، بياناً قال فيه: «نحيي اليوم ذكرى مرور 40 عاماً على واحدة من أكثر الجرائم الوحشية التي ارتكبها النظام العراقي السابق. تلك الإبادة الجماعية التي أُزهقت فيها أرواح آلاف الأبرياء من البارزانيين، ليس لأي ذنب سوى لأنهم كرد وبارزانيون، إذ اُعتقلوا واحتجزوا، قبل دفنهم وهم أحياء في صحارى العراق».
وطبقاً لبارزاني، فإن الحادثة شكّلت «جزءاً من حملة عنصرية أطلقها نظام البعث البائد ضد شعب كردستان، وتمثلت بإخفاء وإبادة الكرد الفيليين وأنفلة مناطق بارزان وكرميان وبادينان، بالإضافة إلى ضرب حلبجة بالسلاح الكيميائي ومناطق عديدة من كردستان، وكانت ضمن سلسلة من الجرائم الشنيعة التي استهدفت مواطني كردستان».
ومضى يقول: «ما يدعو للأسف في هذه المناسبة، أنه وبعد مرور أربعة عقود على هذه الفاجعة، لا يزال هناك من يحمل العقلية الشوفينية وحقبة حملات الأنفال، إذ يسعى هؤلاء لانتهاك الحقوق الشرعية التي كفلها الدستور لمواطني كردستان، وحرمانهم منها، في الوقت الذي قدم فيه شعب كردستان آلاف الضحايا وواجه العديد من الجرائم والكوارث المأساوية، دفاعاً عن هويته القومية والوطنية، ولن يتنازل عنها أبداً».
وأوضح أن «بارزان، واحدة من مناطق كردستان التي عانت عشرات المرّات خلال القرن الماضي من الدمار والمحن والإبادات، إلّا أن الظلم والجرائم التي تعرضت لها لم تهز إرادتها الوطنية أو تكسر روحية صمودها ومقاومتها ودفاعها، ولطالما ثارت على الظلم والقهر، وإن انبثاق الكيان الدستوري الحالي لإقليم كردستان لم يكن إلّا نتيجة للصمود والتضحية والفداء ودماء شهدائنا الزكيّة، وهو مما يتطلب منّا جميعاً الدفاع عنه بكل السبل والمضي قُدُماً في مسيرة ازدهاره».
ولفت إلى إنه «بينما نستذكر هذه المأساة والذكرى الحزينة، نجدد التأكيد على مطالبة إقليم كردستان للحكومة العراقية بتقديم التعويضات المُثبّتة دستورياً، عن الحقوق المادية والمعنوية لعوائل وذوي ضحايا المؤنفلين وشعب كردستان المظلوم، كذلك ينبغي علينا العمل صفاً واحداً من أجل استئصال الفكر الذي أدى إلى حدوث فظائع الأنفال واجتثاثه ومنع تكرار مثل هذه الجرائم».
وحيّا «ذكرى البارزانيين المؤنفلين وعموم شهداء كردستان الذين تظل ذكراهم عالقة في وجداننا دائماً بإكبار وإجلال، كما نحيي بكل احترام وتقدير عوائل وذوي المؤنفلين الأكارم الذين واجهوا أصعب الأوقات، إلّا أنهم استطاعوا تربية أبنائهم وأجيالهم بعزّة وكرامة، كذلك نعبّر عن خالص شكرنا لأهالي أربيل وضواحيها وباقي مناطق كردستان على شجاعتهم ووطنيتهم، بعد أن تسابقوا لمساعدة عوائل البارزانيين المؤنفلين والتضامن معهم خلال تلك المأساة».
وفي 31 يوليو/تموز 1983، أطلق نظام صدام حسين، حملة «الأنفال»، باعتقال 8 آلاف من منطقة بارزان في الإقليم، ونقلهم إلى صحارى جنوبي العراق، وقام بقتلهم ودفنهم في مقابر جماعية.
وفي 3 مايو/أيار 2011، اعتبرت محكمة الجنايات العليا العراقية، حملة «الأنفال»، «جريمة ضد الإنسانية وإبادة جماعية».
وأوكل صدام قيادة الحملة التي جاءت بعد انتفاضة في إقليم كردستان مناهضة لحكم صدام، إلى أمين سر الشمال في «حزب البعث العربي الاشتراكي»، الفريق أول علي حسن المجيد التكريتي، الذي شن، في 16 مارس/ آذار 1988، قصفا جويا ومدفعيا بقنابل كيميائية على حلبجة وقرى محيطة بها، في هجوم صُنف أنه «جريمة إبادة جماعية».
وبعد عام 2003 تم اعتقال أركان النظام السابق وأدين عدد منهم، بينهم صدام حسين في قضية «الأنفال» وحكم على بعضم بالإعدام من ضمنهم علي حسن المجيد.