ديفيد ماكلوسكي في»محطة دمشق»: مشوق ومثير ولكن دوافعه سياسية ترويجية للغرب

سمير ناصيف
حجم الخط
0

يؤكد ليون بانيتا وزير الدفاع الأمريكي سابقاً ومدير «وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية» (CIA) قبل ذلك، في تقييمه لرواية «محطة دمشق» لكاتبها ديفيد ماكلوسكي، بأنها رواية نجحت في العرض القوي المؤثر والفاعل لقصة انحدار سوريا نحو الفوضى خلال انتفاضة الشعب السوري ضد نظامه في العقد الثاني من الألفية الثانية، وللثمن الذي دفعه ذلك الشعب بسبب قمع النظام له من خلال عرضه لاختبارات شخصيات تلك الرواية في عملهم في ذلك البلد في تلك المرحلة، وبينهم ناشطون تحدوا الموت وعانوا الكثير، ولكنهم نجحوا في نهاية الأمر في انتصار الرغبة في الحياة وفي ترجيح كفة مبدأ الحب على ممارسات القتل والكره والتعذيب هناك.
ويتشارك مع بانيتا في هذا التقييم الجنرال الأمريكي السابق (وأيضاً المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية) ديفيد بترايوس، الذي كان لفترة قائداً للقوات المركزية الأمريكية العسكرية في الشرق الأوسط. ويقول بترايوس في تقيمه للكتاب: «كانت قراءتي لكتاب ماكلوسكي ممتعة إلى أقصى الدرجات، فالكاتب الذي عمل سابقاً كناشط ميداني لوكالة الاستخبارات المركزية في دمشق، اختبر الوقائع هناك اختباراً مباشراً ما أدى إلى صقل قدرته على إنتاج رواية مثيرة وواقعية برغم انها يُفترض ان تميل نحو الخيال. كما أنه رسم صورة حقيقية حول دور «وكالة الاستخبارات الأمريكية» وعلى دموية ممارسات السلطة خلال الانتفاضة السورية ضد النظام. ويضيف بترايوس قائلاً: «أنا شخصياً عايشت تلك الأحداث المؤلمة لسوريا وللوكالة ولم يكن بوسعي سوى قراءة الكتاب برمته بشغف».
ويشارك الصحافي الأمريكي ديفيد اغناطيوس هذين الموقفين بتأكيده أن الوقائع في هذا الكتاب دقيقة وبأن موضوع الكتاب ليس رواية تجسس خيالية بل واقع للحياة في قالب رواية.
ومن غير المفاجئ أن يأتي هذا الإطراء على هذه الرواية من المصادر المذكورة أعلاه، ليس فقط بسبب أدوارهم السابقة (وربما الحالية) ولكن لأن قراءة الرواية مثيرة ولأنها تدفع القارئ للاستمرار في قراءتها لمعرفة ماذا سيحدث للعلاقة الحميمة بين رجل الاستخبارات الأمريكي (اسمه سام جوزف في الرواية) والشابة السورية الحسناء (اسمها مريم حداد في الكتاب) التي نجح سام في استقطابها للعمل كعميلة استخبارات أمريكية ضد النظام السوري، بينما كانت تعمل كمساعدة لإحدى كبيرات رموز النظام السوري الأمني والسياسي.
المشكلة في العقدة السردية للكتاب أن سام ارتبط بعلاقة غرامية مع مريم خلال تجنيدها، وهو أمر تحظّره وكالة الاستخبارات الأمريكية وانهما وقعا في نهاية الأمر في قبضة وكالات الاستخبارات «القمعية» السورية المتنازعة على السلطة فيما بينها.
لعل القضية التي قد يكون من المفيد طرحها هنا هي أن معظم الشخصيات السورية في هذه الرواية تظهر عنيفة تميل نحو القتل والتعذيب فيما أكثرية الشخصيات الأمريكية تبدو ذكية تميل نحو تحرير الشعب من الطغيان والتعذيب وتنجذب في النهاية نحو ما تمليه عليها عواطفها الإنسانية وحبها للحياة، فيما واقع الأمور في تصرفات محققي وكالات الاستخبارات الأجنبية خلال حرب العراق (عام 2003) أو في معتقل غوانتانامو أو ممارسات سجّان حليفتها الرئيسية وكالة «الموساد» ومتفرعاتها الأمنية الداخلية في إسرائيل مع المقاومين الفلسطينيين حالياً أو متفرعاتها الخارجية في «معتقل الخيام» في جنوب لبنان في الربع الأخير من القرن الماضي، تشير إلى ان هذه الرواية تنظر إلى الواقع في الشرق الأوسط بعين واحدة، وانه بعد قراءتها يشعر القارئ بأن رجال الاستخبارات الأمريكية وعملاءهم في الشرق الأوسط هم أشبه بملائكة يقاومون شياطين المخابرات العربية عموماً (السورية بالتحديد في هذه الرواية).
وبالتالي، فإن عنصر الموضوعية غير متواجد في هذه الرواية بالرغم من ان عنصر التشويق يشكل أحد عناصرها الأساسية. ولكن التعذيب الوحشي في السجون الغربية والإسرائيلية لا يبرر التعذيب القاسي في السجون السورية كما ورد في هذه الرواية.
ربما يتعمد ذكر أسماء شخصيات روايته بشكل يدفع القارئ إلى التعرف عليها في الوضع الحالي في سوريا، فهو لا يتجنب مثل هذا الأمر (كما يفعل كُتاب الروايات الجاسوسية الأجنبية الكبار) بل على العكس، فضباط الاستخبارات السورية في روايته، إما مذكور الأسم الأول من هويتهم أو القسم الثاني منها بشكل يُفهم القارئ ما هي هويتهم الحقيقية الكاملة، وبالتالي، كأن الكاتب كان يتمنى أن يذكر الاسم الكامل في الرواية ولكنه لم يفعل ذلك للمزيد من الإثارة والتساؤلات الترويجية لروايته لدى القارئ.
وهذه الوسيلة تستخدمها بعض الأفلام السينمائية أو التحقيقات التلفزيونية التي يسميها الراحل الكاتب الفلسطيني ادوارد سعيد بالوسائل الاستشراقية.
كما يذكر الكاتب الأسماء الكاملة لبعض المراكز التابعة للنظام السوري بالكامل وبعض عناوين الأحياء، إذ يتنقل بين الواقع والخيال بشكل محترف ينجح فيه في استقطاب غريزة المعرفة لدى القراء.
وبالتالي، فانه إما قام بأبحاث مكثفة بمفرده في هذا العمل الروائي أو ساعدته جهة أو مجموعة قامت بأبحاث مفصلة من أجل تحقيق رواية مثيرة ومقنعة وسالبة للألباب في الوقت عينه ومستقطبة للمواقف المنحازة ضد النظام السوري الأمني «القمعي».
وهنا تجدر الإشارة إلى أن هذه الرواية تصلح لأن يصدر عنها أحد أفلام توم كروز (الممثل الأمريكي) للمغامرات الخيالية التي تتضمن شبه وقائع مثيرة ولكنها تصب في النهاية في منطق الترويج للغرب وللممارسات الغربية الأمنية في المنطقة والتركيز على سلبيات الأنظمة العربية عموماً في التعامل مع شعوبها.
وبالتالي، يقتل أحد ضباط الاستخبارات السورية الكبار في الرواية أخيه وينتقل إلى المعسكر الغربي وبذلك ينقذ بطلي الرواية من الموت في نهاية الكتاب ولكنه يبقى في منصبه كعميل مزدوج.
ويتهم كاتب الرواية ضابط مخابرات سورية آخر كبير بامتلاك ميول جنسية نحو ارتكاب الفحشاء بالأطفال. ويصف ماكلوسكي أحد «وحوش» النظام بقتل خصومه ثم انتزاع الجزء الأعلى من رؤوسهم على طريقة الكومانشي (الهنود الحمر) في أفلام رعاة البقر الأمريكية. ولكن وفي النهاية تُخلص «وكالة الاستخبارات الأمريكية» الشعب السوري منه عن طريق اغتياله بطريقة محترفة ومقبولة من منطلق الرواية وكاتبها.
ومع أن مثل هذه الممارسات ليست مشرّعة في قوانين وكالات الاستخبارات الأمريكية والغربية عموماً ولكنها مقبولة في ممارسات وكالات الأمن الإسرائيلية، فإن أسئلة تُطرح إذا كانت روايات كهذه (أو الأفلام السينمائية والتقارير الإخبارية المشابهة لها) تسعى إلى تشريع مبادئ الاغتيال السياسي ضد الخصوم العرب لدى وكالات الأمن في العالم عن طريق خلق موجة شعبية عالمية تجندها «للتخلص من الشر»؟
ولعل الأمر الجديد في هذا التوجه الروائي والفني والإعلامي هو المنهج الفكري الغربي المنتشر هذه الأيام بفضل وسائل التواصل التي تُشرع وتجعل من المقبول به أي شيء بحيث ان كُتاب مثل هذه الروايات يفخرون بالعوامل التي دفعتهم إلى كتابتها أو الأفلام المنحازة والقيم التي تُبث فيها.
فيقول الكاتب ماكلوسكي في الصفحة الأخيرة من كتابه: «هذه الرواية (محطة دمشق) ما كان بإمكاني تحقيقها لولا حياتي وعملي في وكالة الاستخبارات الأمريكية. وقد حاولت أن أقدم الوقائع الدقيقة من دون التعرض للمعلومات المُحظور نشرها في شرائع الوكالة. وأنا أشكر كل العاملين في الوكالة الذين قرأوا مسودة الرواية قبل نشرها ووافقوا على نشرها. وأنا أحب وأقدر وكالة الاستخبارات الأمريكية وأتمنى من قراء روايتي أن يعمقوا فهمهم لرسالتها وللتضحيات التي قام بها ضباطها وناشطوها في العالم للمحافظة على أمن أمريكا وحمايتها وحماية طريقتها في العيش. وتبقى الوكالة مؤسسة لحماية الأمن في بلدنا وفي العالم». (ص 418).
إذن، فإلى الذين يحبون أفلام توم كروز للمغامرات الخارقة والتي يقضي فيها أبطال هذه الأفلام على خصومهم بفضل مهاراتهم وتفوقهم قد يُنصح بقراءة هذه الرواية والاستمتاع بالتشويق الوارد فيها مع التحفظ بالنسبة إلى دوافع وقيم كاتبها.
ولعله من المفيد أيضاً في هذا المجال طرح السؤال عن جدوى الفخر بعمليات الاغتيال عموماً كما يبدو في بعض تصريحات مسؤولين في أمن إسرائيل وما يقولونه بعد عمليات الاغتيال التي يرتكبوها ضد خصومهم، أو في التبرؤ من عمليات التعذيب ضد المناضلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية والتبجح في مقاومة التعذيب الاستخباراتي في السجون العربية وغض الطرف في الوقت نفسه عما يحدث في سجون إسرائيل وما حدث في السجون الأمريكية في العراق خلال الغزو الأمريكي للبلد في عام 2003 أو قبل وبعد ذلك في سجن غوانتانامو الأمريكي قرب كوبا خلافاً للشرائع الإنسانية والدولية.
كما لعله من الضروري تذكّر ما حدث في معتقل الخيام في جنوب لبنان في نهاية القرن الماضي خلال احتلال إسرائيل لتلك المنطقة من تعذيب للمقاومين اللبنانيين من جانب إسرائيل وحلفائها تحت نظر السلطة الأمريكية التي مهدت للاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان الذي استمر منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي حتى عام الألفين.
كتاب «محطة دمشق» قد يعجب الكثيرين من مؤيدي أمريكا وإسرائيل وسياستهما في الشرق الأوسط وبينهم بعض القياديين الغربيين الذين كان لهم الدور في ما يسمونه «تحرير المنطقة» من الطغيان ولكنه مفيد أيضاً لضبط ولجم ممارسي التعذيب في السجون السورية والعربية عموماً.
كما قد تُطرح تساؤلات عن أسباب ودوافع مثل هذه الممارسات القمعية للأنظمة العربية العسكرية وغيرها ضد شعوبها. ولعلها انطلقت بكثافة بعد ما سيطرت (بواسطة الانقلابات العسكرية) هذه الأنظمة على السلطة في المنطقة انطلاقاً من تأسيس إسرائيل في نهاية أربعينيات القرن الماضي وبعد ذلك وحتى الساعة.
والسؤال يبقى من هي الجهة التي ساهمت في نشوء مثل هذه الأنظمة وفي بقائها متمسكة بالسلطة في بلدانها لفترات طويلة؟
David McCloskey: «Damascus Station»
Swift Press, London 2023
419 pages.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية