أفيش فيلم «البعبع»
تفرض المُتغيرات الاقتصادية آليات جديدة في حسابات المُنتجين، ففي ظل الكساد وعدم إقبال الجمهور على دور العرض السينمائية بالشكل المُرضي ودخول المنصات الإلكترونية في سباق غير مُتكافئ مع النوافذ التقليدية لعروض الأفلام، بدأت عمليات التطوير والتفكير خارج الصندوق لإحكام عملية الإنتاج والإيرادات من جانب المُنتجين، تظهر دلالاتها وإماراتها في بعض التفاصيل الرئيسية التي يأتي على رأسها اعتماد مبدأ البطولة الجماعية كبديل لبطولة النجم الواحد، واختيار مجموعة من النجوم الشباب المقبولين لدى الجمهور للتصدي للأعمال الموسمية حلاً لأزمة الشباك وضماناً للأرباح.
خلال الموسم الصيفي الراهن أجريت عمليات رهان سريعة لأفلام العيدين الصغير والكبير للوقوف على المُعطيات والحيثيات الدقيقة لتجارب البطولات الجماعية وإدراك مدى صلاحيتها في إنقاذ الأفلام الجديدة من مأزق الأزمة الاقتصادية وارتفاع سعر تذكرة السينما، الذي يؤدي بالضرورة لتراجع نسبة الجمهور، ومن ثم انخفاض عائد الإيرادات بعيداً عن مُبالغات النجوم في تقدير تأثيرهم الشعبي على الاقتصاد السينمائي، حسب تصريحاتهم الدعائية.
لقد تعددت أنماط البطولات الجماعية في أكثر من فيلم خلال الفترة الماضية والمرحلة الحالية، حيث ظهرت أفلام رئيسية بتكلفة إنتاجية عالية نسبياً، تقوم على انتفاء فكرة البطل الفرد والاعتماد الكلي على بطولة مُشتركة لأكثر من ممثل، خاصة في أفلام الأكشن والكوميديا، باعتبارها نماذج تسمح بذلك وتستوجب موضوعاتها وجود عدد من الشخصيات والأبطال. من بين الأفلام التي عُرضت مؤخراً فيلم «البعبع» وهو نوع أكشن لايت كوميدي، حسب الوصف والتسمية الجديدة، وتقوم فكرته على التناغم في الأداء بين الأبطال، كل بما يمتلكه من مقومات كوميدية ومهارات جسمانية، فقد لعب دور البطولة أمير كرارة وباسم سمرة وياسمين صبري ومحمد عبد الرحمن، مع بعض الوجوه الجديدة من الأطفال، بهدف تحقيق الانسجام الكامل بين عناصر الأداء والتشويق وتلبية رغبات التنوع الجماهيري الشعبي لهواة الخلطة السينمائية بتركيبتها التجارية المعهودة في امتزاج مدروس بين الكوميديا والأكشن على خلفية المٌغامرات، وسُبل التسلية المناسبة لهذه النوعية من سينما الأعياد والمواسم.
وما حدث في فيلم «البعبع» حدث أيضاً في فيلم «مستر إكس» بطولة هنا الزاهد ورحاب الجمل وأوس أوس ومي عمر ومحمد أنور وضيف الشرف عمرو يوسف، فقد تم تطبيق النظرية التجارية ذاتها، حيث روعيت جميع عناصر الجذب المُراهن عليها من قبل جهة الإنتاج والمخرج أحمد عبد الوهاب، وهي عملية دمج النوع الكوميدي بالأكشن في وصفة سحرية سريعة المفعول، تنطلي فيها الخدعة على جمهور القاعدة العريضة من الشباب والمُراهقين وأصحاب المذاق السينمائي الخفيف الذين لا يميلون كثيراً للتعقيد والتركيب والمُبالغة في الجدية. ولم يختلف فيلم «أبو نسب» بأي حال من الأحوال في ما يهدف إليه عن غيره من الأفلام سابقة الذكر، فهو أيضاً يعتمد على البطولة الجماعية بين ياسمين عبد العزيز ومحمد عادل إمام وياسمين صبري وماجد الكدواني، دون النظر إلى ضرورة البطولة المُطلقة مع ترك الفرصة لكل نجم من الأبطال المُشاركين لإثبات وجودة الشخصي، من خلال الأداء فقط وتأثير قُدراته وإمكانياته على جمهوره الذي ارتبط به طوال مشواره الفني، وهي نقطة أساسية تُمثل جوهر المُنافسة بين جميع الممثلين وتؤكد بالتجربة الواقعية الرصيد الحقيقي لكل منهم لدى الجمهور.
ومن واقع التجارب الأخرى المُماثلة والمُتضمنة في أفلام مثل «فوي فوي» لنيلي كريم ومحمد فراج وبيومي فؤاد و»شماريخ» لآسر ياسين وأمينة خليل وخالد الصاوي، يُمكن الوصول لما تسير عليه خُطة السينما المصرية ومُنتجيها ومُخرجيها وأبطالها وجميع صُناعها في هذه الأثناء، وهي اتباع مبدأ الأولوية الاقتصادية وإبعاد شبح الخسارة بأي حيلة ووسيلة، فما يهم الآن هو تحقيق المُعادلة الصعبة بين بقاء وجود الصناعة في حد ذاتها، وتعدد الاختيارات في الأشكال والمضامين لضمان الترويج، أما مسألة النجومية والتعويل على اسم البطل والبطلة، فهي مسألة لم تعد مناسبة بمقاييس المرحلة والظروف، وعلى النجوم والنجمات التسليم بذلك وإلا سوف تتعطل مسيرتهم فلا يجنون غير البطالة إذا ما أصروا على العمل بالنظام التقليدي والتصدي للبطولة الفردية، حينها سيتخلى عنهم المُنتجون خوفاً من الخسارة، ويغيب عنهم وهج الأضواء وسيعاودون حينها البحث عن أدوار ضيوف الشرف لإثبات أنهم لا يزالون على قيد الحياة! تلك هي الرؤية الحالية لمفهوم البطولة بمعناها الشامل والواقعي لذا فإن نوافذ المُستقبل في السينما ستُفتح على مصارعها لتُطل منها الوجوه الشابة التي تستعد لتحل محل غيرها من الأبطال الذين استنفدوا كل طاقاتهم فلم يعد لديهم جديداً يقدمونه، إلا إذا خضعوا لشروط السوق وسلموا بنظرية العمل الجماعي فبقوا وبقي تأثيرهم.
كاتب مصري